Black Mirror.. مزيد من كوابيس التكنولوجيا!

Foto

فى بداية الثمانينيات عرض المخرج ريدلى سكوت،‪ ‬فيلمه الملحمى الديستوبى «Blade Runner» (بليد رنر)، وكان الفيلم رسالة تحذير مبكرة عن انقلاب التكنولوجيا المستقبلى على البشر


فى بداية الثمانينيات عرض المخرج ريدلى سكوت،‪ ‬فيلمه الملحمى الديستوبى «Blade Runner» (بليد رنر)، وكان الفيلم رسالة تحذير مبكرة عن انقلاب التكنولوجيا المستقبلى على البشر، ويصور العمل مطاردة شرطة لوس أنجلوس لروبوتات عضوية معدَّلة وراثيًّا يصعب تمييزها عن البشر، هذه الكائنات الصناعية متمردة وهاربة من المستعمرات الفضائية وتختبئ بين البشر، بعد قرار بحظرها والقضاء عليها. أحداث الفيلم كانت تدور فى عام 2019.
 
الواقع الذى قدمه سكوت يحذر من خطر الاعتماد على أجهزة تفوقه ذكاء، وتقوم بعمله بدلًا منه، وأصبح تطورها مقرونًا بالتخلص من صانعها البشرى، الذى يقل عنها ذكاءً، ويرغب فى تدميرها، ولكن تحذيراته جاءت فى إطار خيال فنى يبدو بعيدًا جدًّا عن تفاصيل الواقع الحالى، ومخاطر التكنولوجيا التى نعيشها بالفعل حاليًّا، وفى الجزء الثانى من الفيلم بعنوان «Blade Runner 2049»، تتخذ الحكاية مسارًا أكثر تطرفًا، فالروبوتات الذكية طورت نفسها، وأصبحت قادرة بصورة ما على الإنجاب، ولم يعد الروبوت عبدًا للبشر.
 
تظل حكاية الروبوتات المعدلة وراثيًّا فى إطار الرعب السينمائى الآمن الذى يرسم واقعًا مستقبليًّا دراميّا غرائبيًّا شديد القتامة.
 
أما ما يقدمه مسلسل «Black Mirror» «مرآة سوداء»، فى موسمه الرابع، من خلال إنتاج سخى من شبكة «نتفليكس»، فهو تصوير كابوسى وسوداوى لخطر التكنولوجيا الحالية، وهو مخيف ومرعب بصورة حقيقية، لأن حكاياته تدور فى المستقبل القريب للغاية، وأغلبها حكايات يومية مألوفة، ومنها حلقة «Arkangel» التى أخرجتها جودى فوستر، وتتناول فكرة هوس الأم بحماية ابنتها، الطفلة الصغيرة، خصوصًا بعد أن كادت تضيع منها فى حديقة عامة، وتقدم التكنولوجيا الحل السحرى، من خلال زرع شريحة صغيرة آمنة برأس الطفلة، تتيح للأم مشاهدة كل ما تراه الطفلة على جهاز لوحى، بل ويمكنها التشويش على كل صورة وصوت يُخيفها، ككلب الجيران مثلًا، وبينما الأم مهووسة بمراقبة ابنتها باستمرار، يقول والد الأم إنه تركها تعيش حياتها، وتختبرها، دون هذه المراقبة اللصيقة.
تبدو حكمة الأب العجوز، وهو شخص تقليدى، أكثر موضوعية وحرية من منطق الأم، وهوسها الذى انقلب عليها، وأدى إلى فقدان الأم ثقة ابنتها، بعد أن وعدتها حينما كبرت أن لا تراقبها مرة أخرى، وتمنحها مساحتها الطبيعة من الخصوصية. تعاملت هذه الحلقة مع فكرة مراقبة الآباء للأبناء من خلال حكاية أمومية بدت دافئة، ولكن كاتب الحلقات، شارلى بروكر، يفاجئنا كالعادة بالجانب المظلم من حكايات تبدو إنسانية وناعمة ورقيقة.
 
يقدّم مثلًا فى حلقة «Hang the DJ» حكاية عن برامج المواعدة، واختيار الزوج المثالى عن طريق برنامج كمبيوتر معقد للغاية، لا يفهم البشر على أى أساس يختار الرفيق المناسب، اعتماد الإنسان على التكنولوجيا أفقده استقلاليته وقدرته على الاختبار والتجريب واكتساب خبراته الخاصة، وفى تلك الحلقة يتولَّى برنامج المواعدة بتدبير لقاءات المواعدة، وتحديد وقت زمنى لها، يتراوح بين ساعات وسنوات، ويتحمل الثنائى العيش مع رفيق لا يطيقه مثلًا، كاختبار يساعد برنامج الذكاء الصناعى فى اختيار الرفيق القادم، ورغم أن الثنائى فرانك وإيمى يشعران بالانجذاب من النظرة الأولى، لكنهما يقبلان الوقت الممنوح لهما وهو 12 ساعة فقط.
 
التنفيس عن المشكلات النفسية من خلال التكنولوجيا يجعل من عبقرى الكمبيوتر الخجول فى حلقة «USS Callister» شخصًا مريضًا وساديًّا، فى العالم الافتراضى، يعوض المعاملة السيئة التى يتعرض لها فى شركته فى لعبة محاكاة متطورة للغاية، أبطالها نسخ رقمية، مصممة من الحامض النووى الخاص بزملائه فى العمل، وهناك فى هذا العالم الافتراضى، وهو سفينة فضاء مقتبسة من مسلسل فضاء كلاسيكى كان يشاهده فى طفولته، يصبح هو القائد، والبطل المغوار، وعلى أفراد طاقمه طاعته، ونفاقه، وإلا حوله إلى حشرة كبيرة قبيحة الشكل تعيش فى صحراء الواقع الافتراضى. فكرة صنع نسخة رقمية من شخص حى مجرد نظرية علمية، لكنها كابوس درامى فى عدد من حلقات المسلسل، منها حلقة «المتحف الأسود»، حيث يحتفظ صاحب المتحف بعدد من المقتنيات العلمية الخطيرة، التى أسهم بنفسه فى ترويجها، منها نسخة رقمية من قاتل تم إعدامه بالكرسى الكهربائى، وأصبح مُتاحًا لجمهور المتحف شد مقبس صعق المجرم وإعدامه بأنفسهم. هناك حكايات أخرى أكثر تطرفًا وقتامة، عن الطبيب الذى أدمن استخدام جهاز كانت مهمته الأصلية أن ينقل إليه الشعور بألم المريض، ليتمكن من التشخيص الصحيح لحالته، لكنه أدمن الشعور بالألم، وهو شعور آمن، لأنه لا يتعرض للإصابة أو الموت مثل المريض.
 
الاستخدام المنحرف للتكنولوجيا هو المضمون الذى يحذر منه المسلسل، ويبتكر شارلى بروكر المزيد من الحكايات القاتمة، التى تبدأ دائمًا بالإنسان وهو يقع فى هوى آلة تساعده، وبرامج فائقة الذكاء تنظم له حياته، ولكن التويست الدرامى يأخذنا إلى مناطق مظلمة خلف تلك الراحة التكنولوجية المزعومة، وفى واحدة من أكثر حلقات المسلسل غرابة وهو بعنوان Metalhead (الرأس الحديدى)، نتابع مطاردة وحشية مرعبة بين كلب إلكترونى حديدى وثلاثة أشخاص يحاولون سرقة دواء ما، من مخرن مهجور، فى منطقة نائية تخلو من البشر، والحلقة بالأبيض والأسود، إمعانًا فى رسم ملامح كئيبة للمكان الذى لا نعرف ماذا حدث فيه؟ وكيف انهارت مظاهر الحضارة؟ ولماذا تطارد كلاب حديدية متوحشة البشر؟
 
لا توجد حاجة إلى الإجابة عن تلك الأسئلة، الأمر جلى تمامًا، إنها التكنولوجيا التى صنعها الإنسان لرفاهيته وانقلبت عليه، وتسعى لقتله.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات