فهمت؟! مبروك يا سيدى.. اتفضل بقى اكتئب!

Foto


الحياة فى حد ذاتها وضع تعيس، وضع لن يعدو فى النهاية كونه مجرد حكاية مجسمة خماسية الأبعاد، تحكيها إحدى الجدات المريخيات لأحفادها فى مساء مستقبلى بارد. وضع تعيس يلفظنا فيه المجهول فنولَد، ثم يتلقفنا مرة أخرى فنموت، وما بين اللفظ والتلقف نعيش حالة طويلة من عدم الفهم.

وعدم الفهم هذا يمتد من عدم فهمنا لأنفسنا إلى عدم فهمنا للآخرين من حولنا إلى عدم فهمنا لفكرة الحياة فى حد ذاتها إلى عدم فهمنا للكون الأشمل والأعم المحيط بنا.
إنها حالة ممتدة من عدم الفهم، يبدو خلالها البعض ممّن اقتربوا من قفش حتة من قلب الحقيقة؛ كجاليليو وداروين وأينشتين ونيوتن، مجرد نماذج على أن مَن يتعدى حدوده فى ما يخص عدم الفهم، ويفهم، ينبغى عليه أن يدفع الثمن. جميعهم اكتأبوا بعد تحقيق إنجازاتهم، حتى ماتوا. الاكتئاب هو ثمن الفهم وعُملته الرسمية المتعارف عليها بين جميع مَن قرروا استخدام عقولهم على مر العصور.
إذن، الحياة وضع تعيس ولغز غامض، قائم فى الأساس على فكرة عدم التمكن من فهمه. ومحاولات فهم ذلك الوضع لن تسفر سوى عن اكتئاب حاد. إلا أن ترك أنفسنا لعدم الفهم سوف يفضى بنا إلى اكتئاب أكثر حدة. وهنا يمكننا أن نمرق فى طريق حديثنا عبر دهليز وضع الحياة التعيس وعلاقته بالسعادة، فإذا كان عدم الفهم يفضى بنا إلى الاكتئاب بينما محاولات الفهم تفضى بنا هى الأخرى إلى الاكتئاب، إذن، ما الذى يفضى بنا إلى السعادة؟ إذا كان عدم الانشغال بالتفكير وإعمال العقل مثله مثل الانشغال بالتفكير وإعمال العقل، فما الفارق بينهما؟ وهل مَن فَكَّر كمَن لم يفكر؟ هل يتساوى الاثنان؟
بالطبع ليس مَن فكر كمن لم يفكر، كلاهما سوف يشعر بالتعاسة، وربما يشعر بالتعاسة أكثر من اجتهد أكثر وفكر. إلا أن تعاسة من فكر تشتمل بداخلها على سعادة من نوع خاص لا يستطيع من لم يفكر الوصول إليها، إنها السعادة الناجمة عن الاكتئاب الناجم بدوره عن فهم أنك لن تستطيع أن تفهم.
هى مأساة طبعًا، أن يكون الطريق إلى السعادة مفروشًا بالاكتئاب الناجم عن التفكير ومحاولات فهم الحياة، إلا أنه يظل أقل مأساوية من الطريق الآخر إلى السعادة، والمفروش بالاكتئاب أيضًا، إلا أنه الاكتئاب الناجم عن الجهل والهرطشة والابتعاد عن استخدام العقل فى التفكير المنطقى أو فى أى محاولة لفهم أى شىء يخص تلك الحياة.
إنها مأساة الحياة، إحدى المآسى على ظهر ذلك الكوكب التى ليس لها حل سوى التكيف، التكيف مع تلك المأساة والتى ينبغى عليك لكى تشعر بمدى مأساويتها أن تفكر فيها، ثم تحاول فهمها، ثم تكتئب، ثم تدرك أنك لن تفهمها تمامًا، ثم توقن أن كل ما علمته حتى الآن أنت وزُمَلاتك من البشر مايجيش نقطة فى بحر مما لم تعرفوه بعد، ثم تهيئ عقلك لعدم الدهشة ولتقبل الحقائق الجديدة بعد مرورها على فلتر المنطق والعقل، ثم يتزايد اكتئابك حتى يتحول فجأة ذات مساء إلى شعور عميق بالسلام النفسى والطمأنينة، والسعادة. تلك السعادة الناجمة عن معرفة تلك الحقيقة الحياتية التى تنص على أنه.. مافيش حاجة اسمها سعادة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات