.

صناعة التوحش

Foto

لم تعد الدولة محتكرة لفكرة العنف، وكما انتهى احتكار السيف انتهى احتكار الكلمة، علاوة على أن الدولة لم تعد المصدر الأول للمال.


تكرار مصطلح «داعش» وإلحاحه إعلاميا لم يقابله ما يتناسب من المعرفة حول هذا التنظيم الذى يستحق بجدارة توصيفه ما بين المغول والنازية، والذى واتته الفرصة فى حضانة ظروف دولية، قاسمها المشترك أمريكى الطرف منذ النشأة السابقة على وجوده.. فتفكيك العراق على يد المحتل الأمريكى أعطى ثلاثة عناصر أساسية هزت مفهوم مركزية الدولة وعلاقتها بالمجتمع.

لم تعد الدولة محتكرة لفكرة العنف، وكما انتهى احتكار السيف انتهى احتكار الكلمة، علاوة على أن الدولة لم تعد المصدر الأول للمال.


يقول لنا الباحث إن سقوط هذه الاحتكارات الثلاثة فتح الأبواب لحالة اضطراب عميق.

كيف يمكن اعتبار قطع الرؤوس وجز الرقاب وسيلة للتقرب إلى الله؟ من الصعب التفسير دون كلام عن الأرض الحاضنة وقوة الدافع. هناك تسعة عشر بندا وضعها أبو عمر البغدادى كعقيدة لدولته وأخلص لها داعش، منها وجوب هدم ما يسميه مظاهر الشرك (أن لا تدع تمثالا إلا وهدمته وقبرا إلا وسويته.

الرافضة طائفة شرك وردة.

التحاكم إلى شرع الله وحده. العلمانية على اختلاف راياتها، كالقومية والوطنية والشيوعية والبعثية هى كفر بواح مناقض للإسلام وخارج عن الملة.

الديار إذا علتها شرائع الكفر وكانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهى ديار كفر. وجوب قتال جيش وشرطة دولة الطاغوت.

طوائف أهل الكتاب وغيرهم من الصابئة أهل حرب لا ذمة لهم…) هذه المبادئ وضعها البغدادى على موقع الدولة الإسلامية كدستور أخلصوا له واعتبروا أن السلمية فى المقاومة هى العدو رقم واحد بل هى كفر بواح ورأوا فى ثورات الربيع العربى عبودية وذلا وأن جيوش الطواغيت قد أذلت المسلمين.


يظل سؤال التمويل على رأس ما يحيط بداعش من تساؤلات، وهناك ست وسائل يمكن إيجازها فى حركة المال غير الرسمية التى بدأت مع تمويل الحرب الأفغانية والتى ربما حدها ما جرى فى سبتمبر ٢٠٠١، لكن تحايلات تمت وتخفت التنظيمات فى صيغ هيكلية جديدة، فهناك حركة المال بين التنظيمات وبعضها البعض، إضافة إلى أساليب ابتزاز قسرية كما جرى فى الموصل بفرض إتاوات وضرائب، وكما جرى فى الرقة وحلب.


يلجأ داعش أيضا إلى كل وسائل تبييض الأموال بما فى ذلك تجارة المخدرات على النهج الطالبنى وبيع الأعضاء البشرية وبيع النساء، ثم هناك تجارة الطاقة، وتتم عمليات التسويق ضمن شبكة غير مباشرة. الغنائم، وقد انحط داعش ونزل بالمهزوم إلى درك لا يمت للإسلام بأى صلة، علما بوجود تفاوت فى توزيع الغنائم بين قادة التنظيم وعناصره، بحيث يمكن الكلام عن نظام للمرتزقة.


فى إطار التعريف بداعش وضرورة خلق حالة معرفية محيطة، يأتى استشراف المستقبل كسؤال يواجه بضبابية المصالح الإقليمية، لتتحول سوريا والعراق لأكبر مساحة للعنف تستجلب مهمشى الغرب، وأيضا الدول النفطية التى بدورها صارت مهددة بحكم صيرورة الجهادية الأيديولوجية الأكثر تأثيرا منذ الحرب الأفغانية، إلا أن ميدان الصراع هذه المرة على تخوم حدود الاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسى على بعد أقل من مئة كيلو من حدود الاتحاد الأوروبى.

ولا يمكن لمن فتح الحدود باتجاه شمال الهلال الخصيب أن يضع شارة للمرور باتجاه واحد للجماعات، ليحمى ظهره من تبعات هذه السياسة.

إحدى تبعات عولمة الصراع فى المنطقة تصاعد دور الأجهزة الاستخباراتية بوضوح على حساب السياسة، واستتبع ذلك تعزيز الأطروحات السلفية الجهادية فى إلغاء أى فرق بين الدولة والنظام والسلطة السياسية والأمنية، فكرة دولة المؤسسات التى حملتها إنجازات قرون من صراع الإنسان ضد الظلم والسلطة المطلقة تتراجع ومعها فكرة التمثيل الشعبى، لتعود مفاهيم القرون الوسطى ويحدث النكوص إلى صلاحيات الحكم المطلق والقيادة التى ليست تحاسب ومافيا الاقتصاد ومحاكم التفتيش على الشاكلة الوهابية.


لا يمكن مواجهة ما يجرى دون تجفيف منابع التمويل المالية والبشرية، والتحذير من «الجراد الأسود» أى تحول البترول من نعمة إلى نقمة، واستخدام العوائد لخدمة مشروع أيديولوجى هدام، يشكل العنصر الأكبر فى الظاهرة التكفيرية.

لابد من قرارات صارمة تحاسب من يتعامل مع هذه التنظيمات الإرهابية، والتجريم والمحاسبة للحكومات المتواطئة والسماسرة الذين يحققون مكاسب طائلة وسريعة من تجارة النفط مع داعش.

فى أحيان كثيرة لعبت عملية دفع الفدية دورا مستترا فى التمويل، عندما تدفع دولة خليجية عشرات الملايين كفدية لفردين ثلاثة.. وتحتل قطر رأس قائمة الممولين للجماعات التكفيرية وفق دراسة حقوقية أوروبية وأكثر الدول دفعا لمبالغ طائلة كفدية، بخلاف دورها فى التسليح.


هناك أكثر من سبعين جنسية فوق الأراضى السورية والعراقية ولابد من قرارات دولية تخرج من مجلس الأمن لإخراج هؤلاء. على دولة القانون مواجهة الجيش العقائدى، وتحالف كل القوى المستنيرة ووقف الجرائم الإعلامية، ووضع قوانين تحرم التمييز الدينى، والأهم وقف تدنيس الوعى الشعبى، كل ذلك فى محاولة لإيقاف صناعة التوحش التى اسمها خلافة الدولة الإسلامية «داعش».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات