.

طلق صناعى.. فيلم بلا هوية يحتاج إلى التصنيف

Foto

غرار فيلم التسعينيات الشهير «الإرهاب والكباب» للسيناريست النابغة وحيد حامد، بطولة عادل إمام ويسرا، يبدأ سيناريو فيلم «طلق صناعى»


هناك طيلة الوقت كُتاب وهناك كَتبة وهناك مُستكتبون، والكل يكتب. الجملة العميقة التى كتبها الكاتب الكبير إبراهيم أصلان نستعرضها من خلال فيلم «طلق صناعى» الذى يعد البطولة المطلقة الأولى للممثل المخضرم ماجد الكدوانى.
يدور الفيلم فى إطار نمطى يلتف حوله مواطنو شعوب العالم الثالث، ألا وهو الحصول على الجنسية الأمريكية والإقامة بالولايات المتحدة على اعتبارها أرض الأحلام والجنة الموعودة، فيلجؤون إلى تزييف هوياتهم العرقية والمجتمعية والجنسية للحصول على منحة الرب. يتقدم الزوجان «حسين وهبة» إلى السفارة الأمريكية مجددًا بعد رفض طلبهما مرارًا من أجل الحصول على تأشيرة السفر بغية حياة أفضل للتوأمين اللذين تحملهما الزوجة فى شهرها التاسع، وتسطع الفكرة فى عقل حسين/ ماجد الكدوانى فى أنه ماذا لو وضعت زوجته هبة/ حورية فرغلى التوأمين بدورة مياه السفارة الأمريكية، التى تعد أرضًا أمريكية داخل جمهورية مصر، وبالتالى سوف يحصل الطفلان على الجنسية الأمريكية! يعطى حسين زوجته قرص دواء من شأنه «تحمية» طلق الولادة صناعيًّا، ولعدم مقاطعة هبة عن عملية الولادة داخل دورة مياه السفارة، يتطور الأمر ليتورط حسين فى عمل أحمق من خلال الحصول على سلاح موظف الأمن، ومن ثم يهدد زائرى السفارة من طالبى التأشيرة إلى الموظفين والعمال، بل ويقوم باحتجازهم جميعًا، لينقلب اليوم الهادئ إلى التورط فى قضية إرهابية.
 
على غرار فيلم التسعينيات الشهير «الإرهاب والكباب» للسيناريست النابغة وحيد حامد، بطولة عادل إمام ويسرا، يبدأ سيناريو فيلم «طلق صناعى» بأن يسفر عن نياته التى تخبطت ما بين المشاهد الجادة والأخرى الهزلية دون ترابط كافٍ لدفع الجمهور للانحياز والتعاطف مع معلم التربية الوطنية وزوجته موظفة إدخال البيانات فى إحدى الشركات الخاصة، أو أن يتعامل الجمهور معهما على أنهما همجيان لا يقدّران قيمة العمل الكارثى الذى يقومان به، فنجد على الصعيد الجاد أن الفيلم يناقش قضية هامة تتمثل فى إقبال مئات الآلاف من المواطنين على التقدم للهجرة إلى الولايات المتحدة عن طريق تزييف السبب الحقيقى الذى دفعهم لطلب اللجوء أو الهجرة، ولكن الخلط غير المتناسق هذا تسبب فى عدم قدرة المشاهدين على تحديد هوية الفيلم، أو من أى زاوية يتم تناول القضية وطرح الحلول، 
 
يحسب على السيناريو أيضًا، بخلاف المزج فى هوية الفيلم، استخدامه الإفيهات والنكات المستهلكة التى يعرفها رواد شبكات التواصل الاجتماعى عن ظهر قلب؛ مثل مكالمة سعيد/ مصطفى خاطر -الذى زيف شهادة الطب- لزميله الطبيب، الذى منحه ماجد الكدوانى ثلاثين ثانية للإجابة عن سؤال سعيد عن كيفية إعطاء حقنة المسكن للمرأة الحامل لتخفيف ألم الولادة، فما كان من الطبيب إلا أن أجاب: «أنت أستاذ جورج قرداحى». بالإشارة إلى مصطفى خاطر فإن الممثل الشاب قد بذل الكثير من الجهد لملاءمة دوره الذى لم يكن بالدور الصغير، بل حصل على عدة مشاهد كوميدية خفيفة، فى حين بدت مى كساب مفتعلة، يظهر الكدوانى بكامل طاقته وتألقه فى الأداء، حيث يعرف تمامًا كيفية استخدام كل أداة وموهبة فى الوقت المناسب، خصوصًا تقاسيم وجهه المعبّرة، التى لا تخطئها عين، وعلى جميع مستويات الانفعالات والشعور ما بين حزن وفرح وغضب ويأس، إلى آخر تلك الانفعالات التى بدا أن الكدوانى يطوّعها لحسابه، ويوجهها كيفما شاء كفعل السحر على الأشياء. لم يكن اختيار حورية فرغلى لدور هبة موفقًا تمامًا، حيث بدت بشكل مختلف عما اعتاده جمهورها، ذلك الاختلاف فى الشكل الذى أنهكته عمليات التجميل، والمحتوى الداخلى المتمثل فى عدم قدرتها كممثلة على إقناع مشاهديها بدورها، حيث بدت سلبية وأشبه بأداة تلقى غير متفاعلة مع الحدث غير فى وقت ذروة الأحداث، الذى جاء متأخرًا، معلنًا عدم التوازن بين التقسيم المتعارف عليه لوقت الفيلم من بداية وعقدة ونهاية.
 
قام سيد رجب بدور وزير الداخلية الشوفينى المعتز بمصريته والمتعالى على السير الأمريكى/ الممثل التونسى نجيب بلحسن، أكثر المشاهد إضحاكًا كان من نصيب بيومى فؤاد فى دور المحامى شقيق الزوجة هبة، والذى أفتى لحسين بجواز الحصول على الجنسية إذا وُلد الطفلان داخل السفارة، ولكن ربما إن لم يكن هناك دور بيومى فؤاد فلن يشعر المشاهدون بالاختلاف، لأنه فقط أضاف بعض النكات ذات المغزى الجنسى.
لم يبدُ أى نوع من البراعة الإخراجية للمخرج خالد دياب بالقدر المتوقع، حيث دارت أحداث الفيلم فى مكانين محددين، بالإضافة إلى إخراج مشاهد اعتادها المخرج فى أفلامه السابقة؛ مثل «اشتباك» 2016، من حيث تدافع المواطنين هاتفين بـ«علِّ الصوت» مثلما فعلوا فى ثورة يناير 2011، للدفاع ودعم المواطن، الذى أراد حياة أفضل لأطفاله، فلم ييأس فى طلب جنسية تحترم حقوق الإنسان، التى لا تحترمها الحكومة المصرية كما أشار دياب، أو خالد أو محمد، على حد سواء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات