جنايةُ التفاسير على القرآن

Foto

هل كان الصحابة يفهمون القرآن بألفاظه ومعانيه دون وساطة؟ كيف جنى التفسير النّصّى على هدْى القرآن؟ هل كان التفسير بالرأى أفضل من التفسير بالنصّ؟ كيف تحكّمت الأيديولوجيا فى تفسير القرآن وحالت دون هدايته للمسلمين؟


يرى العلامة ابن خلدون أنّ «القرآن أنزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلّهم يفهمونه، ويعلمون معانيه فى مفرداته وتراكيبه»، لكنّ بعض الروايات تؤكّد أنّ الصحابة كانوا مُتفاوتين فى فَهْم معانى القرآن، ودلالات آياته، فهذا أبو عبيدة يروى عن طريق مجاهد عن ابن عباس أنه قال: كنت لا أدرى ما فاطر السموات حتى أتانى أعرابيان متخاصمان فى بئر، فقال أحدهـما: أنا فطرتُها، والآخر يقول: أنا ابتدأتُها، كما يَروِى أيضًا عن أنسٍ أنّ عمرَ بن الخطّاب قرأ على المنبر: (وفاكهة وأبًّا) فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟! ثم رجع إلى نفسه فقال: إنّ هذا لهو التكلّف يا عمر! لذلك خطَّأ كثيرٌ من الباحثين ابنَ خلدون فى ما ذهب إليه فى أنّ العرب كلهم كانوا يفهمون القرآن لأنه نزل بلُغتهم وعلى أساليبهم، وما أخطأ العلامة ابن خلدون كما زعموا لأنه قصد أنّ العرب كانت تفهم القرآن ومعانيه إجمالاً دون دخول فى تفاصيل وفرعيات كالتى ابتدعوها وحشدوها فى تفاسيرهم، فكانوا يفهمونه باللفظ المتبادَر الذى كان العربىُّ يفهمه وقت النزول، وكانوا يلْمسُون هدْى آياته بعيدًا عن كلّ تفصيل يتضخّم فى نفس أصحاب النصوص، لذلك قال ابن خلدون بعد تعميمه السابق: «كان النبى (ص) يُبيّن المجمل، ويميّز الناسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه، فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولاً عنه».


وبديهى أنّ الرسول الكريم (ص) لم يُفسّر القرآنَ كلّه للصحابة، إذ هو مُبلّغ وهادٍ، لا مُفسّر، فكان (ص) يُبيّن لهم بالقدْر الذى يطلبونه فقط، فقد كانوا يفهمون الآيات بدلالاتها دون أنْ يُحمّلوها ما لا تحتمل كما درج المفسّرون بعد ذلك، فشغبوا على آى القرآن التى تُفهَم بألفاظها المتبادَرة بعيدًا عن التكلّف، بعيدًا عن النصوص التى حشدوها حولها بحُجّة أنها مُبيّنة ومُفصّلة لتلك الآيات، ولم يكتفوا بذلك بل جعلوا الشّعرَ -خصوصًا الجاهلى- حكمًا على القرآن ولم يأخذوا فى الاعتبار أنّ قسمًا كبيرًا من هذا الشعر إنما هو منحول لا أصل له.


ولقد اشتُهر برواية التفسير بعض الصحابة، لكنّ أشهرهم فى ذلك كان عبد الله بن عباس الذى كانت سنّه حين توفّى النبى (ص) ثلاثة عشر عامًا، وعلى الرغم من قول الشافعى: لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير إلا شبيه بمئة حديث (!!) إلا أن الفيروز أبادى صاحب القاموس المحيط، قد طبع تفسيرا كبيرا باسم (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) وضمّنه أقوالا فيها من التناقض ما فيها، ومع ذلك تجد نفرًا كثيرًا من المفسرين يستشهدون بتلك الأقوال والآراء المنسوبة إلى ابن عبّاس، لأنهم دَرَجُوا على النقل الآلىِّ دون اعتبار لعقل أو منطق، وكانت أقوال ابن عباس، وغيره، هذه مدخلا للتفسير بالمأثور/ النقلى الذى شحنه المفسّرون بغريب الآراء والقوال، واحتالوا به على هدْى القرآن، ودمّروا به التعقّل والتفكّر والتدبّر وكل أولئك المعانى التى دعانا الله إلى إعمالها فى كثير من آى القرآن، وعلى الرغم من أنّ كثيرًا من الدارسين فى حقل التفسير ومناهجه يعترفون بوجود أقطاب للرواية الإسرائيلية من الصحابة والتابعين، كعبد الله بن سلام، وتميم الدارى، وكعب بن ماتع المعروف بكعب الأحبار، ومحمد بن السائب الكلبى، ومقاتل بن سليمان، وغيرهم، إلا أنهم وثّقوا بعض آرائهم وسكتوا عنها وتذرّعوا إلى ذلك بأنه من قبيل المسكوت عنه الذى لا يحتمل الصدق ولا الكذب، فيرى الشيخ الذهبى -مثلاً- أن رواية ذلك جائزة على أنها مجرّد حكاية لما عندهم [الإسرائيليات فى التفسير والحديث: ص 82]، وسبقه إلى ذلك ابن تيمية [أصول التفسير: ص 98]، ولم يلتفت هؤلاء إلى أنّهم بذلك يعملون على تشويه القرآن ومعانيه والتزيّد عليه بما ليس فيه، وبما هو خارج عن هدْيه الذى هو مُبتَغَى الله الأوّل فى تنزيل القرآن، فقد ضيّق التفسيرُ بالمأثور/ التفسير النصّى من دائرة الهدْى وألجأ المسلمين إلى الجبر والتواكُل والخنوع، وأغرق آى القرآن فى اللا منطق واللا معقول، فهُم مفتونون بالنصوص والروايات الواهية فجعلوا آى القرآن عِضين، وقطّعوا عُراها وأجزاءها، وأذهبوا بلاغتها، وإنّ أجلى الأسباب التى أسهمت فى اختلاف السلف فى تفسير بعض آيات القرآن هو ولوعهم بالنقول والمرويّات الغريبة، وكلَفهم بها، ولو أنهم نظروا إلى آى القرآن بذهن خالٍ عن تلك النقول لاختلفت الحال، ولضاق باب الاختلاف.


ولأنّ الفكرَ يرتبط فى جميع مراحل تطوّره بالواقع الذى أفرزه، فقد جاء التفسيرُ بالرأى/ التفسير الليبرالى ناطقًا بتنوّع الاتجاهات السياسية والاجتماعية والمذهبية فى ذلك الوقت، ودعّم المفسرون بالرأى تفاسيرهم بالآراء والمعارف المتراكمة التى اكتسبوها ووظّفوها فى تفسير القرآن، ولم تكن تلك المعارف سوى ضرب من التمرين فى الفنون كالنحو والبلاغة والفقه وغير ذلك مما أفسد -أيضًا- هدْى القرآن ومراميه الرفيعة التى نزل من أجلها، فتحكّمت الأيديولوجية فى اتجاهات التفسير بالرأى ولا أدلّ على ذلك من تفاسير أهل الفقه، وكذا تفاسير أهل الكلام (شيعة- معتزلة)، وتفاسير أهل اللغة وغير ذلك من التفاسير التى اتّخذت من الأيديولوجيا حاكما على القرآن.


كما لم يخلُ التفسير بالرأى/ الليبرالى من النقول الإسرائيلية أو النقول التى تُجافى العقل والقرآن نفسه، فجاءت تفاسيرُهم مشحونةً هى الأخرى -وإن كان قليلا- بالروايات الواهية، والنقول الغريبة، فضلا عن امتلائها بمسائل الفقه والعقيدة واللغة وغيرها، وفوق كل ذلك كان النقل الآلى سمة من سمات تلك التفاسير، فالقرطبى -مثلا- يبنى تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) على تفسير المحرّر الوجيز لابن عطية، وينقل عنه آليًّا دون نقد، والخازن ينقل هو الآخر من البغوى، وأبو السعود ينقل من البيضاوى، وكلّ ذلك دون إعمال عقل وفَهم وابتكار فى ما ينقلونه، وإنما هو تكديس أوراق وآراء ما أنزل الله بها من سلطان، ويُناقض الحكمة الإلهية من تنزيل القرآن للهداية ووصْل الدين بالدنيا بعيدًا عن أهواء المفسّرين ونزعاتهم الأيديولوجية والمعرفية.

يقول الأستاذ محمد عبده: «إنّ الإكثار فى مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهى، ويذهب بهم فى مذاهب تُنسيهم معناه الحقيقى»، ويقول فى موضع آخر : «والتفسير الذى نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة، فإنّ هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذه المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله» [الأعمال الكاملة: الجزء الأول فى تفسير القرآن: ص7 وما بعدها].


النصوص والأيديولوجيا اللذان تضمّنتهما كُتب التفاسير هما -إذن- السبب الرئيس فى ابتعاد المسلمين عن فهم القرآن فهمًا حقيقيًّا يخاطب العقل قبل الرُّوح، فالعقل هو الذى يقود إلى التفكير الصحيح، والعقل باقٍ ببقاء الإنسان، فلا يستقيم بحال أن نرتكنَ إلى فهم الأوّلين، ونتكئ على آرائهم لمجرّد أنهم ممّن سبقونا بإحسان (..) فهل خلق الله لهم عقولا كاملة فى ما خلق لنا عقولا ناقصة؟! بالتأكيد لا، فالعقل قسمة مشتركة بين الناس، ورُبّ عقل فى العصر الحديث يهتدى إلى معنى فى القرآن لم يهتدِ إليه السابقون، إذ إنّ وسائل البحث العلمى قد تقدّمت وتسارعت عمّا قبل، فلا معنى للتوقّف عن استنباط الهداية والأحكام من القرآن وإلا لأوْقفنا دوران الزمان وأجريْنا سُنّة الله فى الكون على هوانا، واتّخذنا من أقوال السابقين أصنامًا نعبدها من دون الله!
معين القرآن لا ينضب، وكذا معين العقل لا ينضب. فاعتبروا يا أولى الألباب. 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات