.

رباعية نبيل سليمان

Foto

حاول الكاتب فى هذه الرواية عبر وعيه التاريخى للموضوع الإحاطة بالوطن الجديد سوريا من كل مفاصله، وعبر تشكيلاته المدنية والبدوية والريفية


فى روايته الملحمية «مدارات الشرق» للروائى السورى «نبيل سليمان» يأخذ قارءه إلى البدايات الحقيقية لسقوط الإمبراطوريات وتكون الدول وتشكل القوى العظمى، تلك البدايات أوصلتنا إلى هنا وهى مرحلة مفصلية فى حياة سوريا حيث الحرب العالمية الأولى وتفتت الدولة العثمانية.


حاول الكاتب فى هذه الرواية عبر وعيه التاريخى للموضوع الإحاطة بالوطن الجديد سوريا من كل مفاصله، وعبر تشكيلاته المدنية والبدوية والريفية، ليضع يده على الآلام الدفينة والخفية لمجموعات عانت كثيرا من القسوة، إضافة إلى المعاناة الجمعية فى العلاقة مع النظام العثمانى الذى كان شديد العدل بتوزيعه الجهل والحرمان والإفقار على الجميع غير مبال بالتباينات المذهبية.


يقوم الراوى بتضفير عالمين فى جديلة متسقة، مناوبا فى الفصول المتتالية بين حياة روايته فى ربوع الشام، ورحلته إلى إسبانيا ومدن الأندلس من ناحية أخرى، معتمدا على طريقة المزج بين ما يشبه المذكرات والخواطر الشخصية والرسائل.


يبدأ «سليمان» روايته بالحديث عن العائدين من الحرب العالمية الأولى إلى دمشق، وهم ياسين الحلو وراغب الناصح وإسماعيل معلا وفياض العقدة وعزيز اللباد، الذين يعودون من الحرب إلى بناء حياتهم وحياة الفلاحين المظلومين، والعامل المعاكس هو الاستعمار العثمانى، ومن بعده الاستعمار الفرنسى ثم طبقة الإقطاعيين، والرأسماليين، حيث يتصارع الخير والشر.


وتشهد أماكن الأحداث ملاحم بطولية، ومآثر رائعة، كما تشهد مظالم عديدة، يندى لها جبين الإنسانية: تعرية النساء أمام أزواجهن، ومضاجعتهن من قبل آخرين، على مرأى من أزواجهن، فى قصر عبود بك، حق الآغا فى الليلة الأولى للعروس، يفتض الآغا بكارتها، وعريسها أمام الباب يرقب الكرابيج المعلّقة.. مذابح الأرمن.. حرق الفرنسيين لرجل فى جبلة، لأنه كان قد قاتل مع عز الدين القسام.. اغتيال أهالى قرية «مرجمين» على يد رجال السلطة. وفى «الزنبقلى» يقتل رستم آغا الفلاحين دون رادع، وقد اتهم رجلا بسرقة كيس طحين، ليطعم الأفواه الجائعة لأولاده العشرة، وقد جمع الفلاحين ليتفرجوا على «الحرامى»: أجبره على صعود الدرج على يديه وركبتيه، قبل أن يطلق عليه رصاصتين، ويطلب من الفلاحين أن يرموه فى النهر، لأنه لا قبر له فى أرضه، وسط كل هذه الأحداث المتلاحقة لا تغيب علاقتهم الطبقية الصارمة، مشايخ الدم وعلاقتهم شديدة الالتصاق بقبائلهم إن فى الفرات والجزيرة أو فى الجولان، مرورا إلى التبدلات السيسوثقافية فى دمشق وريفها، انتهاءً بطائفة كانت غامضة عن الوجدان السورى، منعزلة عنه، ومعزولة عنه، هى الطائفة العلوية.


التقط الكاتب نقطة حساسة جدا فى تاريخ الجبل الذى فضل تسميته باسمه التاريخى جبل السماق، أو جبل الحلو، والانشقاق الكبير الذى تم فى جسم الطائفة فى ذلك الحين، وفى الدعوة إلى إنشاء دويلة طائفية خاصة بهم وحتى الحديث عن الطائفة الأخرى فى الجنوب السورى فى نزعة بعض أفرادها الانتحارية إلى تشكيل وطن خاص صغير بهم.


هذه المقاربات التى أقدم عليها «سليمان»، أولا فى محاولة الإحاطة بكل سوريا الجديدة، وتغطيتها روائيا فى رباعيته هذه فى قسوته المبضعية فى الكشف عن الآلام الدفينة والخفية لمجموعات عانت كثيرا من القسوة، على يد النظام العثمانى الذى كان شديد العدل فى توزيعه الجهل والحرمان والإفقار على الجميع غير مبال بالاختلافات المذهبية. ‏


اختار الكاتب شخصياته عاكسة وممثلة لحالة الفسيفساء الشامى التاريخى، كاشفة عن حسنات كل ممثل ومساوئه لكل مجموعة، فكشف الجرح أدعى للشفاء دائما من تغطيته وترك العفن والقيح يفعلان فعلهما فى الجرح المسكوت عنه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات