.

مواجهة الإرهاب والتطرف.. من مجلس «قومى» إلى مجلس «أعلى» ومن قرار جمهورى إلى مشروع قانون

Foto

لماذا تذكرت الحكومة الآن الموافقة على مشروع القانون بعد صدور قرار جمهورى منذ 6 أشهر؟


 

بعد ما يقترب من ستة أشهر على إصدار قرار جمهورى بإنشاء وتشكيل المجلس القومى لمواجهة الإرهاب والتطرف فى 26 يوليو الماضى، أعلن مجلس الوزراء عقب اجتماعه الأسبوع الماضى عن موافقته على مشروع قانون إنشاء المجلس الذى تغير اسمه من «القومى» إلى «الأعلى» ليحل محل القرار الجمهورى السابق الذى حمل رقم 355 لسنة 2017، فى خطوة تثير الكثير من علامات الاستفهام وإلى جوارها علامات التعجب حول أسباب الانتباه فجأة للحاجة إلى إصدار قانون للمجلس بدلا من القرار الجمهورى، وإذا كانت هناك ضرورة قانونية تستدعى ذلك فما أسباب تأخيرها طوال تلك الفترة، وإذا ما كان ذلك هو السبب فى غياب دور المجلس طوال الفترة الماضية منذ تشكيله باستثناء انعقاد اجتماع وحيد له فى أغسطس الماضى. 
 
موافقة مجلس الوزراء على مشروع القانون التى يفترض أن يتبعها إحالته إلى مجلس الدولة لمراجعة نصوص القانون وإبداء أى ملاحظات قبل إحالتها للمناقشة فى مجلس النواب، ورغم أنها تبدو عملية إجرائية قد لا تواجهها أى معوقات، فإن السؤال الرئيسى يدور حول أسباب هذه الخطوة الآن، بعد تسعة أشهر تقريبا من دعوة السيسى للمرة الأولى لإنشاء مجلس لمواجهة الإرهاب والتطرف فى أعقاب الاعتداء على كنيستى الإسكندرية وطنطا فى أبريل 2017، وظلت هذه الدعوة بعدها محلك سر لعدة شهور دون أن يبدو فى الأفق أى مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة أو مطروحة من مجلس النواب لإنشاء هذا المجلس، خصوصا فى ظل حديث السيسى الذى بدا كإشارة لمنحه صلاحيات واسعة للقيام بدوره، ثم جاء القرار الجمهورى فى نهاية يوليو 2017 بعد فض انعقاد الدور الثانى لمجلس النواب، ليعلن من خلاله السيسى تشكيل هذا المجلس برئاسته وعضوية رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وشيخ الأزهر وبابا الكنيسة وعدد من الوزراء والمسؤولين بالإضافة إلى 13 شخصية عامة، وهو القرار الذى حدد 8 اختصاصات للمجلس على رأسها إقرار استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف، لكن هذا المجلس الذى دعا الرئيس لانعقاده فى أغسطس 2017 بعد أقل من شهر من صدور القرار الجمهورى بإنشائه، اختفى فى ظروف غامضة بعدها، ولم نسمع أى أنباء عن اجتماعات أو قرارات أو توصيات له، وذلك رغم تحديد القرار الجمهورى أن يدعوه الرئيس للانعقاد مرة كل شهرين وكلما دعت الضرورة لذلك، ورغم تكرار الحوادث الإرهابية خلال الشهور الماضية سواء فى سيناء أو فى غيرها، كما لم تصدر أى قرارات بتشكيل الأمانة العامة للمجلس المنصوص عليها فى القرار الجمهورى والتى يفترض أن تضم فى تشكيلها ممثلين للأجهزة الأمنية الرئيسية مثل المخابرات العامة والحربية والأمن الوطنى فضلا عن مسؤوليتها عن تشكيل مركز بحثى وآخر إعلامى وكذلك التنسيق مع مختلف الوزارات والجهات المعنية بالدولة لتنفيذ خطط المجلس..
لكن كل ذلك بدا متوقفا ومعطلا طوال الشهور الماضية وهو كان محل تساؤلات كثيرين مع كل جريمة إرهابية تحدث، حتى فاجأنا مجلس الوزراء الأسبوع الماضى بتذكره للموضوع وموافقته على مشروع قانون المجلس.. ورغم أن ذلك لا يقدم إجابة كافية على تساؤلات أسباب غياب دور المجلس طوال الشهور الماضية، كما يستدعى تساؤلات أخرى حول أسباب الحاجة إلى إصدار قانون ينظم إنشاءه وتشكيله وصلاحياته خصوصا أنه من المتوقع أن يكون مشروع القانون المقدم من الحكومة مطابقا للقرار الجمهورى تقريبا، ربما باستثناءات طفيفة وشكلية مثلما جرى فى تحويل الاسم من المجلس القومى إلى المجلس الأعلى، إلا أن هذه الخطوة قد تشير إلى رغبة السلطة فى منح المجلس وضعا قانونيا أقوى بأن يكون إنشاؤه وتشكيله بقوة قانون تشريعى لا قرار جمهورى، ورغم أن ذلك أيضا يستدعى التساؤل حول ما إذا كان ذلك فعلا هو الهدف فلماذا لم يتم الأمر بهذا الشكل منذ البداية خصوصا أنه كان هناك وقت كافٍ أمام الحكومة لتقديم هذا القانون لمجلس النواب فى دور انعقاده الماضى، كما كان أمامها أيضا وقت لتقديم هذا المشروع منذ بدء دور انعقاده الثالث فى أكتوبر الماضى منذ ثلاثة أشهر، بدلا من إصدار قرار جمهورى وعقد اجتماع وحيد للمجلس ثم بقائه محلك سر.. كما أن ذلك أيضا سوف يستدعى تساؤلات أخرى حول مجالس أخرى جرى تشكيلها بقرارات جمهورية فى الشهور الماضية مثل المجلس الأعلى للسياحة والمجلس الأعلى للاستثمار وغيرها، ورغم تفاوت واختلاف أدوار ومجالات كل منها، فإن جميعها يبقى لها دور فى ملفات شديدة الأهمية، فهل تواجه معوقات فى ممارسة مهامها أو صلاحياتها فقط لأن إنشاءها وتشكيلها لم يصدر بقانون من مجلس النواب؟! أحد أعضاء المجلس قال فى تصريحات صحفية مؤخرا إن أعضاء المجلس عقدوا خلال الفترة الماضية عدة اجتماعات غير معلنة وإنهم يعملون على وضع استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب على المستويات كافة، وإن هذه الخطط سوف تعلن للرأى العام والإعلام قريبا، ورغم أنه يبدو غريبا الحديث عن عقد اجتماعات غير معلنة خلال الشهور الماضية، من دون حضور رئيس المجلس على الأقل، وربما غيره كذلك من الأعضاء المعلن عنهم فى تشكيل المجلس، ورغم عدم الإعلان مثلا عن تقسيم وهيكلة المجلس إلى لجان تعقد اجتماعات متخصصة فى ملفات بعينها، ورغم عدم اكتمال الهيكل التنظيمى للمجلس، وغيرها من الملاحظات، فإن العبرة بالنتائج، وما يبدو واضحا للجميع هو أن المجلس منذ إصدار القرار الجمهورى بتشكيله وحتى الآن لم يسهم بأى شىء ولم يقدم أى خطوات أو يلعب أى أدوار أو يقوم بأى مهام مما هو مكلف بها، ورغم ضعف المنطق الذى يرى أن المجلس كان بانتظار إقدام الحكومة على تقديم مشروع قانون يقوى صلاحياته ويعطيه قوة التشريع بإقرار البرلمان له، فإننا سننتظر ونأمل أن يكون ذلك حقيقيا وأن نشهد دورا فاعلا لهذا المجلس خلال الفترة المقبلة، خصوصا أن المهام المحددة له تمثل بالفعل حجر زاوية رئيسيا فى مهمة مكافحة الإرهاب والتطرف بشكل شامل لا يقتصر على المواجهة الأمنية وحدها.
 
وربما تكون هذه الخطوة فرصة ملائمة لمراجعة تشكيل المجلس الذى صحيح أنه لم يمارس أى أدوار بعد للحكم على مدى فاعليته وكفاءته، إلا أن مجمل التشكيل يشير بوضوح لغلبة من المسؤولين الحكوميين الذين ليسوا بحاجة لمجلس يجمعهم لوضع خطط ورؤى وتنفيذها، وحتى الشخصيات العامة فقد بدا واضحا أنه تم اختيارها جميعا من لون واتجاه واحد مؤيد للسلطة، دون أن يفتح الباب أمام وجود سياسيين وخبراء وإعلاميين ومثقفين وحقوقيين لديهم بالتأكيد ما قد يفيد فى مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، واستمرار استبعاد هذا النوع من مجلس بهذه الأهمية إذا منحت له صلاحيات حقيقية وكانت الدولة جادة فى منحه المساحة اللازمة للقيام بدوره فى هذه المعركة، لن يعبر سوى عن استمرار منهج أن الدولة لا ترى سوى نفسها فقط فى مواجهة الإرهاب، دون أن تعترف بأدوار سياسية ومجتمعية متعددة ومتنوعة فى هذه المعركة. 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات