.

حتى يُكثر الله من «صلاحنا»

Foto

هل تعلم الدولة شيئًا عن أمثال «صلاح» فى البحث العلمى وبقية الرياضات؟ لماذا لا نملك سوى صلاح واحد؟ كيف جعل صلاح العالم كله يتحدث عن مصر؟ لماذا لم نستغل دعاية محمد صلاح المجانية لنا؟


 

هل تتذكر البطل الخارق المفضّل لديك؟ «باتمان»، أو «سوبرمان»، أو «سبايدرمان»، وأحيانًا يكون «جرانديزر» أو «مازينجر» أو «الرجل المستحيل»، وربما تجد مثلك الأعلى فى أحد المغامرين الخمسة أو الشياطين الـ13. البطل الخارق ليس فقط فى القصص والحكايات وكتب الخيال العلمى، هو أيضًا موجود فى الحقيقة والواقع، قد تجده فى أوبرا وينفرى، التى استطاعت التغلب على الفقر والشقاء والأحداث المأساوية؛ مثل تعرضها للاعتداء الجنسى على يد أحد أقاربها، وموت ابنها عقب ولادته بساعات، لتُحرم من نعمة الأمومة للأبد، ثم تغلبت على تلك الظروف وأصبحت إعلامية ذات ريادة فى مجال التليفزيون، واليوم هى إحدى السيدات اللاتى يقف أمامهن التاريخ ليسرد تجربتهن بمزيج من الفخر والاندماج.
 
ومن الأبطال الخارقين الذين يقهرون الظروف، كان الكاتب الإنجليزى أنتونى برجيز، الذى أخبره الطبيب يومًا أنه يعانى من ورم خبيث وحياته سوف تنتهى بعد عام، وعندما عاد إلى بيته قرر طرح كل شىء حوله إلى جنب، والاستمتاع بموهبته فى الكتابة، وخلال عام استطاع كتابة خمس قصص ونصف قصة، ولم يمُت خلال المدة المحددة سلفًا، حيث أعلن طبيبه عدم وجود أى ملامح للسرطان فى جسمه، وأن المسألة تلخصت فى تشخيص خاطئ، وعاش «أنتونى» بعد ذلك لسنوات كثيرة لا يرغب سوى فى استكمال مسيرته، والتمسك بشغفه الذى آمن به مؤخرًا.
واليوم، نحن أمام بطل خارق جديد، آمنَ بموهبته وتمسك بشغفه وبذل قصارى الجهد، فأثبت نفسه وتحوّل من لاعب كرة إلى مثَل أعلى وبطل خارق أصبح نموذجًا لجيل قادم، ليس فقط للاعبى كرة القدم، ولكن لكل الشباب والمصريين، ولن أبالغ إن قلت للعالم أجمع؛ فمحمد صلاح، المُتوّج بلقب أفضل لاعب فى القارة السمراء، حقق قصة نجاح من القصص التى يتحاكى بها العالم.
 
البداية من بسيون بمحافظة الغربية، عندما بدأ ابن الـ14 عامًا رحلته اليومية من المدرسة إلى نادى المقاولين العرب بالقاهرة، ثم يبدأ مسيرة جديدة فى الفريق الأول، الذى تطلع من خلاله إلى الوصول إلى أحد قطبى الكرة المصرية، الأهلى والزمالك، ولكن حينها أكد رئيس نادى الزمالك -آنذاك- ممدوح عباس، أن «صلاح» لاعب جيد، لكنه لم يرتقِ إلى مستوى القلعة البيضاء.
 
ولأن «صلاح» متمرد على كل شىء، تمرد أيضًا على يأسه وتصريحات رئيس نادى الزمالك، واستمر فى تألقه حتى انتقل إلى بازل السويسرى بعد 6 أشهر من تلك الواقعة، ليبدأ رحلة احتراف من بوابة غير الأهلى والزمالك، ومن بازل انتقل إلى تشيلسى الإنجليزى بعد مكالمة هاتفية مع المدرب المخضرم جوزيه مورينيو. وانتقل، على سبيل الإعارة، إلى فيورنتينا فى الدورى الإيطالى، ليلعب 26 مباراة سجل خلالها العديد من الأهداف، كان أبرزها هدفين فى مرمى بوفون؛ ما حوّله إلى صيد ثمين فى أول سوق انتقال، ليتجه إلى روما.
 
ما تميز به صلاح حقا، أنه لم يكتفِ، بل تطلع دائمًا إلى الأفضل، وكان حلمه متغيرًا يلائم كل مرحلة، ليعود مجددًا إلى الدورى الإنجليزى ليستكمل تألقه ومسيرة نجاحه فى ليفربول.
 
هذه هى سمات البطل، لم ينشغل بالشهرة أو النجاح المؤقت، فاليوم استطاع أن يصبح أفضل لاعب فى القارة السمراء بعد أكثر من 30 عامًا لم يحصد أى مصرى خلالها هذه الجائزة.
 
السؤال إذن.. متى يُكثر الله من «صلاحنا»؟ متى نشهد هذا النموذج فى كل الرياضات، لا كرة القدم فقط؟ متى نشهد أكثر من صلاح فى البحث العلمى والشِّعر والأدب؟ متى تعود مصر لريادتها فى العالم أجمع ببركة كل «صلاح» على أرضها؟!
 
أغلب الشباب المصرى -للأسف- ينشغل بالبحث عن عمل وراتب قد لا يتخطى حاجز الألف جنيه، وكيف يخطط لزواجه وتكاليفه المادية، وسرعان ما يتحول الشاب من شخص مقبل على الحياة إلى شخص يدور فى ساقية وظيفة واثنتين وجمعيات وأقساط من أجل تحقيق أبسط حقوقه.
 
كثير من الشباب المصريين -للأسف- انغمسوا فى الحياة اليومية حتى تراكم الغبار على شخصياتهم ومواهبهم، وأصبحوا فى حاجة إلى مَن يزيح هذا الغبار ويمنحهم فرصة أخرى للحياة.
 
«صلاح».. موجود فى أبطال الأولمبيات الذين يحصدون الميداليات ويتدربون فى صالات بسيطة وأجهزة رياضية غير مؤهلة ولا يحظون بالدعم الإعلامى الذى يمتاز به لاعبو كرة القدم.
 
«صلاح».. موجود فى شباب الممثلين الذين يكتبون ويخرجون أعمالاً مسرحية على نفقتهم الشخصية، «صلاح».. موجود فى الفرق الموسيقية التى لا تجد مُمولًا يتبناها، وظلت تقدم فنونها مرارًا وتكرارًا على وسائل التواصل الاجتماعى، «صلاح».. موجود فى أصحاب عربات المأكولات والمشروبات الذين نجدهم فى شوارع المعادى ومصر الجديدة، ويشكون تضييق المجالس المحلية وصعوبة استخراج تراخيص مشروعاتهم الصغيرة، «صلاح».. يوجد فى آلاف مشروعات التخرج ورسائل الدكتوراه والماجستير حبيسة الأدراج والدواليب الشرفية، نحن اليوم أمام نموذج مُشرّف يسمى محمد صلاح، كان اسمًا على مُسمى، ونتمنى أن يتفشى صلاحه فى مصر، دولة ومسؤولين، هذا هو النموذج الواجب أن يُدرّس وتتوارثه الأجيال؛ حتى يصبح بمثابة مثَل أعلى لكل مَن هو قادم.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات