من الإسماعيلية.. أصوات اليونانيين تنتصر على أزماتهم

Foto

أين ذهب الفيلم التسجيلى المصرى الطويل؟! كيف تغلبت فرقة نسائية يونانية على أزمات بلادها الاقتصادية؟ ولماذا نجحت الفرقة فى صناعة ألحان موسيقية مثيرة للإعجاب؟ وكيف قدَّم المخرج أنجيلوس كوفوتسوس أجمل ما تمتلكه اليونان على أنغام تراثها؟


ليس من السهل أن ينجذب المشاهدون لفيلم تسجيلى طويل، فهذه النوعية من الأفلام قد فُرضت عليها خصوصية تقلل من انتشارها والاهتمام بمحتواها، على الرغم من أن هذا الاتجاه من السينما له قدر كبير من الاحترام، وهو عين تفتح لكل مشاهد نافذةً على التاريخ وتسجل له نقاطًا أراد صناع تلك الأفلام إضافتها وشرح وجهة نظرهم فيها، وبغض النظر عن تراجع انتشار تلك الصناعة فى مصر شأنها شأن غيرها من الأفلام فى بلادنا، ويكفى معرفة أن مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة فى دورته الحالية والمقام من الفترة 11 حتى 17 أبريل الجارى (يعتبر من أهم المهرجانات السينمائية فى مصر المهتمة بالأفلام التسجيلية الطويلة والقصيرة والأفلام الروائية القصيرة)، ولا يوجد فيلم تسجيلى مصرى طويل فى المسابقة الرسمية للمهرجان.. كل هذا يجعلنا نتساءل: أين ذهب الفيلم التسجيلى المصرى الطويل؟! 

وتنكشف الحال التى وصل إليها الفيلم التسجيلى المصرى الطويل خلال الفترة الماضية عندما نعرف أنه خلال الدورات العشرين الماضية لم يحصل على جائرة أفضل فيلم تسجيلى «طويل» سوى فيلم وحيد هو «موج» للمخرج أحمد نور فى 2013. 
نعود إلى الأفلام التسجيلية الطويلة المشاركة فى الدورة العشرين، والتى نجحت إدارة المهرجان من خلالها فى اختيار بحرفية تسعة أفلام تسجيلية طويلة جاءت من 12 دولة، ما بين إنتاج مشترك ومستقل، وامتازت معظم تلك الأفلام ببساطة أفكارها وعمق البعض الآخر، مما يجعل المشاهد أمام حالة من الإبداع الفنى تصعب مهمة عمل اللجنة المشرفة على اختيار أفضل فيلم.
ويعد فيلم «stringLESS» اليونانى من الأفلام المهمة المشاركة فى مسابقة التسجيلى الطويل، واسم الفيلم بالتأكيد يثير الانتباه، فهو يعنى باللغة الإنجليزية «بدون خيوط»، والفيلم يحكى عن قصة فرقة موسيقية تضم خمس نساء من أصل بلغارى وألبانى يقيمن فى مدينة سالونيك اليونانية، وتغنى الفرقة الأغانى التقليدية من عدة مدن يونانية، مثل إبيروس وبونتوس.
وقد كان أول ظهور للفرقة فى جزيرة إيكاريا فى عام 2012، ومنذ ذلك الحين قامت بأداء العديد من الحفلات الموسيقية وجذبت الانتباه بأدائها المختلف ومقطوعاتها الفريدة، فجميع تلك المقطوعات الموسيقية تصنعها الفرقة، إذ تقدم طرحًا مختلفًا تمامًا للموسيقى التى تأتى بتفاصيلها من الفلكلور اليونانى أو التركى أو الإفريقى، ليصبح نجاح هذه الفرقة النسائية فى كونها تقوم بتصميم جميع الأوركسترا الموسيقية، فهى تقوم بتحويل أغنية معروفة إلى اقتراح موسيقى جديد، أو تحويل صوت الآلات الموسيقية إلى صوت يصدره جسم الإنسان، كما لو كان ريحًا أو طبلًا.
ويأتى هدف المجموعة فى صناعة حالة تترابط فيها الألحان التى تصنعها أصواتها مع كلمات أغانيها، لتقديم نغمة فنية منفردة قادرة على التوهج. ونجح أنجيلوس كوفوتسوس مخرج وكاتب سيناريو الفيلم، فى تقديم الفرقة بتفاصيل إنسانية وفنية فريدة، فهو لم يكتفِ بتقديم قصة الفرقة وترديد أغانيها، بل سعى بقوة لرسم لوحة لكل مقطوعة صوتية تقدمها النساء الخمس، فقدَّم عددًا من الكادرات التى تعبر عن كل أغنية، فجعل صوت النساء يتردد فى كل شبر من الأراضى اليونانية، فالجبال والأنهار بدت كأنها تنطق من قوة صدى ألحان الفرقة وكلماتها، ومن هنا يظهر كيف تمكن المخرج فى أن يعبر عن اليونان ككل وعن البيئة التى قدمت تلك النساء الخمس (غادر الفرقة أحد عناصرها فأصبحت أربع نساء فقط) وقدراتهن على الإبداع ومقاومة كل العوائق، فهن لا يتوقفن عن الغناء والابتكار، ولم يغفل المخرج تقديم قصة كل امرأة من الخمس، وكيف تأثرن بالأوضاع الاقتصادية التى مرَّت بها اليونان، وإلى أين سارت حياتهن الأسرية وعلاقاتهن بأطفالهن وأزواجهن، ليتركنا فى النهاية أمام حقيقة واحدة هى أن الأسرة الوحيدة التى يعرفنها هى أسرتهن النسائية والموسيقى التى يعيشن حالة من الإخلاص لها لم تقل عن إخلاصهن بعضهن مع بعض، لتكون الصداقة فى النهاية عنوان موسيقاهن وفنهن.
فى النهاية، الحالة التى صنعها الفيلم تبدو بشكل واضح استثنائية فى كل تفاصيلها، فالفريق الغنائى تجربته مختلفة عن أى فريق آخر، وصناع الفيلم تمكنوا من وضع علامات استرشادية، لتجيب عن تساؤل: كيف تصنع فيلمًا تسجيليًّا ناجحًا؟ بمزج موسيقى وتصويرى وسيناريو محكم، ليقدم فى النهاية إجابته بطريقة عملية تثير الإعجاب وتدعو للتأمل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات