خمسة أقنعة أسقطها الهجوم الثلاثى على سوريا

Foto

لماذا لن ينادى الإخوان: لبيكِ يا سوريا.. ولا السعوديون: حىّ على الجهاد؟ هل كشفت الضربة عن هشاشة الدولة السورية أم عن روح الاقتتال فينا؟


قررت الإدارة الأمريكية توجيه ضربة جوية للجيش السورى، عقابًا له على مزاعم ادَّعت أن الجيش السورى يقوم بضرب المواطنين بالأسلحة الكيماوية، وبعد شد وجذب وتهديد ووَعيد، نفذت القوات العسكرية الجوية لثلاث دول عملياتها فى سماء سوريا الحبيبة، وكان حصاد الضربة الأمريكية فى سوريا سقوط الكثير من الأقنعة، فمع أول صاروخ أُطلق على سوريا سقط أول قناع.. سقط قناع الحريات والديمقراطية، الذى ظل دونالد ترامب حريصًا على أن يرتديه، فبعد الضربة ظهرت الديمقراطية الأمريكية على حقيقتها، وظهر زَيفها وكذبها، وظهر جشعها وتعطشها للدماء، فلا مصانع كيماوية ولا مخازن للغاز القاتل. ولعله كان مُحرجًا ما وقع فيه مدير هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، كينث ماكينزى، عندما سُئل: هل كانت هناك مواد كيميائية مخزنة فى المواقع المستهدفة؟ فقال: نعم. فقيل له: إذن، هناك خطر على المدنيين. قال: نعم، اعتقدنا وجود بعض المواد وغازات الأعصاب واستخدمنا خلال الهجوم أسلحة لتقليل أى أضرار جانبية، ونجحنا فى تخفيف الآثار الجانبية. ثم قال إن المواقع التى تم قصفها فى برزة كان بها القليل من آثار السارين والكلور، طبعًا لن يكون هناك أى آثار لهذا الغاز لأنه ببساطة لم يكن هناك أى كيماويات. صدقونى، لقد سقط قناع الاهتمام بالشعب السورى، فإدارة ترامب غير مهتمة لا بمصير الشعب السورى ولا بما يتعرض له، فعندما يقول إنهم أطلقوا 150 صاروخًا ضد 3 أهداف فى سوريا، منها 19 صاروخًا «توماهوك» تم إطلاقها من البحر المتوسط والخليج، ويكون كل هَمه أن يؤكد أن جميع الطائرات المشاركة فى العملية عادت سالمة، فهذا معناه أن الشعب السورى ليس على قائمة اهتمامهم.

القناع الثانى هو قناع الوحدة العربية، فقد سقط عندما وافق مجلس التعاون الخليجى على الضربة الموجهة إلى دولة عربية شقيقة وشعب عربى شقيق، فقد أكد مجلس التعاون الخليجى تأييده للهجمات التى قام بها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا على منشآت عسكرية سورية، وجاءت هذه التصريحات على لسان الأمين العام للمجلس، الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزيانى، حسبما ذكرت وكالة الأنباء السعودية أن الهدف من هذه الضربات هو إنهاء معاناة الشعب السورى بعد سنوات من الحرب المدمرة، داعيًا الأمم المتحدة للدفع بالعملية السياسية لإنهاء الأزمة السورية. انبطاح غير مبرر ولا مُمَنطَق، فحتى لو كانوا على خلاف مع نظام الحكم فى سوريا، أو أن ثأرًا شخصيًّا بينهم وبين الأسد، ما كان يجب أن يؤيدوا الضربة على الشعب، خصوصًا أن تأييد الضربة يُسقط كل دعاوى الخليج بأنه مع الشعب السورى، فكيف أعلنها ماكينزى صراحةً أن الضربات فى سوريا لا تهدف للإطاحة بحكومة دمشق، وهى فقط لردعها؟ أى أن كل ادعاءات مجلس التعاون وتبريراته بأنهم يوافقون على العملية من أجل الإطاحة بالأسد أفشلها ماكينزى وأثبت زيف مقولة إننا دولة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، بل ما زال مجلس التعاون الخليجى فى طور القبيلة التى تغير على القبيلة المجاورة طلبًا للعشب والكلأ، كما صوّر الشاعر الجاهلى «القطامى التغلبى» فى بيت من الشعر اختصر الواقع المؤسف حيث التمزق والتناحر والحروب المستمرة الطويلة بين ذوى القربى وأبناء العمومة، فى قوله: «وأحيانًا على بكر أخينا.. إذا ما لم نجد إلا أخانا». أى أنهم يغيرون على أخيهم إن لم يجدوا غيره.
القناع الثالث هو قناع «الإسلامجية» فكل الحركات الإسلامية كشفت عنها هذه الضربة، فلا وازع دينى يحركهم ولا قيمَ إسلامية تتحكم فيهم، هم انتهازيون بالدرجة الأولى، ومُسخَّرون لخدمة المصالح الأمريكية؛ لهذا ستجدهم يحرضون على الجهاد إذا كان الطرف المعتدى روسيا، أما إذا كان الطرف المعتدى أمريكا فهم صُم بُكم عُمى لا يفقهون. اسأل نفسك، صديقى القارئ، أين الدعاة الإسلاميون الذين كانوا يحرضون على الجهاد والانضمام إلى التنظيمات الجهادية لتحرير سوريا من الروس؟! إن كثيرًا منهم أعضاء فى الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، والكثير منهم وقَّع على بيان نُشر عبر أحد المواقع الإلكترونية منذ سنتين تقريبًا، يدعو القادرين من الشباب المسلم إلى «تلبية نداء الجهاد فى سوريا، والقتال إلى جانب الفصائل المتطرفة فى سوريا لمواجهة القوات الروسية»، أما اليوم فلا حس ولا خبر؛ لسبب بسيط هو أن المعتدى أمريكا، لهذا تبخرت كل الخطب العصماء عن نجدة الشعب المسلم، وسقط قناع الدين الذى يستخدمونه ليبرروا عمالتهم، حتى هؤلاء الذين يحملون السلاح ويتعرضون للقتال يوميا، لم تعجبهم الضربة الجوية الأمريكية، ليس لأنها اعتداء على شعب سوريا الشقيق، بل لأن الضربات غير كافية، ويرونها مهزلة لأن الأهداف التى تم تدميرها لم تسقط معها أشلاء من الجيش السورى. هؤلاء أفسدهم الاقتتال وشهوة المال والدم، أما الإسلاميون الآخرون من السلفيين والإخوان فهؤلاء أخرست ألسنتهم التى كانت تزعق فينا ليلَ نهار «لبيكِ يا سوريا» و«حلب تحترق» و«الغوطة تنهار» و«الهباب الأزرق يطل علينا.. إلخ»، كل هذه اللجان سكتت فور أن صدرت لها التعليمات والأوامر بأن لا يتدخلوا فى هذه المعركة، لكن الله أراد كشفهم وهَتك سترهم، فغاب عنهم أن للأمة ذاكرة، وأن تصرفاتهم قيد المراقبة والتحليل والرصد، وأن قناعهم الزائف قد سقط.
القناع الرابع من هذه الأقنعة هو قناع الدولة السورية، فقد ثبتت هشاشة الدولة السورية وأنها من دون حليفتها روسيا لا شىء، فكل الدفاعات التى أنقذت دمشق كانت مضادات روسية بأيدٍ روسية وجنود روس، فأين الدولة التى يحتمى بها المواطن السورى المسكين، الذى يريد أن يفتخر بعلَم بلاده؟ والسوريون، يا سادة يا كرام، هم «النشامى» ملوك السيف الذين لا يحتمون بالأجنبى، ولم يطمئن الشعب السورى ولم يسترد كرامته حتى بعد أن نشرت الرئاسة السورية فيديو يُظهر رئيس النظام السورى بشار الأسد وهو يؤدى مهامه الرئاسية بأريحية تامة بعد ساعات من الضربات، وظهر الأسد فى الفيديو وهو يرتدى بذلة ورابطة عنق، ويحمل حقيبة أوراق، ويسير فى مدخل رخامى لأحد المبانى، وهو ما يؤكد الحرج العربى من أنه فى حماية الروس من أشقائه!
خامس الأقنعة التى سقطت هو قناع القضبين المتصارعين، فالضربة كشفت عن مدى التعاون بين الدولتين، فواشنطن تغازل موسكو، وموسكو تمازح واشنطن، ونحن ندفن موتانا كل صباح. أمريكا اختارت التوقيت الذى يناسبها واختارت المكان الذى يناسب روسيا، أما التوقيت فكان عقب إغلاق البورصة وبدء الإجازة الأسبوعية والتوقف عن التعامل مع الأوراق، حتى يجنب الاقتصاد الأمريكى أى هزة مالية، وأما المكان فكانت الأهداف التى اختارتها روسيا. تقول المعلومات إن الرئيس فلاديمير بوتين قد هاتفَ نظيره الأمريكى، وإن الحوار بينهما استهدف تبريد الأجواء، وكبح ترامب نحو الحرب. يدرك الرئيس الأمريكى أن مستقبله السياسى وإعادة انتخابه لولاية ثانية هما هدف لن يتردد فى دفعه إلى إعادة النظر بقراراته ومواقفه؛ لهذا لا أحد يستعجب من عدم رد الروس على الاعتداءات الأمريكية، فعدم الرد الروسى يخفى موافقة ضمنية روسية على استهداف أمريكا تلك المواقع السورية مقابل استمرار دمشق فى سياسة الحسم الميدانى ضد الميليشيات المسلحة. أيضًا عدم الردع الروسى يوحى برفض موسكو الدخول فى مواجهة مباشرة مع الأمريكيين، لأن أى رد روسى على المواقع أو السفن الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية يعنى إدخال حلف شمال الأطلسى فى صراع مع محور تقوده موسكو، يقود إلى حرب عالمية. إذن، نحن أمام قطبين متصالحين وليسا متناحرين، وأخيرًا أثبتت الضربة الجوية الأمريكية أن الجميع يستخدم سوريا ساحةً لمعارك ليس للسوريين فيها ناقة ولا جمَل، هم فقط مَن يدفع الثمن!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات