.

ربيع.. بلا بلابل

Foto

موقف أدونيس مما يجرى فى سوريا واضح وجلى، ولربما فتح عليه شلالات الهجوم من الأطراف المعارضة والتى ترى فى نفسها ممثلة للثورات والربيع العربى


 ما بين الحين والآخر، كان الشاعر الكبير أدونيس يطلق تصريحًا أو يدلى للصحافة بحوار، لا يخفى فيه رؤيته لما جرى فى العالم العربى من ثورات أو انتفاضات كما يسميها هو، أو يعلق على الصبغة الإسلامية والإسلام السياسى.


موقف أدونيس مما يجرى فى سوريا واضح وجلى، ولربما فتح عليه شلالات الهجوم من الأطراف المعارضة والتى ترى فى نفسها ممثلة للثورات والربيع العربى، وموقفه من ثورات الربيع العربى عمومًا، لا لبس فيها وإن شابها الاختصار أو الاقتصاد فى التعليق.  


لم تتجاوز عمليات الإفصاح «الأدونيسية» الحيز الأشبه بـ«محطات إطلاق الصواريخ» فى ما يتعلق بالمجريات الحالية، إلا مع.. الأستاذة الدكتورة حورية عبد الواحد، مترجمته، والأستاذة المحاضرة بجامعة باريس 7، (جامعة ديدارو)، والتى أنجزت عنه كتابًا سابقًا بعنوان «نظرة على أدونيس»، لكنها هذه المرة تقدم أطول حوار فى أصعب لحظة، مع أدونيس حول موقفه ليس فقط من الأوضاع السياسية بل رؤيته لجوهر الإسلام  و«الإسلام السياسى» و«الحضارة  الإسلامية»، والمعضلات الفعلية التى تعيق تطور العرب والمسلمين، والضرورة الملحة لإعادة قراءة التاريخ الإسلامى بمنظور متحرر مما سماه «الزيف والتقطيع».


هذا الحوار صدر مؤخرًا فى كتاب باللغة الفرنسية عن دار «seuil»، وبعنوان صريح هو «العنف والإسلام»، تصدرت ظهر غلافه عبارة لا تحتمل المواربة على لسان أدونيس: «لقد اكتشفت أن كل تاريخنا كان مزيفًا، مصطنعًا»، ثم أضاف اكتشافه أن كل مَن أسهم فى خلق الحضارة الإسلامية تراوح مصيره بين التعذيب والسجن والموت مسمومًا، وأنه على ذلك لابد من إعادة قراءة هذه الحضارة بنظرة جدية وجديدة، وأيضًا بإنسانية جديدة.


السجال ما بين سؤال حورية عبد الواحد وإجابة الشاعر والمفكر أدونيس لم يكن أبدًا ليجد انسجامًا وتوافقًا، لو اختلفت شخصية السائل، لأن المترجمة والباحثة حورية عبد الواحد كانت تدرك الرؤية الأدونيسية أيما إدراك، ولم تكن أسئلتها إلا كمن يفتح بابًا أو يزيح ساترًا يعرف ما هو متوارٍ وراءه.


وقّع الاثنان، السائل والمجيب، توطئة توضح مدى الوفاق، تصدرت الكتاب، وملخصها أن رحيل النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، قد أعقبه تأسيس الخلافة الأولى، وتحوَّل الإسلام إلى نظام سياسى، وأنه قد استتبع ذلك استخدام الدين فى حروب السلطة، وأن الجمع «الواحد» الذى كان ملتفًّا حول النبى، صلى الله عليه وسلم، عرف انقسامات وحروبًا أيديولوجية، ووظَّف القرآن، لتنشأ ثقافة الحديث والإجماع، وأن إسلام اليوم ما هو إلا امتداد لهذا الإسلام التاريخى، وأن هذا الكتاب المعنون بـ«الإسلام والعنف» إنما يدور حول هذا الإسلام والثقافة التى استتبعته.. عن الإخفاق الذى حوَّل معه الربيع العربى إلى «ربيع بلا بلابل»، ويقول فيه أدونيس: «إنه ربما الإرهاصات الأولى للربيع العربى كانت موحية بيقظة، لكن الأحداث أشارت إلى أننا لسنا قبالة ثورة بل حرب، وأن هذه الثورة إن قامت ضد طغمة واستبداد تحوَّلت هى نفسها إلى نوع من الاستبداد، كانت فى معظمها قبلية وليست مدنية، إسلامية وليست عربية، بينما كان المجتمع فى تغيُّرات جذرية.. كان المجتمع فى حاجة إلى تغيير جذرى فى البُعد السياسى والاجتماعى والثقافى والاقتصادى، والمشكلة أن ما جرى واجه نفس الأسئلة الخالدة حول الإسلام والسلطة.

الشعوب أسقطت السلطة دون أن تلتفت إلى سؤال المؤسسات والتعليم والأسرة والمرأة والفرد.. لم تلتفت إلى تأسيس مجتمع مدنى حقيقى». تسأله حورية عبد الواحد إذا ما كان الخطأ أن الأفراد الذين دكّتهم السلطة السياسية لم يستطيعوا العمل فى وجهة تغيير حقيقى بمشتملاته غير البسيطة؟ ويرد أدونيس أن «الأمر متعلق بالرؤية وأنه فى مجتمع كالمجتمع العربى لا يمكن الكلام عن ثورة لا تقوم على أساس (علمانى)، علاوة على وجود تحالفات عضوية وهذه التمردات وقوى خارجية، وهذا هو الخطأ الثانى.. الذى قاد المنطقة إلى ربيع بلا بلابل».. وهنا السؤال الساعى إلى مزيد من التحديد من الأستاذة حورية عبد الواحد: «هل سعى أفراد إلى طلب تدخل الغرب أم أن الغرب وجدها فرصة سانحة؟»، ورأى أدونيس أن العاملَين معًا كانا موجودين وأن النتائج جاءت كارثية، وأن التحالفات مع الخارج أضر للحركات، ونستطيع أن نضيف أن العنف المسلح لعب الدور الأكبر فى تحطيم الثورة، وأن هذه الأسلحة المعقدة لم تكن لتأتى لولا التدخُّل الخارجى، والمحصلة كانت بدلاً من تحطيم نظام ديكتاتورى، حطَّموا الدولة.


يرى أدونيس أن أى ثورة محكومة برؤية الذين يقومون بها أو هى انعكاس لمستوى ثقافتهم وعلاقتهم بالعلمانية، ورؤيتهم للعالم وما جرى فى البلاد العربية يؤكد أن الغالبية من الشعوب العربية ما زالت محكومة بالجهل والأمية والظلامية الدينية.. الثورة التى «تتكعبل» فى الظلامية الدينية لا علاقة لها بالثورة بل هى كارثة.

 
لعل مما ينفرد به أدونيس فى رؤيته، ربطه ما بين مجريات الربع العربى وبين التاريخ، فنحن على حد تعبيره نتجاهل فى تاريخنا ثورات أكثر تطرفًا، مثل ثورة «الزنج» التى دافعت عن فكرة المواطنة ورفضت فكرة تفوق أو تمييز بسبب لون أو جنس، و«القرامطة» الذين تبنوا أفكارًا إصلاحية اجتماعية، ودعوا إلى المساواة وعدالة توزيع الثروة، كانوا أشبه بالاشتراكيين.. روادًا شكلوا ثورة مضادة لثالث الخلفاء، عثمان، أيضًا كانت هناك ثورات صغيرة تسعى للمساواة واستعادة الحقوق، وهى ثورات كانت أكثر تطرفًا من الربيع العربى.


فتحت المحاورة قوسًا أشارت فيه إلى أن معظم أنظمة التعليم العربية تتجاهل مثل هذه الثورات وأنها شخصيًّا لم تتعرف عليها إلا فى دراستها فى فرنسا. ثورة الزنج والقرامطة كما يرى أدونيس كانت أكثر تقدمًا مما جرى فى الربيع العربى.

المستقبل المحكوم برؤية الماضى.. هذا ما خلفه نموذج حكم الخليفة الذى يصل إلى حد كونه ممثل الله على الأرض. المجددون حوربوا دومًا، شعراءً، فلاسفةً، وموسيقيين.

وبناة الحضارة الإسلامية أو العربية، كما يرى أدونيس، لم يكونوا مسلمين بالمعنى التقليدى: أبو نواس، المتنبى، المعرى، لم يكونوا مع الإسلام الرسمى.. علينا أن نراجع أسسًا يطرحها الدين، وأن نعيد القراءة.


فى ما يتعلق بالربيع العربى يخلص أدونيس إلى أنه لا علاقة تربطه بالفكرة الحقيقية لتحرير الشعوب.. ويرى أنه ظلامية تفوق أى نظام ديكتاتورى، وأنه أبشع من أى نظام ديكتاتورى.. الأنظمة العربية لم تكن أكثر من عرائس فى أيدى الغرب، وأنه بعد الربيع العربى الأمر متعلق بفوائد ومكاسب اقتصادية واستراتيجية، ما بين الأمريكان والأوروببين والصين وروسيا.


السعودية وقطر دمَّرا المنطقة العربية وهزموا الربع العربى هزيمة مطلقة.. إعادة صياغة المنطقة استراتيجيًّا وثقافيًّا شغال على قدم وساق، والبركة فى فتيل السُّنة والشيعة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات