.

عقل الحجاب وحجاب العقل

Foto

هل الحجاب مجرد قطعة من القماش لتغطية الرأس؟ كيف يضطهد الحجاب المرأة؟ ما العلاقة بين الحجاب والإرهاب؟ لماذا يكون المتديّن بطبعه متحرشًا بطبعه؟


عوامل كثيرة اقتصادية واجتماعية وسياسية أسهمت فى تحوُّل الحجاب إلى زىّ عام، حتى إن انشغال المرأة عن الاعتناء بشعرها قد يجد حلاًّ فى التغطية، وقد يسهم العامل النفسى أيضًا رغبة فى إخفاء الشيب، لكن أصل الحجاب يظل دينيًّا، والمدافع عنه أو الداعى للتخلُّص منه يبدأ من النزاع الفقهى حوله، والخطاب الدينى السائد بزعامة الأزهر يوجب الحجاب، ومهما استخرجنا من أدلة شرعية على عدم وجوبه، فلغيرنا أن يراه واجبًا، وليس من العقل أن نسير على نفس النهج، لهذا لن نشارك فى السجال الدينى حول الحجاب، منهجنا العقل، وغايتنا المصلحة.


ومهمها تعدَّدت أشكاله وموضاته، يغطى الحجاب الشعر والعنق، وبعض الوجه، ولا يختلف من حيث الكيف عن النقاب إلا فى الخطورة الأمنية، الاختلاف كمى والأصل واحد للحجاب والنقاب وما بينهما مما يدعى الخمار والإسدال، والتبرير الدينى منع الفتنة جلبًا للفضيلة ودفعًا للرذيلة، وهذا تضييق لمفهومَى الرذيلة والفضيلة فى المرأة والجنس بما يتوافق مع سمة أساسية فى الخطاب الدينى السائد هى المظهرية، وما يقاربها من معانٍ كالادعاء، الحجاب كاللحية وعلامة الصلاة، لافتة صارخة بالزعم: «أنا متدين إذن أنا كويس».


ومعنى المتدين مرتبط لدى الخطاب الدينى الحالى أساسًا بالمداومة على العبادات، والمتدين يُسمى الملتزم على أساس القيام بالطقوس الشكلية كما ينبغى، وتعتبر العبادات والأذكار أفعال خير سواء بسواء مع الفضائل كالصدق، وإتقان العمل، وتقدير قيمة الوقت، والإحسان للغير، وغير ذلك، وفى العبادات يثمن هذا الخطاب الكم «الشكل»، وللحسنات حسابات، حتى صنعوا مسبحة إلكترونية.

والالتزام الشكلى يعطى انطباعًا بالتدين أسهل وأسرع من الالتزام بالفضائل، فينال «المتدين» الرضا والقبول المجتمعى «باعتباره بتاع ربنا»، وهكذا بداية ظهور الحجاب كعلامة تدين حتى انتشر وصار زيًّا تقليديًّا.


ولا يحبذ الخطاب الدينى السائد أن تكون العبادات مسألة خاصة بين الفرد وربه، وللمقارنة قد يرتقى الخطاب الصوفى بالعلاقة مع الله إلى درجات عليا من السرية، الخطاب السائد يفطجى زاعق، يشكل عقول أتباعه بحيث تجتهد «ولها أجر» فى مطاردتك بالملصقات والتوجيهات الدينية، ومنها «الحجاب يا أختاه»، و«الحجاب قبل الحساب».. إلى آخره.


وذلك الخطاب يعادى الحداثة، فهو يرى أن شر الأمور محدثاتها، وامتدادًا لذلك يعادى الغرب الممثل المتفوق للحداثة «والعقل»، ويحقد عليه حقد الفاشل على الناجح، وتقليديًّا يعتقد أتباع الرجعية الدينية فى مؤامرة كونية سرمدية من الغرب ضد الإسلام، هذا يطول شرحه، يعنينا هنا ما يمثله من جهة التمسك بالحجاب لديهم، وهم يعطون لذلك اسمًا لطيفًا، فيرون فى الحجاب تعبيرًا عن «الهوية»، فالأهم هو الشكل، المظهر الخارجى «كالعادة».


ويتوافق التمسك بالحجاب مع سمة أخرى هى الاستعلاء «الدينى»، فالحجاب تمييز للمسلمة، لافتة تقول: «خد بالك أنا مسلمة»، وهذا يعتبر خيرًا يُرتجى لدى سدنة الخطاب الدينى الحالى. والاستعلاء تجده حرفيًّا فى مراجع الإرهابيين، وأولها كتاب سيد قطب الأساسى فى النظرية الإرهابية «معالم فى الطريق»، وكهذا كثير من الكتب تمتلئ بضلالات اضطهادية عن تآمر الغرب على الإسلام، تبثّ الكراهية ضد الحضارة الغربية من حيث المبدأ، وما دمنا نحرص على تمييز المسلمة «والمسلم» عن غيرهما من حيث الشكل ابتداءً، وما دمنا نستعلى بالإسلام على غيرنا، فنحن على أول طريق الإرهاب، خصوصًا مع وجود مفاهيم مرتبطة ترى الآخر شرًّا لمجرد أنه مختلف، تعتبره كافرًا، وتأمر بقتاله وقتله بزعم الجهاد فى سبيل الله.


والحجاب لا يناسب بلادنا الحارة، لكن هذه البشنقة والخنقة اعتادتها نساؤنا انصياعًا لتأويلات الخطاب الدينى الحالى للنصوص الدينية، الذى يشكل عقول أتباعه بما يجعلها تقبل منتجاته مهما جارت، لدرجة أن تقول المرأة لك: «هذه قناعتى». وليس هذا سوى اعتيادها، وخشيتها من الاختلاف بما يستتبعه من تهديد لسلامها النفسى، وتكيّفها الاجتماعى، وكثير من النساء يتمسكن بالحجاب تجنبًا للمواجهة مع مجتمع ترسّخت فيه مفاهيم يعبر عنها ذلك الذى يزعق فى وجهك فور تناولك مسألة الحجاب: هل تريد للمرأة أن تتعرّى؟! فالمسألة يتوافق فيها القهر الاجتماعى مع الدينى، وتسهم العوامل الأخرى فى احتفاظ أغلب نساء مصر بهذه القطعة من القماش على رؤوسهن.


وحجة: «هل تريد للمرأة أن تتعرى؟»، كحجة أخرى تساق من أهل الرجعية الدينية لمن يتناول الحجاب، هى: «هذه حرية شخصية»، ونحن لا ندعو لارتداء المايوه فى الشوارع، وليس العرى مقابلاً للحجاب، كما لا ندعو لنزع الحجاب من فوق الرؤوس بالقوة، نكشف هنا عن سمة فى محاورات أهل الرجعية الدينية، حين يدفعون بأى حجج لها طلاء زائف من العقل، بينما أصلها النقل المنسحق الخانع من المشايخ وكتب التراث بلا تفكير. ولا بد أنك سمعت من أحدهم التشبيه الشائع بينهم: «المرأة قطعة حلوى، والحلوى المكشوفة يجتمع عليها الذباب»، هذا المثل يقابل الحجاب بالعرى كالحجة السابقة، ويختزل المرأة إلى قطعة حلوى، هذا يتوافق مع مفاهيم أخرى يتبناها الخطاب السائد تضطهد المرأة، كمواطن من الدرجة الثانية، فليست سوى موضوع للشهوة، وإنسانيتها منقوصة، محاصرة ومحصورة فى تلك الحدود، فيجب حجب جسدها لمن استطاع إليه سبيلاً.


وبالنظر إلى حزمة المفاهيم المرتبطة بالحجاب والمرأة، وغيرها مثل رؤية الخطاب الدينى السائد لمفهوم مثل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، تخلص إلى أن ذلك الخطاب يجعل جسد المرأة غير خالص لها، بل يكاد يكون ملكية عامة، بدءًا من تسلط الأب والإخوة الذكور والزوج، طبيعى هنا أن يكون من حق الجميع ملاحقة المرأة تعليقًا على ملابسها، لهذا يمكنك أن تفهم بعض أهم أسباب التحرش، فالذكر الحامل لتلك المفاهيم المعادية للمرأة، يرى من حقّه وواجبه أمرها بمعروف الستر ونهيها عن منكر كشف الشعر، ذلك الذكر يلزمها بالحجاب وما فوقه، ويتحرّش بها، «ومن ضمن ما يعنيه التحرش رفض وجود المرأة خارج منزلها»، فالمفاهيم المنتجة للحجاب «والنقاب» تجعل الرجل متحرشًا، والمتدين «بطبعه» بمنطق الخطاب الدينى الحالى متحرش بطبعه قيامًا على الأسس ذاتها، لهذا يزداد التحرُّش بالمرأة غير المحجبة، إنها تلاحق أكثر لأنها لا تلتزم بقطعة القماش التى يأمر بها الخطاب الدينى السائد الذى يملأ مخيلة أتباعه بالهواجس المعادية للمرأة، فلا تقتصر عدوانيتهم على التحرش ولا الحجاب وغيره من طرق التغطية، بل تمتد إلى أشكال مختلفة للاضطهاد.


واستهداف المرأة بالحجاب يشير إلى تفكير ذكورى، كأن الشهوة مقصورة على الرجل، ولا افتتان للمرأة ولا اشتهاء منها للرجل بالنظر، ولو توازن هذا الخطاب لفرض الحجاب على الرجل أيضًا، لكن الحاصل أن الفتنة والشهوة تستعملان لأغراض معادية للمرأة وللحياة بأسرها.


توغّل فى حياتنا الحجاب والنقاب وغيرهما من مظاهر الزعقة الدينية المظهرية، والآن، بعد الربيع «والرجيع» العربى، اتضح أن الحجاب ليس مجرد غطاء على الرأس، الحجاب رمز، راية للرجعية، ليس تفصيلة صغيرة، المفاهيم النقلية التى أنتجت التخلف الحضارى هى ذاتها المنتجة للحجاب، والإرهاب أيضًا، وهى تهددنا بالانهيار والفوضى، كما انهارت الدول الإسلامية الأقل قدرة على الصمود كأفغانستان والصومال، والخلاص ليس سهلاً، الخلاص من الحجاب الخارجى مرتبط بتخلص النساء والرجال من حجاب العقل بمفاهيمه التى يتمسك بها الرجعيون بمنطق عقولنا غُلْف، المشابه لمنطق الذين قالوا: «قلوبنا غُلْف» فى الآية ٨٨ من سورة البقرة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات