.

السعودية.. الاختلاف على توقيت التطبيع وليس التطبيع!

Foto

لماذا كانت تصريحات محمد بن سلمان الأخيرة مثيرة لكنها ليست مفاجئة؟ ولماذا أكد فى حوار «تايم» أنه لا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام؟


لم يكن غريبا، ولم تكن مفاجأة داوية، أن يُعلن، صراحة الأمير محمد بن سلمان، ولى العهد السعودى، أن لدولة الاحتلال إسرائيل حقا فى الأرض الفلسطينية، وأنه يمكن التعايُش معها فى المستقبل، وأن السعودية ليس لديها مشكلة مع إسرائيل، وأنه فى حال التوصل إلى سلام مع إسرائيل، ستكون ثمة علاقات ومصالح مشترَكة بينها وبين دول الخليج وعلى رأسها السعودية!

جاءت تصريحات الأمير السعودى الشاب «32 عاما» لمجلة The Atlantic الأمريكية، الإثنين الماضى، فى المقابلة التى أجراها معه رئيس تحريرها الصحفى الصهيونى «جيفرى جولدبيرج»، مثيرة لكنها ليست مفاجِئة؛ ذلك أنّ العلاقات السعودية- الإسرائيلية، خصوصا فى السنوات القليلة الماضية، وإن تكن غير معلَنَة، لكنها موجودة وقائمة خلف الكواليس، فقد خرجت تسريبات أكّد خلالها مسؤولون إسرائيليون أن ولى العهد السعودى زار إسرائيل سرا فى شهر سبتمبر من العام الماضى، فى الوقت الذى أكدوا فيه كذلك وجود تنسيق وتقدم فى العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل، لمواجهة عدوهم المشترَك إيران، ولم تنفِ مملكة آل سعود أو تعلق رسميا على تلك التسريبات، كما أقيمت، فى يوليو 2016، لقاءات غير رسمية بين مسؤولين إسرائيليين وسعوديين، من ضمنها زيارة اللواء السعودى المتقاعد الدكتور أنور عشقى رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية بالشرق الأوسط، إلى إسرائيل ولقاؤه بالمدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية دورى جولد فى القدس، كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، فى السادس من سبتمبر من العام الماضى، أن هناك تعاونا على المستويات المختلفة مع دول عربية لا توجد بينها وبين إسرائيل اتفاقات سلام، واصفا هذه الاتصالات بأنها غير معلنة، وأنها أوسع نطاقا من أى اتصالات حدثت خلال أى حقبة سابقة من تاريخ إسرائيل، ولا ننسى أن رئيس أركان جيش الاحتلال جادى إيزينكوت، خلال مقابلة له مع موقع «إيلاف» السعودى، فى نهاية عام 2017، شدد على أن هناك مصالح مشتركة بين البلدين، السعودية وإسرائيل، أهمها مواجهة إيران، وأخيرا -وربما ليس آخرا- أعلنت الهند وإسرائيل أن السعودية سمحت للطائرات الهندية بمسار جديد يخترق الأجواء السعودية إلى تل أبيب لاختصار الرحلات بين البلدين، فى سابقة هى الأولى فى تاريخ مملكة آل سعود، التى سارعت فى فبراير الماضى إلى نفى ذلك الخبر، حتى تم الإعلان عنه رسميا، لنجد أنفسنا إزاء حقيقة لا تقبل الشك، وهى أن ثمة تطورا رهيبا فى العلاقات السعودية الإسرائيلية بمساع وتكليفات أمريكية، إذ إن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية فى ظل حكم الرئيس الأمريكى ترامب، قد تمهد الطريق لعلاقات إسرائيلية سعودية، وقد نقلت صحيفة هآرتس عن كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكى، قوله إنه قد ناقش مع السعوديين تطوير علاقاتهم بإسرائيل كمقدمة لإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين فى المنطقة، وسبل إيجاد حل دائم ونهائى للصراع بينهما!
إذن، تصريحات ابن سلمان قطعت الشك باليقين، فى ما يتعلق بموقف مملكة آل سعود من إقامة علاقات مع دولة الاحتلال إسرائيل، فتلك التصريحات أثبتت أن التسريبات والأنباء المتعلقة بوجود علاقات غير معلَنة بين السعودية وإسرائيل، إنما هى حقيقية، وليست ادّعاءات أو أكاذيب أو بالونات اختبار، وعليه فإن احتمال وجود تطبيع كامل بين المملكة الإسلامية السنية المحافظة ودولة الاحتلال الدينية إسرائيل، إنما هو احتمال يزداد يوما بعد يوم، بما يفتح الباب على مصراعيه أمام سائر دول الخليج لتطوير علاقاتها أيضا مع إسرائيل!
ولم يكن غريبا على ابن سلمان أن يستخدم، بصورة براجماتية، خلال حواره للمجلة الأمريكية، سرديات دينية إسلامية لتبرير موقف بلاده من إسرائيل، وكأنه يكتشف تلك السرديات الدينية لأول مرة؛ فقد قال الأمير الشاب: «بلدنا ليس لديه مشكلة مع اليهود، نبينا محمد تزوج امرأة يهودية، لم يملك صديقا من اليهود فحسب، بل تزوج من اليهود، وجيرانه كانوا كذلك يهودًا»، ومما هو ظاهر أن كلام الرجل يفتقد إلى الدقة والسلامة التأويلية، ولسنا هاهنا فى معرض الردّ على سردياته دينيا وتاريخيا، لكننا نشير، فقط، إلى أن الأمير الشاب باستخدامه تلك السرديات الدينية إنما يؤكد أن بلاده تمضى فى طريقها نحو التطبيع الكامل مع دولة الاحتلال إسرائيل، بدليل أنه يحاول الدفاع عن منطقه وتبرير موقفه مستعينا بنصوص دينية يستخدمها لإقناع العوام بأن إقامة علاقات مع إسرائيل أمر طبيعى لا يتعارض مع الدين، ولا مندوحة عن الإشارة إلى أن الموقع الإلكترونى لمفتى المملكة الأشهر عبد العزيز بن باز، يحتفظ بنص الفتوى التى تشرعن التطبيع مع إسرائيل؛ إذ سُئل المفتى السابق: «هل يجوز بناء على الهدنة مع العدو اليهودى تمكينه بما يسمى بمعاهدات التطبيع، من الاستفادة من الدول الإسلامية اقتصاديا وغير ذلك من المجالات، بما يعود عليه بالمنافع العظيمة...»، فكان ردّه: «كل دولة تنظر فى مصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين فى بلادها الصلح مع اليهود فى تبادل السفراء والبيع والشراء، وغير ذلك من المعاملات التى يجيزها شرع الله المطهر، فلا بأس فى ذلك، وإن رأت أن المصلحة لها ولشعبها مقاطعة اليهود فعلت ما تقتضيه المصلحة الشرعية، وهكذا بقية الدول الكافرة حكمها حكم اليهود فى ذلك، والواجب على كل من تولى أمر المسلمين، سواء كان ملكا أو أميرا أو رئيس جمهورية أن ينظر فى مصالح شعبه، فيسمح بما ينفعهم ويكون فى مصلحتهم من الأمور التى لا يمنع منها شرع الله المطهر، ويمنع ما سوى ذلك مع أى دولة من دول الكفر!»، وعلى الرغم من أن ابن سلمان لم يُشر من قريب أو من بعيد إلى فتوى ابن باز تلك، بيْد أنه ألمح إلى أن المصلحة تقتضى التقارب والتعاون مع إسرائيل، فقد قال إن لإسرائيل اقتصادا كبيرا مقارنة بحجمها، وهى اقتصاد متنامٍ، وبالطبع هناك الكثير من المصالح التى نتقاسمها معها، وإذا كان هناك سلام سيكون هناك الكثير من المصالح بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجى، ودول وبلدان مثل مصر والأردن!
لا غرو، جاء تركيز ابن سلمان على المسجد الأقصى دون التطرق إلى القدس تأكيدا يثبت مدى توافق الرأيين الأمريكى والسعودى، بعد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال إسرائيل، وهو ما يصب بلا شك فى مصلحة الأخيرة، ويثبت أن ابن سلمان يقدّم تنازلات كبرى؛ إرضاء لدونالد ترامب والإسرائيليين، أملا فى تكوين حلف قوى يقف فى وجه إيران، العدو الرئيس لمملكة آل سعود، وهنا يبرز الكلام حول ما يُسمّى «صفقة القرن»؛ فعلى الرغم من أن ما نعرفه عنه حتى الآن ما هو إلا مجرد تكهنات وتسريبات، فإن تصريحات ابن سلمان تؤكد وجود تشاور قائم بين السعودية والولايات المتحدة حول هذه الصفقة، فالولايات المتحدة تروم من مملكة آل سعود، كونها قوة إقليمية كبرى فى المنطقة، مواصلة ضغوط متتالية على القيادة الفلسطينية؛ للقبول بما يسمى «صفقة القرن»، وهاهى ذى تصريحات ابن سلمان الأخيرة تؤكد أن السعودية ستلعب دورا كبيرا خلال الفترة القادمة فى ما يتعلق بالقضية الفلسطينية!
وأخيرا، فإن أحد الأسباب الحقيقية التى دفعت ابن سلمان إلى أن تكون تصريحاته المرتبطة بعلاقة بلاده مع إسرائيل واضحة ومباشرة هكذا، هو تنامى العداء الطائفى بين السعودية «السنية» وإيران «الشيعية»، فمما هو واضح أن السعودية ليس لديها مانع من التحالف مع إسرائيل لمواجهة الخطر الذى تخشاه السعودية وإسرائيل معا، ولعل تصعيد الأمير محمد بن سلمان من هجومه على إيران، ووصف المرشد الأعلى الإيرانى، آية الله خامنئى، بأنه «أسوأ من هتلر!»، ثم تصعيد إيران، فى مقابل تلك التصريحات، وتهكمها على ابن سلمان وبلده وتوقعها باقتراب نهايتهما، ليؤكد أن نيران الطائفية لهى أشد خطرا من أى نيران أخرى، وهى نيران لن تفيد من اشتعال أُوارها سوى دولة الاحتلال إسرائيل، التى باتت على بُعد خطوات من تحقيق حلمها بأن تدخل فى تطبيع كامل مع كثير من دول المنطقة، فى الوقت الذى باتت فيه القضية الفلسطينية مائعة، حتى وإن عالج الأمير محمد بن سلمان كلامه، بعد بضعة أيام من حواره لمجلة The Atlantic، ليُعلن بعدها فى حوار آخر لمجلة «Time» الأمريكية، قائلا: «لا يمكن أن تكون لنا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام مع الفلسطينيين، لأن كلا منهما له الحق فى العيش والتعايش، وحتى حدوث ذلك، سنراقب، وسنحاول دعم حل للسلام»، وهى تصريحات تثبت ما ألمعنا إليه سلفا من أن السعودية ستلعب دورا كبيرا، خلال الفترة القادمة، فى ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، من خلال بلورة مشروع سياسى يحاول من خلال تبنِّيه، بالشراكة مع الولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة، مسك العصا من المنتصف، دون التطرق إلى القضايا الصعبة، كقضايا القدس المحتلة، وعودة اللاجئين، والاعتراف علانية بالدولة الفلسطينية... فلم يتلفظ ابن سلمان سواء فى مقابلته الأولى أم الثانية بتلك القضايا بينما اكتفى بأكليشيه كلاسيكى يحاول من خلاله إرضاء الإسرائيليين أولا قبل الفلسطينيين، وهو الإيمان بحق كليهما بالأرض، دون النظر أن مجرد الاعتراف بوجود حق تاريخى لإسرائيل فى الأراضى الفلسطينية العربية، يمنحها -بداهة- حقوقا تاريخية مماثلة فى أراض عربية أخرى، يأتى على رأسها الأراضى السعودية نفسها التى عاشوا عليها منذ العام 70 ميلادية، بعد هجرتهم الكبرى نتيجة الاضطهاد الرومانى على يد الإمبراطور «تيطس»!
يبدو أن ابن سلمان كلما يتكلم يثبت ما يريد نفيه، وما عليه إلا أن يسكت؛ فالسكوت من ذهب!

** الهامش:
تصريحات الأمير السعودى
جاءت تلك التصريحات فى توقيت شديد الحساسية، فقد تزامنت مع مسيرات العودة الفلسطينية فى قطاع غزة، فى ذكرى يوم الأرض، التى أسفرت عن سقوط 17 شهيدا، ما تسبب فى تصاعد حملات التضامن مع الفلسطينيين وتنديد دولى واسع بالإرهاب الإسرائيلى.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات