.

القمة العربية.. سابقة التحضير ولغتها أقل عدائية وتحمل ثلاثة ألغاز

Foto

هل أبقت القمة الباب مواربًا لبشار الأسد فى الموافقة على إداراته؟


بغض النظر عن واقع كون القمم العربية لا ينتج عنها فى العادة إلا البيانات والمواقف الدبلوماسية، وعن كون مقرراتها دائما تكون ضعيفة بما يتناسب مع ضعف التنسيق بين أعضائها بشكل عام وبين المحاور التى تنقسم إليها دول الجامعة على وجه الخصوص.. إلا أنه من الملاحظ أن القمة العربية الأخيرة تميزت بعدد من نقاط القوة بالمقارنة بالقمم السابقة سواء على مستوى الشكل أو المضمون.

من الناحية الشكلية فالقمة شهدت مستوى مرتفعا للتمثيل، فكل الدول الأعضاء فى الجامعة ما عدا سوريا المجمدة عضويتها منذ عام 2011 قد حضرت إلى القمة، ومن ضمن الدول الـ21 الحاضرة لم يتغيب سوى خمسة من القادة بينهم ثلاثة يتغيبون باستمرار لأسباب صحية، وهم الرئيس الجزائرى ورئيس دولة الإمارات وسلطان عمان، والرابع هو أمير قطر والمفهوم سياسيا سبب غيابه، وبالتالى فإنه يمكننا اعتبار أن الغائب الحقيقى الوحيد عن القمة هو العاهل المغربى.
وفى الواقع فإن هذا يعكس نجاحا فى عزل الخصوم الثلاثة للمحور السياسى الذى تحاول دول مقاطعة قطر قيادته وهم إيران وقطر وتركيا، وإن تباينت قوة المواقف المختلفة تجاه كل طرف من هذه الأطراف الثلاثة، فبينما تم اتخاذ موقف قوى باتجاه انتقاد المواقف الإيرانية ودعمها للأطراف السياسية المختلفة فى اليمن بالخصوص، فإنه تم تجنب اتخاذ لغة تصعيدية واضحة مع حزب الله أو مع الفصائل العراقية الموالية لإيران، وذلك فى وجود الأطراف اللبنانية والعراقية نفسها على الطاولة، بينما تم الاكتفاء بتجاهل قطر وعزلها سياسيا ودبلوماسيا فى وجود أطراف تعتبر مناصرة تقليديا لقطر وبالأخص السودان، أما تركيا فكان الهجوم عليها ضمنيا دون تصريح.
وإذا انتقلنا من الشكل إلى المضمون فإن الكلمات المختلفة والبيان الختامى تعكس جميعا درجة من التوافق الذى تم بناؤه سابقا يمكن تلخيصه فى التأكيد على موقف دبلوماسى موحد رافض للموقف الأمريكى فى قضية القدس، ودعم جماعى لدول الخليج فى مواجهة تهديد إيران لأمنها القومى، وإقرار بقبول معادلات الشراكة السياسية على علاتها فى كل من لبنان والعراق، والتوجه لمواصلة الضغط للوصول لحل سياسى فى الملفين الليبى واليمنى، ودعم حق كل دولة فى مواجهة الإرهاب على أراضيها، وإذا كانت هذه النقاط بشكل عام يتكرر معظمها فى القمم الأخيرة فإن اللافت هنا على الأقل أن الخلافات لم تظهر للسطح، فالخلاف حول وضع حزب الله لم تتم إثارته مجددا بشكل عنيف بما يؤكد أنه تم التوصل إلى اتفاق لتهدئة اللغة الحادة تجاهه بين ولى العهد السعودى محمد بن سلمان ورئيس الوزراء اللبنانى سعد الحريرى وربما بوساطة مصرية.
أما الملف الذى يشهد دائما خلافا طويلا بين الأطراف العربية المختلفة، وهو الملف السورى، فقد كان للبيان الختامى فيه رسالة موجهة للنظام السورى مضمونها يتفق مع تغيرات المواقف فى الشهور الأخيرة، ألا وهى أن الابتعاد بمسافة كافية عن طهران يمكن أن يفتح الطريق لدعم الحلول السلمية بدلا من الاعتماد العسكرى على الدعم الروسى الإيرانى، وعلى هذا فإنه رغم إدانة القمة لاستخدام الأسلحة الكيماوية الذى يتم اتهام النظام السورى بالقيام به فإنها أبقت الباب مواربا للحلول فى حال التقط الأسد هذه الإشارة.
وبغض النظر عما إذا كان الأسد يريد أو حتى يستطيع التملص من ضغوط حليفيه فى موسكو وطهران، وبغض النظر عن استمرار ظهور تباين المواقف بشأن الأزمة السورية خصوصا بين أطراف تعتبر فى درجة عالية من التوافق فى بقية القضايا كمصر من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى، فإن هذه الرسالة تبدو وكأنها أقصى ما يمكن الوصول إليه فى ظل الأوضاع السياسية والأهداف الاستراتيجية المختلفة للأطراف، فبينما تعتبر دول الخليج أن النفوذ الإيرانى فى سوريا موجه بشكل مباشر لها ولنفوذها فى مناطق أخرى كلبنان بالأخص، فإن مصر لا تزال تتخوف من المخاطر الأمنية لانهيار الدولة السورية، أو مخاطر انهيار نظام الأسد بما قد ينتج عنه وصول تنظيم الإخوان أو بعض المرتبطين به للسلطة، بالإضافة لمخاطر زيادة النفوذ والسيطرة التركية على جزء من الأراضى السورية.
ورغم ذلك كله فمن الملاحظ أن هناك ثلاثة ألغاز غير مفهومة فى القمة، أولها سبب انعقاد القمة فى مدينة الظهران وليس فى العاصمة السعودية الرياض، والثانى سبب اقتصارها على يوم واحد لا غير أو بالأدق بضع ساعات، والثالث هو سبب اعتذار البحرين عن استضافة القمة المقبلة.
وهذه الألغاز تثير التخمينات بالطبع ولكن لا شىء منها مؤكد، فهل كان الهدف من عقد القمة فى الظهران مواجهة إيران من مدينة فى المنطقة الشرقية ذات الغالبية الشيعية وعلى الجانب الآخر من الخليج كإشارة لوحدة السعودية داخليا؟ أم أنه كان خوفا من الصواريخ الحوثية التى قد تطال الرياض؟ وهل اقتصرت القمة على يوم واحد لأنه تم الاتفاق على كل تفاصيلها مسبقا بما لا يستدعى أى نقاش؟ أم أنها كانت رسالة من الجانب السعودى تشير إلى تراجع الاهتمام بقضايا الجامعة؟ وهل كان اعتذار البحرين تجنبا لدعوة قطر لحضور القمة بعد إعلانها نيتها مقاطعتها بشكل كامل؟ أم لأسباب أخرى؟
أيا كانت التخمينات لحلول هذه الألغاز، فإن القمة عكست موقفا أقل عدائية وتصعيدا، كما كان موقف مصر بالأخص متوازنا، وهذا أفضل ما كان من الممكن الوصول إليه فى ظل قمة تحيطها الألغاز وتبدو مقرراتها سابقة التجهيز ولا تحتاج إلا إلى بضع ساعات لتسخين قراراتها فى الميكروويف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات