عبد الملك بن مروان.. الفقيه الذى أفسدته السلطة

Foto

كيف غيَّرت السلطة من طبيعة عبد الملك بن مروان؟ وماذا فعل بالمصحف حين تولّى السلطة؟ هل نهى عبد الملك بن مروان عن الأمر بالمعروف؟


هو الخليفة الأموى الخامس صاحب لقب «أبو الخلفاء»، فقد تولى الخلافة من بعده أبناؤه الأربعة، الوليد وسليمان ويزيد وهشام. والحقيقة التى لا يعرفها الكثيرون أن عبد الملك كان من أشهر الفقهاء فى عصره، يُذكر فى ذلك مع ثلاثة آخرين سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب.


وكما جاء فى «البداية والنهاية» لابن كثير، فقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العُبّاد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن، وفى «طبقات ابن سعد» أن عبد الملك بن مروان قد حفظ عن عثمان وسمع عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وجابر بن عبد الله، وغيرهم من أصحاب رسول الله «ص»، وكان عابدًا ناسكًا قبل الخلافة.


ويروى ابن سعد أيضًا عن نافع قوله: لقد رأيت عبد الملك بن مروان وما بالمدينة أشد تشميرًا ولا أطلب للعلم منه، أحسبه قال: ولا أشد اجتهادًا.


وقال الشعبى: ما جالست أحدًا إلا وجدت لى الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان، فإننى ما ذاكرته حديثًا إلا زادنى فيه ولا شعرًا إلا زادنى فيه.


أما بعد الخلافة فكان التحول الصادم والكبير، فظهرت لعبد الملك شخصية أخرى وبدت له نفسية مغايرة تمامًا لما اشتهر به من قبل.. ففى تاريخ الخلفاء للسيوطى أنه لما أفضى أمر الخلافة إلى عبد الملك بن مروان كان المصحف فى حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.


ويروى أنه خطب عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس وسبعين، فقال:
«أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف -يعنى عثمان- ولا الخليفة المداهن -يعنى معاوية- ولا الخليفة المأفون -يعنى يزيد- ألا وإن من كان قبلى من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال.

ألا وإنى لا أداوى أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم.

تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم.


ألا وإنا نحمل لكم كل شىء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية والله لا يفعل أحد فعلة إلا جعلتها فى عنقه. والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه».


ويروى أن عبد الملك كان إذا قعد للحكم خيّم على رأسه بالسيوف.


وقد يعجب الكثيرون لهذا التناقض، لكن الحقيقة والواقع أنه لا تناقض على الإطلاق فقد جاءت السلطة بسحرها وبريقها، ومعنى هذا أن عهد النسك والعبادة قد ولى.. ويؤكد ذلك ويثبته أنه وفى نفس المصدر للسيوطى وفى عام 75هــ، خطب عبد الملك على منبر الرسول فى المدينة بعد قتل عبد الله بن الزبير.


 قائلا: «والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه».


وبسبب هذه الكلمات وصفه الزهرى بأنه أول مَن نهى عن الأمر بالمعروف.


وأيضًا قد لا يعد كل ذلك مستغربًا حين نعلم أن ساعد عبد الملك الأيمن هو الحجاج بن يوسف الثقفى، أحد أشهر الطغاة فى التاريخ الإنسانى العام.. وقد عرف عبد الملك للحجاج مقدرته ومواهبه وأدرك أنه بالحجاج قد وطد دعائم الحكم وثبت أركان الخلافة، ولهذا فقد كانت وصيته الأخيرة لولده وولى عهده الوليد أن يحفظ للحاج صنيعه وأن يكرمه ويلزمه وزيرًا ومشيرًا.. وقد كان.


ولعل فى قصة عبد الملك مع التابعى الجليل والفقيه الأشهر سعيد بن المسيب، تجسيد حى ومباشر لهذا التحول الذى شهدته حياة الرجل الذى كان فقيها.


فلما أراد عبد الملك بن مروان أن يبايع لابنه الوليد سنة خمس وثمانين من الهجرة خطب له بنت سعيد بن المسيب، لما كان له من المنزلة بين الناس، فأراد أن يتخذ هذا وسيلة لترغيبهم فى ابنه الوليد، ورضاهم عن بيعته، لأنه إذا زوجه سعيد بنته وبايعه، بايعه الناس كلهم.. وهنا تظهر وتتجلى فكرة «نسب المصلحة» بمنتهى الوضوح.. وليس غريبًا ولا مستبعدًا أن يحاول خليفة مثل عبد الملك استغلالها والإفادة منها.


ولكن سعيدًا كان من العلماء الذين لا يعرفون إلا البيت والمسجد، وكان مبتعدًا عن بنى مروان لا يقربهم، ولا يتصل بهم، كما يتصل غيره من العلماء، لأنه يراهم أخذوا الحكم بالسيف، ولم يسلكوا إليه طريق الشورى التى سلكها الخلفاء الراشدون.


فلما خطب عبد الملك ابنته لابنه الوليد أبى أن يزوجها له، وآثر عليه أبا وداعة، وهو رجل من أصحابه لا يملك شيئًا.


فلما بلغ عبد الملك ذلك حقد على سعيد أشد الحقد، وأسخطه أن يؤثر عليه أبا وداعة أشد السخط، ثم مضى فى ما أراد من المبايعة لابنه.. ونحن هنا أمام تنويعة أخرى على «انتزاع معاوية البيعة لابنه يزيد»، فأرسل إلى أهل المدينة يأخذ منهم البيعة للوليد، ثم من بعده لابنه سليمان، ليكونا وليى عهد المسلمين، فبايع أهل المدينة كلهم، وأبى سعيد أن يبايع، وكان والى المدينة هشام ابن إسماعيل، فكتب إلى عبد الملك: «إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب إليه عبد الملك: أن اعرضه على السيف، فإن مضى فاجلده خمسين جلدة وطف به فى أسواق المدينة».


فلما قدم كتاب عبد الملك دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب، وقالوا: «جئناك فى أمر، قد قدم كتاب عبد الملك، إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثًا فأعطنا إحداهن، فإن الوالى قد قبل منك أن يُقرأ عليك، فلا تقل: لا، ولا نعم، فقال لهم: يقول الناس: بايع سعيد بن المسيب.

ما أنا بفاعل -وكان إذا قال لا لم يستطيعوا أن يقولوا نعم- فقالوا له: «فتجلس فى بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أيامًا، فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك، فقال لهم: فأنا أسمع الأذان فوق أذنى: حى على الصلاة، حى على الصلاة، ما أنا بفاعل. فقالوا له: فانتقل من مجلسك إلى غيره، فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك».


فقال لهم: «أخوفًا من مخلوق؟ ما أنا بمتقدم شبرًا ولا متأخرًا. فلما أبى عليهم ذلك كله خرجوا من عنده، وخرج بعدهم إلى صلاة الظهر، فجلس فى مجلسه الذى كان يجلس فيه، فلما صلى الوالى بعث إليه فأتى به، فقال: «إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك».


فقال سعيد: «نهى رسول الله عن بيعتين»، وقيل إنه أبى وقال: لا حتى أنظر. وقيل إنه قال: «لا أبايع وعبد الملك حى».


فلما أبى سعيد أن يبايع ضربه هشام ضربًا مبرحًا فى يوم بارد، وصب عليه الماء وطاف به وهو فى سروال صغير يستر عورته حتى بلغ رأس الثنية التى كانوا يقتلون ويصلبون عندها، ثم ردوه وحبسوه.


فقال سعيد: «لو ظننت أهم لا يصلبوننى ما لبست ثياب مسوح (جمع مسح وهو الثياب الخشن)، ولكنى قلت: إنهم يصلبوننى فيسترنى.

وكانوا قد ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر، فقال: إن هذه الوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة».


ثم أخرجوه من السجن ومنعوا الناس أن يجالسوه، فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له: «قم من عندى»، لأنه يكره أن يضرب بسببه.


وفى «البداية والنهاية» لابن كثير: كان سعيد لا يأخذ العطاء وكانت له بضاعة أربعمئة دينار، وكان يتاجر فى الزيت، وكان يقول: اللهم إنك تعلم أنى لم أمسكه بخلاً ولا حرصًا عليه ولا محبّة للدنيا ونيل شهواتها: وإنما أريد أن أصون به وجهى عن بنى مروان حتى ألقى الله فيحكم فى وفيهم.


ولا شك أن ما فعله عبد الملك بسعيد بن المسيب شىء فى قمة الوضاعة، والغريب أنها لم تكن ضرورية ولا مطلوبة فى هذا الظرف، لأن البيعة لا تكون صحيحة إلا عن رضا واختيار، ولا يصح أن يُقهر أحد عليها، لأنها إذا جاءت بالقهر تكون باطلة، وما كان لعبد الملك أن يتشبث ببيعة سعيد إلى هذا الحد، لأن البيعة تصح باتفاق أكثر الناس، ولا يجب أن تكون بإجماع منهم، وقد كان سعيد مع هذا مسالمًا لبنى مروان، وليس لهم عليه إلا أن يكون مسالمًا لهم، أما رأيه فيهم فمن حقه وحده.


ويبدو أن عبد الملك -بما فيه من خير- قد لام نفسه وعنّفها فى اللحظات الأخيرة من حياته على تحولاته ومواقفه التى جعلته يخالف كثيرًا مما آمن به فى شبابه وأيام كان فقيهًا.


وربما كانت كلماته الأخيرة، فى اللحظات التى يصل الإنسان فيها إلى قمة المواجهة والصدق مع النفس، تكون هى المرشد الأدق لتفسير كثير من أعماله التى اختلفت حولها التفسيرات والتبريرات. هنا تسكت كل الأصوات وتخشع، ولا يبقى إلا الصوت الداخلى، صوت الضمير.


فحين حضرته الوفاة أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع غسّالاً بالوادى فقال: ما هذا؟ قالوا: غسالاً.


فقال: يا ليتنى كنت غسّالاً أعيش من عمل يدى.


فلما بلغ ذلك أبا حازم الفقيه، قال: الحمد لله الذى جعلهم عند موتهم يتمنون ما نحن فيه وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه.


ودخل عليه شيوخ بنى أمية يعودونه، فقالوا: له كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟


قال: أجدنى كما قال الله تعالى «ولقد جئتمونا فُرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنت تزعمون».. وقالوا: «وكان هذا آخر كلام سمع منه»، ولتنتهى قصة حياة امتلأت بالمواقف والتحديات والإنجازات.. والتحولات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات