يا لولى يا غالى  

Foto

لم يكن هناك رائحٌ ولا غادٍ، فقط صوت ما تبقى من أوراق الشجر تعصف به ريح، شيكاغو مدينة الريح.


كانت ليلة شديدة البرودة قيل إنها قد قاربت ١٥ تحت الصفر، وإنها بسبب الرياح ربما تحسها ٢٥ تحت الصفر، جلست إلى مقعد القراءة القريب من النافذة، مقعد تخيرت وضعه بالقرب من النافذة المطلة من طابقنا الأول فى بناية «دورشستر». كانت ليلة شديدة البرودة قيل إنها قد قاربت ١٥ تحت الصفر، وإنها بسبب الرياح ربما تحسها ٢٥ تحت الصفر، جلست إلى مقعد القراءة القريب من النافذة، مقعد تخيرت وضعه بالقرب من النافذة المطلة من طابقنا الأول فى بناية «دورشستر».

لم يكن هناك رائحٌ ولا غادٍ، فقط صوت ما تبقى من أوراق الشجر تعصف به ريح، شيكاغو مدينة الريح.

يأتى صوتها أشبه بألحان تختلف بقدر المساحة التى تخترقها، حتى هذه لم تكن تسمعها، وقد التصقت سماعات الآيفون بأذنيك، عَلّ عينيك المراقبة لحركة الأشجار كانت تغوص فى لحظة مارقة بعينها، أعى كنْه اللحظة من درجة انقباض شفتيك ومقدار الزاوية التى يميل بها رأسك، والأهم من المستوى الذى تصل إليه فى تضييق حدقتى عينيك.

كان المكان زاوية اقتطعناها من حجرة السفرة، لابد من موضع ثابت ومنير نحوّله إلى «ركن مكتب» بديلا عن حجرة المكتب. لابد أن تأتلف الموضع الذى سوف يكون المقر وأنت «المستقر»؛ لهذا لم تكتب يومًا إلا فى موضع تألفه، لا تغيره إلا تحت وطأة ظروف جسام.. أغلبها مؤخرا كان فى المستشفيات.. تكتب وأنت فى العناية المركزة، ولا يصدق الأطباء، تقول لهم: العمود اليومى.. همّ يومى.

ألح عليك أن ترسل اعتذارًا تقول: لا يمكن.. الكتابة حتى آخر لحظة وعْى، كأى تلميذ مجتهد يواجه الامتحان كل يوم. تكتب و«الكانيولا» موصولة بشرايينك.. تكتب والمضادات تحوط صدرك.. تكتب وتقرأ.. بنفس الإيقاع كما لو أنك فى البيت فى تمام الصحة.. لم أرَك يومًا تكتب فى غير البيت أو المستشفى أو مرات السفر بغرف الفنادق التى تكون قد رأيت فيها زاوية عمل، بنفس الترتيب الذى تعتاده.

قررنا فى شقة «هايد بارك» أن نحوّل حجرة السفرة ومائدة السفرة المربعة الصغيرة بأكملها إلى مكتب أو حجرة مكتب، رغم كونها تُفتح على المطبخ، المطبخ والسفرة يفصلهما باب «هزّاز»، لكنه لحسن حظى لم يكن حاجزًا بحيث يعزلنا.

رتّبنا فوق المائدة التى تحولت إلى مكتب، اختياراتك من الكتب ذات الحظوة.. رزَم الأوراق البيضاء الاحتياطى السريع (نحو رزمتين من الورق فور سى) ثلاثة أقلام بثلاثة ألوان «أسود وأخضر وأزرق» من أقلام الكتابة العادية، وإن كانت من نوع  بعينه لا يتغير، قلم «كوريكتور» أبيض لزوم التصحيح، علبة مناديل كلينكس من الحجم المتوسط، «آى بود» خاص، بل خاص جدا، يحوى شبه مكتبة موسيقية لأم كلثوم، تسجيلات من حفلات نادرة متباعدة تغنى فيها أغنيات بعينها، منها «رق الحبيب، ودليلى احتار، ونهج البردة».

يجاور الآى بود تليفونان محمولان، أحدهما فقط لماجى ومحمد، لا يهاتفك عليه إلا «الشعب» كما كنت أطلق عليهما، وهذا لا تغلقه لا ليل ولا نهار.

إلى اليمين من مجلسك ملف باللون الأخضر لحفظ  ما تم كتابته فى الليلة السابقة.. كشاكيل عتيقة من ماركة لم تعد تنتج (الشمارلى)، وهذه أحضرت منها كشكولين يتضمنان «مختاراتك الشعرية» أحدهما لونه يميل إلى الوردى وإن كنت أرجح أنه كان من الأحمر قبل ربع قرن، والآخر رمادى، أو هذا ما آل إليه.


ألوانك فى اختيار الملفّات غيرها عند «الدفاتر الصغيرة» التى تدوّن فيها ملاحظات تجمعها، وهذه هى الأخرى أنواع، إما ملاحظات حول فكرة بعينها، يعنى بطريقة رأسية، أو ملاحظات شتى تضم كل شىء.. سفر أو رحلة، وجوه، شخصيات، مواقف وتواريخ ذات دلالة، وهذه موضعها دائمًا فى جيب الجاكيت أو القميص العلوى، وهذه غالبا لا تخرج من موضعها إلى المكتب إلا آخر النهار.


ألوان دفاترك الصغيرة متراوحة ما بين اللون الأزرق الفاتح أو السماوى والبيج، أما الملفات الكبيرة التى يتم فيها حفظ أو فهرَسة ما تكتب فبين الأخضر الداكن والكحلى، وأحيانًا البنى الغامق. لك غرام بألوان بعينها فى غير ما يخص المكتب: الأحمر الياقوتى والأخضر بلون حجر الزمرد.. أسميه «حجر الوعد»، عرفت ذلك قبل واحد وأربعين عاما.

أى مرة كانت تقودنا الأقدام إلى واجهة محل مجوهرات لم تكن عيناك تذهب إلا إلى «حجر الوعد»: «فى يوم من الأيام لازم أجيب لك حاجة فيها زمرد يا جميل».. أتعلق بذراعك أكثر، وربما أقفز فرحًا فى الشارع مرددة: سجل يا تاريخ.. سجل يا تاريخ! أو أضغط بكل قواى على كفك.. لم أفقد حالة الجيَشان التى كنتها معك منذ أن أخذت بيدى فى مسجد السلطان حسن.. كنت تقول إن كفينا «ترمومتر»، وإنهما «البريد»، وإن التماس بينهما يشى دومًا بالصدق، وعلى وزن بيت الشعر الشهير «السيف أصدق أنباءً من الكتب»، كانت لنا فى المستهل: «اليد أصدق أنباءً من الكلم»، وقد ظللت أنا وظلت يدانا ترمومترًا وبريدًا، حتى حين كان يحوم غمام، أو تحاول جملة هامشية أن تناوش أو تغازل «النص الأصلى» لمسارنا، كان أقصى ما أتصوره تعبيرا عن الغضب أو الأكثر إيلامًا الصمت و.. وأن لا تتعانق كفّانا.

وفى المقابل كثيرًا ما كنت أجدنى أقبّل يدك.. نعم كنت أقبّل يدك. وحتى اليوم.. وسأستمر فى أن أقبلها، بالذات فى لحظات الامتنان الإنسانى الذى لا يرتبط بكونى امرأة أو بكونك «مندوب الرجال فى عالَمى».. ذلك بوْح خاص، لم أقبّل إلا يدَى أبى وأمى وأنت.. كنت حين يفيض حنانك على ابنينا أحس امتنانًا فياضا فتضحك منى وعلىّ وكأنك تتساءل: أوَلست أنا أباهما؟ نعم، أنت الأب وأنت وأنت، لكنى وحدى التى تدرك وأدركت كيف أنت تصوغ من كدّك ما يهَدْهد حياتهما.. وحياتى.. ولا أعرف كيف أنى حتى «شابَ شعرى» ما زلت أحب الضغط على يديك، مع أنى يمكن أن أحتضنك وأن أقبّلك وأن أعانقك، لكن امتنانى عَرف بك ولَك «لغة» تخصه وألفها وارتاح ولم آبه بما تعنيه لدى غيرنا.

للأحمر الياقوتى أو شظف النار وبالذات فى نسيج بعينه، نسيج «القطيفة» المخملى، موضع فى نفسك.. فى خزانتى، ما تختصنى به من السفر، ودائمًا قطعة فى لون الياقوت الأحمر، من القطيفة الفرنسية والبروكار السورى، من الشال الإسبانى.. إلى الحرائر الصينية.. تشاركنا الهوى فى أشياء وأفكار وأشخاص وألحان ومذاقات وروائح، ولعلنى اكتشفت على يديك أسبابًا لما كنت أحبه ولا أعرف سببًا لحبه.. مُغرمة أنا بالنسيج.. أحب ملمَس القماش حتى لو لم أقم بتفصيله، وأهوى الخشب، لكننى تعلمت منك كيف أنصت لأنامل النسّاج المجهول، وكيف إن مررت بأناملى فوق منبر جامع أو سطح أرابيسك أن أسمع تسبيحة روح.

ناديتنى بإلحاح من جلستك عند نافذة بيت «دورشستر» المطلة على شارع ٥٨: «يا جميل.. يا ماجدة…» كنت أعد عشاءً ما زلت أشم رائحته، محاولة مخلصة لإعداد طبق «فتّة» بالموزة المحمرة، مستعينة بخبز أسمر من المكسيك، ادخرته مفاجأة بعد أن عدنا من مشوار الجامعة.. ثوم وخل.. كنّا فى العيد الكبير وعلامته الوحيدة هنا أنى أعمل فتة.. لم تنتظر حتى أعبر الخطوتين من المطبخ إلى السفرة.. فجأة وجدت يدك تضع على أذنى سماعة: «شوفى لقيت لك تسجيل نادر للأغنية بتاعتك»، ثم ملت علىَّ بحنوك الصافى الذى يشبه أن تمتد إليك يد السماء لترفعك إليها: «يا لولى انت يا لولى».. وقبلتنى على خدى.  


بلاها عشا بقى...
بتومى والخل استدرت.. وأنا أدندن: يا لولى يا لولى الندا.. أما الأغنية فهى من أغانى فايزة أحمد، واسمها «يا لولى يا غالى.. يا لولى الندا» من نغماتى فى الصباحات الرائقة، المعطرة بالأمان، وهدأة النفس والرضا.


لم ولن أستشعر فى حياتى دفئًا كتلك الليلة قارسة البرودة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات