.

سوريا من مجزرة حماة إلى مجازر الثورة

Foto

تبدأ الرواية بقيام أحد ضباط الجيش خلال حصار حماة دونما سبب، ومن دون تلقى أمر من رؤسائه، بإطلاق الرصاص على ثلاثة أجيال من عائلة واحدة


تؤرخ رواية «السوريون الأعداء» الصادرة عن دار رياض الريس للنشر فى بيروت، للكاتب «فواز حداد» لحياة ثلاثة أشخاص، هم المهندس سليمان والطبيب عدنان والقاضى سليم، فى تقاطعها مع واقع سوريا القابعة تحت حكم نظام قمعى، بدءًا من مجزرة حماة وحتى بداية الثورة السورية.


تبدأ الرواية بقيام أحد ضباط الجيش خلال حصار حماة دونما سبب، ومن دون تلقى أمر من رؤسائه، بإطلاق الرصاص على ثلاثة أجيال من عائلة واحدة «جد وأم وأطفال»، لم يكن قتلا لوجه القتل، ولا قتلا لوجه تبييض سجل الولاء للنظام.

كان اختبارا للقدرة على القتل كوسيلة لا بد منها لمن يمتلك طموحا بلا حدود لتسلق هرم السلطة، أسوة بمن سبقه. الطريق إلى المجد مُعَبَّد بالضحايا، إما أن تكون القاتل أو القتيل.


تغطى الرواية حقبة كاملة تمتد من أولى طلقات الانقلاب العسكرى الذى قاده «الرئيس الراحل حافظ الأسد» ضد رفاقه فى الستينيات، وحتى اللحظة الراهنة من اكتمال الجريمة التاريخية، حقبة تمتد لخمسة عقود من حكم «أسرة الأسد» وتفرعاتها. ولا شىء جديدا، وكأن الزمن يكرر نفسه مرات ومرات؛ عهد دموى، منذ أن تولى «حافظ الأسد» سدة الحكم، وحتى وصول ابنه طبيب العيون «بشار الأسد» الذى استولى على الحكم بانقلاب آخر عرف باسم «التعديلات الدستورية».


والرواية اعتمدت المنهج التوثيقى المطعم بالتخييل واللعب بالزمن، وابتكار الشخوص، لتسهم جميعها فى إلقاء الضوء على جزء من تاريخ المسحوقين، ولتقول عبر لغتها الواقعية، إن التاريخ لا يمكن دحضه، وإن صوت المقهورين يبقى حاضرا فى تلافيف الذاكرة الجمعية حتى وإن كان خافتا.


وتتناول الرواية أحداثا سورية بعينها مثل مجزرة حماة عام 1982 فى عهد «حافظ الأسد»، التى أعيدت مرة أخرى بعد عام 2011 فى عهد «بشار الأسد» لا فارق بينهما نوعيا على هذا الصعيد، سوى على مستوى الكم، حيث تحولت سوريا كلها إلى حماة. يقول حداد: «الزاوية الكيلانية، سويت بالأرض، الجرافات لم توفر حتى القبور، عظام أمواتنا طحنت بترابها، أجساد قتلانا ذهبت بها الشاحنات إلى مقابر جماعية، مثوى أهلنا بات فى الذاكرة» ص114.


الكاتب لا يغرق فى تفاصيل مكررة، فلا يغوص كثيرا فى تفاصيل سجن تَدمر الذى بات معروفا بشكل جيد من قبل السوريين، كما يكتفى بصور سريعة حول مجازر حماة، ولا يستغل فى هذا السياق عاطفة القارئ، وينحو إلى التجريد فى أكثر مواضع الرواية، ويكتفى بالصورة لمقاربة تجريده، فيصبح «المهندس» وهو أحد الشخصيات المحورية فى الرواية، هو مهندس نظام الأسد، وهو الصورة الأعمق التى تتجلى عبره بنية النظام وتركيبته. وفى ذلك إشارة حاسمة فى أهميتها، إذ لا وجود ولا شرعية للفصل بين الأسد وبين نظامه، فكلا الطرفين يشيران إلى بنية النظام المتماسكة التى يصعب الفصل فى ما بينها، والجميع هنا هو النظام: الأجهزة الأمنية وقادة حزب البعث والقصر الجمهورى ومشايخ الطائفة الكريمة وشبانها المغرر بهم، وجميعهم يشكلون بنية النظام الأسدى.


والرواية غنية على جميع المستويات سياسيا وأدبيا وإنسانيا، سواء فى طريقتها التحليلية للشخصيات أو فى طريقة تفكير القيادات الكبيرة فى نظام الأسد من العلويين والسنة المستفيدين من النظام. أبدع فواز حداد هنا بالحديث عن الوضع السياسى السورى والفساد الذى حدث فيه، والسجون والتعذيب، والفئة العلوية التى استحوذت على كل شىء بالبلاد، إلى أن قامت ثورة سوريا فى عام 2011.


رواية «السوريون الأعداء» هى رواية الدكتاتورية فى مرحلة التدمير البطىء للمجتمع، وتحويله إلى قطيع، وأيضا تحولات النفس البشرية فى بوتقة التسلطية المؤبدة. وكيف يصبح القتل لمجرد القتل اختبارا للقدرة على إبادة الآخر كوسيلة لا بد منها لتسلق هرم السلطة، ضمن معادلة إما أن تكون القاتل أو القتيل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات