الأحزاب المعلبة لن تصنع حياة سياسية

Foto

لماذا تصاعدت نغمة الحديث عن دور الأحزاب السياسية فى الفترة الأخيرة؟ كيف يتصور البعض أن مشكلة الحياة السياسية هى كثرة عدد الأحزاب؟ ما الخطوات المبدئية من أجل بناء أحزاب جادة قادرة على الفعل والتأثير؟


يبدو تصاعد الحديث فى الآونة الأخيرة عن الأحزاب السياسية فى مصر ودورها وتأثيرها لافتًا ومثيرًا للقلق فى واقع الأمر، فرغم ما هو مؤكد أن أوضاع الأحزاب ربما تكون فى أسوأ أحوالها حتى مقارنة بفترات سابقة، فإن اختزال مشكلة الحياة السياسية فى مصر فى الأحزاب وعددها والبحث عن حلول بالدعوة إلى دمجها أو شطبها يمثل استمرارًا للمنهج نفسه فى التعامل مع الحياة السياسية باعتبارها ترفًا لا داعى له والسعى لتصنيع حياة سياسية شكلية سابقة التجهيز تمثل الشكل الوحيد المتاح والمقبول من الدولة للعمل السياسى.

واقع الأمر أن أزمة الحياة السياسية فى مصر عميقة وممتدة، لكن جوهرها ليس عدد الأحزاب بقدر ما هو مدى تأثيرها وفاعليتها وهو ما يتأثر بدرجة كبيرة بالعوائق والقيود التى تواجهها، سواء من حيث نظرة السلطة الحاكمة إلى طبيعتها ودورها أو التشريعات القائمة التى كثيرًا ما تتحول من التنظيم المفترض إلى تقنين التقييد لتفرض السلطة سيطرتها على تلك الأحزاب، أو التدخلات السلطوية والأمنية سواء أكانت فى تشكيلها أم فى مسارها أم فى اختلاق الأزمات الداخلية فيها، ومع كل هذا دور قادة وأعضاء تلك الأحزاب نفسها والفشل المتكرر فى بناء تجارب سياسية وحزبية منتظمة ومستديمة وذات فاعلية حقيقية، فضلًا عن سبل توفير الموارد المالية اللازمة والضرورية لأى عمل سياسى وحزبى مستمر.
التعامل إذن مع قضية تفعيل الحياة السياسية من مدخل تجميع الأحزاب المتشابهة معًا فى إطار عمليات دمج، والاقتصار على ذلك، فضلًا عن أن يكون ذلك جبرًا أو إلزامًا سواء بضغوط أو بمشروعات قوانين تقدم، لن يكون سوى قفز على حقائق الأوضاع، ولن يمثل سوى استمرار لإعادة إنتاج شكل مفرغ من المضمون.
الأحزاب فى حقيقة الأمر هى أقرب ما يكون إلى الكائنات الحية التى يلزمها مجال سياسى ومناخ ديمقراطى، لتستطيع العمل فى إطاره، وهو الشرط الأول ونقطة البدء لأى بناء سياسى جاد وحقيقى معبر فعلًا عن التفاعلات والاتجاهات القائمة فى المجتمع، والذى لا يبدو من قريب أو بعيد أى مؤشرات على توجه نحوه أو مجرد تفكير فيه، والمطلوب بوضوح شديد هو استكمال الشكل السياسى الذى يوحى بحياة ديمقراطية، فتصبح هناك 10 أحزاب أو أكثر أو أقل، تتنافس شكليًّا فى انتخابات المحليات والبرلمان، وتدفع بمرشحين إلى انتخابات الرئاسة فى 2022 إذا جرت فى موعدها دون تعديل للدستور كى لا تتكرر أزمة الانتخابات الرئاسية الحالية، ويمثل أحدها أو بعضها ظهيرًا سياسيًّا للسلطة بدلًا من التصدير المباشر لمؤسسات الدولة فى عمليات التوجيه والدعاية والحشد والتسويق، وهو تصور ربما يكون قابلًا للتنفيذ، لكنه بالتأكيد لن يكون تعبيرًا بأية درجة عن عمل سياسى حقيقى أو تركيبة المجتمع واتجاهاته وأفكاره.
يردد البعض مقولة إن كل دول العالم الديمقراطية بها عدد محدود من الأحزاب الكبيرة التى تتنافس فى الانتخابات وتشكل الحياة السياسية، لكن الحقيقة أنه فى كل هذه الدول هناك عشرات ومئات الأحزاب الصغيرة التى تظل قائمة لا يطالب أحد بشطبها أو ضرورة دمجها، ومنها أحزاب محلية وأحزاب تركز على قضايا وملفات بعينها، وفى بعض التجارب شهدنا تجمعًا اختياريًّا لا اضطراريًّا لمثل تلك الأحزاب والحركات الصغيرة لتشكيل ائتلافات أو أحزاب صارت منافسًا فى الانتخابات المحلية والبرلمانية فى دولها، ولعل اليونان وإسبانيا على سبيل المثال مجرد نموذجَين لتلك التجارب، ومن هنا فإن القضية ليست أبدًا فى إلزام أو إجبار الأحزاب المتشابهة على الاندماج، أو تقليل عدد الأحزاب، بقدر ما هو توفير مناخ سياسى جاد يسمح للأحزاب أن تتحرك وتعمل وتكتشف جمهورها وتتواصل معه وتطور من بنيتها وأدواتها وتقرر أن تندمج أو لا حسب إراتها، ففى كل الأحوال لن يضير أحد أن يظل هناك 100 حزب أو أكثر، لكن الأهم أن تفرز هذه الأحزاب من بينها أو من غيرها من تجارب تأسيس أحزاب جديدة تنظيمات سياسية حقيقية قادرة على العمل والحركة وطرح أفكار وتقديم رؤى والتواصل مع قطاعات مجتمعية وجماهيرية مختلفة وفرز كوادر سياسية جديدة للمجتمع.
المطلوب ببساطة، ودون أدنى درجة من إنكار مسؤولية الأحزاب والنخب السياسية الحالية عن قدر من المسؤولية بالتأكيد لما وصلت إليه أوضاع الحياة السياسية المصرية، هو أن تبتعد السلطة وأجهزتها تمامًا عن الحياة السياسية، وفقط أن تترك المساحة للتجارب القائمة أن تنمو أو تذبل فى مناخ سياسى وديمقراطى حقيقى، وأن تراجع السلطة الأسباب الحقيقية لهذا الوضع وفى مقدمتها عدم تجريم العمل السياسى وعدم ملاحقة المشاركين فيه وإدراك أن المعارضة ليست شرًّا وأن السياسة ليست ترفًا والتوقف عن الهيمنة على أية مساحات إعلامية لتسييد صوت واحد ومنع أى أصوات مختلفة ورفع اليد عن مساحات العمل الجماهيرى والشعبى فى مختلف القضايا، وأن يتم جديًّا بحث تطوير الأوضاع التشريعية القائمة بدءًا من قانونَى الأحزاب ومباشرة الحقوق السياسية، لرفع أى قيود تعوق العمل السياسى والحزبى فيهما وتفتح الباب واسعًا أمام إمكانية تأسيس تجارب جديدة وأمام الاندماجات اختيارًا لا إجبارًا وأمام أشكال أخرى أيضًا مهمة من أشكال التنظيمات السياسية مثل الحركات وغيرها، فضلًا عن وقف العمل بحالة الطوارئ التى تم تجديدها مرة أخرى بعد استمرارها عامًا كاملًا على التوالى، وتعديل النظم الانتخابية بالذات مع اقتراب مناقشة قانون المحليات وتعديل قانون الانتخابات البرلمانية لتبنى نظم القوائم النسبية لضمان أوسع تمثيل لمختلف اتجاهات المجتمع وإتاحة الفرصة حقًّا أمام الأحزاب السياسية القائمة وما قد يتم تأسيسه بالإضافة إليها للتنافس والتمثيل فى المؤسسات الرسمية.
هذه الخريطة المبدئية لإحياء الحياة الحزبية والسياسية ليست جديدة فى طرحها، ولا يتوقع أن تتبناها أى أطراف فى السلطة الحالية بمختلف أطرافها، فالحقيقة أن طبيعة النظر باحتقار إلى السياسة لا يؤدى سوى إلى احتكارها، والبحث عن مخارج من الوضع الراهن غرضه الوحيد هو استكمال الشكل لا سد فراغ المضمون، وبالتأكيد ليس متوقعًا ممن أسهم فى تعميق الأزمة أن يكون جادًّا فى البحث عن حلول حقيقية لها، ومن هنا فإن المسؤولية تصبح مضاعفة على عاتق المؤمنين بضرورة بناء حياة سياسية جادة وتجارب حزبية حقيقية، لا فقط فى مواجهة مساعى السلطة ومؤيديها، سواء اتجهت إلى تشريعات جديدة مقيدة تقلص عدد الأحزاب أو استعادت أساليب بناء أحزاب مصنوعة عبر أذرع أمنية أو سياسية، وإنما وهو الأهم فى مراجعة أوضاع الأحزاب الراهنة والتفكير جديًّا فى اندماجات اختيارية على أسس سياسية وفكرية وتنظيمية، وتجديد دماء الحياة الحزبية سواء عبر قيادات جديدة بطرق تفكير مختلفة وآليات جديدة للعمل، أو عبر بناء تجارب تنظيمية سياسية جديدة سواء أكانت حزبية أم غيرها، لكن الأهم أن تكون لديها تصورات ورؤى وآليات مختلفة عما هو قائم فعلًا وأكثر ديمقراطية وتعبيرًا عن قطاعات جديدة غير ممثلة فعليًّا فى الكيانات القائمة، وأن تكون أقرب إلى العصر ومفاهيمه ومتطلباته سواء فى بنيتها أو أفكارها أو عناصرها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات