.

طهران فوق بركان الأسعار

Foto

سيستمر سباق التسليح واحتمالات الحرب فى المنطقة، هذه الأمور العسكرية الأمنية تلقى بظلالها على موازنات دول المنطقة


بعض الناس ينظر إلى ما يحدث فى إيران ويقول دعهم يذوقوا مما فعلوه فى الدول العربية وآخرها اليمن، والبعض ينظر ويتمنى أن تتحول مظاهرات إيران إلى زلزال يهدم عرش الملالى، والواقع أن هذه المظاهرات لها تأثير مباشر على مجريات السياسة فى المنطقة، سواء تهدم النظام أو قمع الحراك الشعبى الإيرانى، ولأن مصر بعيدة نوعا ما عن التأثير المباشر لما يحدث فى الداخل الإيرانى، فإن التأثير المباشر علينا مهما كانت نتيجة المظاهرات سيكون تأثيرا اقتصاديا فى المقام الأول، فإيران من كبار مصدرى الطاقة سواء البترول أو الغاز الطبيعى، ومن شأن التظاهرات التى تجرى فى إيران أن تنعكس وتحدث أثرا على أسعار الطاقة، التى فى الأرجح سترتفع نتيجة للمخاطر، وبالتالى سيكون هناك تأثيران على الموازنة العامة المصرية، الأول هو زيادة حجم الدعم المطلوب نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة، لاسيما البترول، والثانى زيادة عائدات الموازنة، نتيجة لارتفاع أسعار الغاز الطبيعى، الذى نقلل استيراده بسبب بداية إنتاج حقل ظهر، ومن المرجح أن يحمل عام 2018 أخبارا جيدة للاقتصاد المصرى إذا استمر سعر صرف الدولار عند مستوى 17.5 جنيه أو قل عنها بنسبة بسيطة لا تذكر، فارتفاع سعر الدولار يعتبر حاجزا طبيعيا يفرمل الاستيراد ويوفر للصناعة المصرية بيئة نمو هائلة، لذلك لابد أن نحسن استخدام هذه الفرصة.
ومظاهرات إيران لها تأثير آخر على حركة التسليح فى المنطقة، لاحظ أن حجة مصر فى زيادة وتيرة التسليح هى اختلال موازين الأمن فى المنطقة بعد التحديات الجسام الماثلة فى ليبيا، واليمن، وسوريا، والعراق، وبالتالى لا تستطيع الدول الأوروبية والآسيوية الكبيرة منع بيع السلاح لمصر، بل إن تلك الدول ترى رجاحة المنطق المصرى الذى ينطلق من مبدأ إعادة الاستقرار للمنطقة والحفاظ على السلام، لكن هل مظاهرات إيران تصب فى هذا الجانب؟ لا يبدو ذلك، فمن شأن الهزة الداخلية التى تحدث فى إيران أن تلقى بظلالها على الجهد الأمنى الذى تلعبه إيران فى العراق وسوريا، مما ينذر بأن الإرهاب قد يجد متنفسا مرة أخرى فى الشام والعراق، هذه المرة سيكون طائفيا بامتياز، وبالتالى سيستمر سباق التسليح واحتمالات الحرب فى المنطقة، هذه الأمور العسكرية الأمنية تلقى بظلالها على موازنات دول المنطقة، لا سيما مصر بالتأكيد، وسيكون على مصر الاستمرار فى البناء بيد والدفاع بيد، إلى أن تصل المنطقة للاستقرار، وبعدها لكل مقام مقال. وبالعودة لإيران، سيكون من تداعيات الهبة الشعبية تأثير مباشر على مجريات الأمور فى اليمن، لاحظ أن النظام الإيرانى ينفق بسخاء على ميليشيات الحوثى، باعتراف الحوثى نفسه فى مكالمة هاتفية مسربة مع الراحل على عبد الله صالح، ولعل هذا الإنفاق وراء تظاهرات الشعب الإيرانى، التى ينظر لها النظام على أنها عمل تخريبى مدفوع من الخارج، بينما يراها الشعب تعبيرا صادقا عن بذخ الملالى فى الإنفاق على لبنان، واليمن، وغزة!
ولعل هذه الهزة بالداخل الإيرانى تحمل فرصة للمملكة السعودية، بحيث تزيد من التواصل المخابراتى مع العناصر الثائرة فى الداخل، ومع عرب الأهواز، ومع مجاهدى خلق، لاستثمار حالة الفوضى فى الداخل الإيرانى وبغرض دفعها وتطويرها إلى أن تغير النظام، ولو تحققت نتيجة مثل هذه فإن حالة الشرق الأوسط كلها ستتغير، ولا أحد يعرف إذا كان التغيير سيكون إيجابيا أم سلبيا، ولصالح مَن، لاحظ أن إيران الشاه كانت مع إسرائيل ضد العرب، وكان الخليج يخشاها بسبب قربها من أمريكا، ثم بعد سقوط الشاه وإقامة الدولة الإسلامية، أصبحت إيران ضد إسرائيل، لكن للأسف اندلعت الحرب العربية الفارسية التى استنزفت العراق وإيران لمدة ثمانى سنوات طوال، وكان لهذا تأثير «شبه جيد» على مصر، فبينما كان العراقيون على الجبهة، كانت العمالة المصرية تجد فرصا كثيفة للعمل فى العراق، والآن إيران بمفردها ضد العرب وضد إسرائيل، والعرب يقتربون من إسرائيل لصالح دفع الخطر الإيرانى، فماذا سيحدث لو تغير النظام فى إيران؟ هل تعود إيران لحضن الغرب وتنفتح مرة أخرى على إسرائيل ضد العرب؟ هذا الأمر ليس مستبعدا تماما، فلقد رأينا كيف تبدلت الأحوال بين تركيا وإسرائيل من التحالف إلى العداء إلى الصداقة مرة أخرى! وإذا حدث تقارب بين إيران وإسرائيل، فأغلب الظن أن موازنات الدول العربية، لا سيما مصر، ستشهد ضغوطا كبيرة من أجل موازنة هذا التطور غير المحمود.
بقى شىء آخر بخصوص تظاهرات إيران وهو احتمالية أن يتحول الحراك الداخلى إلى عداء خارجى، تحاول من خلاله الدولة الإيرانية تصدير مشكلاتها عبر الحدود لعلها تجد متنفسا، والمقصود أن نأخذ فى الحسبان احتمالية التصعيد الإيرانى بعمل استفزازى ضد المملكة السعودية، وكأن العلاقات بين الدولتين تحتمل تصعيدا آخر، مثل هذا السيناريو هو الاحتمال الأسوأ على الموازنة المصرية، ليس لأننا سننخرط فى عمل مباشر ضد إيران، ولكن لأن الدولة المصرية سيكون عليها تدبير أمرها من دون أى دعم من الأشقاء فى الخليج، الذين سيتضاعف جهدهم لتسليح أنفسهم لاحتواء الخطر الإيرانى، وفى كل الأحوال، الكلمة العليا لحالة الاقتصاد المصرى فى عام 2018 ستكون للغاز الطبيعى، ولحالة التوتر مع إيران، إذ لا يزال التصنيع فى مصر يخطو خطوات بطيئة، وما زال الاقتصاد معتمدا على الموقع، والموارد الطبيعية، وبعض الخدمات دون الصناعة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات