الحرب الدبلوماسية بين الغرب وروسيا

Foto

لماذا لم يكن تسميم سكريبال هو المفجر للأزمة الدبلوماسية بين بريطانيا وروسيا؟ كيف يتضامن الغرب مع بريطانيا بتأكيد أنها لم تعد معزولة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبى؟


حرب دبلوماسية تتصاعد ما بين الغرب وروسيا، ولَربما تهبط بالعلاقات ما بين الجانبين إلى مستوى تاريخى منذ انتهاء الحرب الباردة، لتتحرك بالعالم نحو المزيد من التوتر، ولَربما استدعاء شبح حرب باردة جديدة.

فعلى أثر استخدام غاز للأعصاب فى تسميم العميل الروسى السابق، سيرجى سكريبال، الذى عُثر عليه هو وابنته فاقدين الوعى فى إحدى حدائق مدينة سيلزبرى فى بريطانيا، فى الرابع من مارس الماضى.. قام ما يزيد على عشرين دولة أوروبية فى الفترة الماضية بطرد عشرات من الدبلوماسيين الروس، وقام حلف الناتو بفعل مماثل بطرد 10 دبلوماسيين «ليبلغ مجمل من تم طردهم أكثر من 145 دبلوماسيًّا»، بينما قام الاتحاد الأوروبى باستدعاء سفيره لدى موسكو، وأقدمت الولايات المتحدة الأمريكية من جانبها على طرد 60 دبلوماسيا روسيًّا، وإغلاق القنصلية الروسية فى سياتل. أما بريطانيا فقد صعدت من مستوى حربها الدبلوماسية مع موسكو -كونها المستهدف الرئيسى بالهجوم- لتوقف كل الاتصالات رفيعة المستوى مع روسيا، وتؤكد عدم حضور وزرائها، وأى من أفراد أسرتها الحاكمة، بطولة كأس العالم المزمع عقدها فى روسيا هذا العام، وتشدد الرقابة والفحص على الطائرات القادمة من روسيا.
أما روسيا، التى طالبت -من ناحيتها- الحكومة البريطانية بالاعتذار عن اتهاماتها، فقد ردت بعمليات طرد مماثلة، وأغلقت القنصليتين الأمريكية والبريطانية فى سان بطرسبرج، مثلما أغلقت المجلس الثقافى البريطانى على أراضيها، بينما اتهم مندوب روسيا فى الأمم المتحدة، يوم الجمعة الماضى، بريطانيا باللعب بالنار.
لكن حتى نستطيع قراءة الأمر وفق أبعاده الكاملة، فإن تسميم العميل الروسى سكريبال لا يمكن وصفه بأنه المُفجر الرئيسى لحالة التوتر الدبلوماسية تلك، بل يمكن القول إنه مشهد ضمن مشاهد أخرى محفزة، تراكمت ككرة الثلج حتى وصلت بالأوضاع إلى ما هى عليه اليوم، خصوصًا أن روسيا -بالنسبة للغرب- يبدو أنها لم تتلقَّ الرسائل الغربية العقابية بوضوح فى السابق إزاء الكثير من الأفعال الروسية العدائية، وهو ما جعل الأخيرة تتمادى بتوقع مسبق لقدرة غربية محدودة على صياغة رد الفعل.
فعبر السنوات السابقة تراكمت مساحة العداء فى أحداث متتالية، من بينها قرار روسيا بضم شبه جزيرة القرم وتدخلها فى شرق أوكرانيا، ثم التدخل العسكرى الروسى فى سوريا لتثبيت نظام الأسد، وهو ما عطل عمليًّا المساعى الغربية لإسقاطه، والتى كان فى قلبها دور بريطانى فاعل عبر مجلس الأمن، مرورًا بهجمات سيبرية استهدفت مصالح غربية، وتدخلات الروس فى مجريات العملية الانتخابية فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولات شبيهة فى بلدان أوروبية أخرى للتأثير فى الانتخابات، ودعم صعود الحركات القومية عبر أوروبا، وتشير تقارير إلى ارتباطات ما بين بعض تلك الحركات بالكرملين، بشكل أو بآخر.
لكن بالنسبة لبريطانيا نفسها فلَربما يكون الغضب والرغبة فى الانتقام ذوَى حيثيات مضاعفة، خصوصًا أننا نتحدث عن دولة لَطالما تباهت تاريخيًّا بأنها تملك واحدًا من أفضل أجهزة الاستخبارات فى العالم، بينما كانت سيادتها محل اختراق متكرر، وأثبتت أجهزة استخباراتها عجزًا داخليًّا فادحًا إذا صحَّت مزاعم مسؤولية الكرملين عن اغتيال الملياردير الروسى بوريس بيريزوفسكى، المُعارض لنظام بوتين فى عام 2013، والذى عُثر عليه مقتولا فى لندن، وقبله ألكسندر ليتفينينكو، الجاسوس الروسى السابق الذى مات على أثر تسمم إشعاعى هو الآخر، فى 2006، وأخيرًا محاولة قتل سيرجى سكريبال.
فوفق ما تداولته وسائل إعلام حول التحقيقات الأولية التى أعلن عنها مختبر الدفاع للعلوم والتكنولوجيا فى «بورتون دان» فإن سكريبال وابنته قد تعرضا للتسميم باستخدام غاز غير متاح للأفراد العاديين، يتطلب تحضيره وجود معامل ومعرفة حكومية لتصنيعه. وإن كان المختبر لم يحمّل روسيا المسؤولية، فإن تطوير المركب لأول مرة كان قد جرى من قبَل الاتحاد السوفييتى بعد الحرب الباردة، وما تزعم بريطانيا وجوده لديها من معلومات أخرى لم تكشف عنها هو ما يجعل روسيا المتهم الأول بالنسبة لبريطانيا التى تقول إنه لا يوجد سيناريو قابل للتصديق بخلاف مسؤولية روسيا عن الفعل. كذلك فإن العملية التى جرت قبل أيام قليلة من الانتخابات الروسية لَربما جاءت فى توقيت لتسهم فى تعبئة الناخبين الروس -أصحاب المزاج القومى- فى عملية التصويت، والتى انتهت بفوز فلاديمير بوتين فى مواجهة منافسة شكلية. لكن ماذا عن تأثير رد الفعل الغربى اليوم؟ وما حجم ما يمثله؟ وما حقيقة ما يعنيه بالنسبة لروسيا؟
بالفعل، عملية طرد الدبلوماسيين لا ترقى إلى إلحاق ضرر مباشر موجع بروسيا، أو تعنى -كما يتوقع البعض- إمكانية أن يتدرج الأمر إلى مواجهة عسكرية فعلية ما بين شرق العالم وغربه، فالأمر ما زال، نظريًّا وعمليًّا، فى إطار قواعد القانون الدولى، فوفق اتفاقية جنيف حول العلاقات الدبلوماسية «المادة التاسعة» والتى تحدد كيف يمكن أن تتعامل الدول فى حالات شبيهة لتلك التوترات، فإن الدولة المضيفة تستطيع -فى أى وقت وتحت أى سبب- أن تعلن أن شخصًا غير مرحب به على أراضيها. لكنّ لَربما هناك بُعدين رئيسيين وراء القرار، ينبغى الالتفات إليهما:
أولهما، رمزية الرسالة، فهناك، من ناحية، الرغبة الغربية فى توجيه المزيد من الرسائل الواضحة إلى روسيا بأن الغرب «أوروبا- أمريكا والناتو» لن يقف مكتوف الأيدى أمام تصرفات روسيا العدائية، وأن حالة عدم اليقين التى يتسم بها النظام الدولى اليوم، والتوسع الروسى فى الخارج، سواء فى شرق أوروبا أو فى الشرق الأوسط، لا تعنى قبولا بتدخل روسى فعلى وعبث على أراضى العالم الغربى ذاته وفى عقر داره كأمر واقع، إذ يبدو أن فرض عقوبات على روسيا فى أعقاب التدخل فى أوكرانيا، وطرد دبلوماسيين من قبل فى عهد الرئيس الأمريكى باراك أوباما، هما ضمن إجراءات لم تحقق أغراضها حتى الآن ولم توصل تلك الرسالة، ومن ثم كانت الحاجة إلى المزيد، والتلويح بإمكانية أن يذهب الأمر إلى ما هو أبعد، وهو ما يبدو واضحًا فى تصريحات دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبى، الذى قال إن «إجراءات إضافية، من بينها طرد المزيد من الدبلوماسيين، ليست مستبعدة فى الأيام المقبلة». هذا بالإضافة إلى ما هو متداول على لسان معلقين غير رسميين فى وسائل إعلام غربية كثيرة من أحاديث حول إمكانية استخدام إجراءات أكثر حدة وحزمًا، من بينها ملاحقة أصول اقتصادية لروسيا فى بريطانيا كوسيلة أكثر إيلامًا.
كذلك، وما يبدو على نفس الدرجة من الأهمية المعنوية، فهناك تأكيد مبدأ التضامن الغربى من ناحية، وفاعلية بريطانيا -رغم كل ظروفها الداخلية اليوم- من ناحية أخرى، فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، أو حالة الارتباك داخلها لا تعنى أنها صارت جزيرة معزولة أو طرفًا ضعيفا يمكن استباحته أو الاستفراد به. وها هى اليوم بريطانيا نجحت فى إثبات أنها تملك ظهيرًا سياسيا غربيا قويا، وأنها قادرة على تعبئة التضامن الغربى معها فى بضعة أيام فقط، حتى وهى غارقة فى تفاصيل أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبى والصراع داخل حكومة تيريزا ماى ما بين الصقور والحمائم حول كيفية إدارة عملية الخروج تلك وتقليل تداعياتها الموجعة بالضرورة. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التى لَطالما أعلن رئيسها دونالد ترامب عن ميلٍ نحو تقليل حدة العداء مع روسيا، وقام بتهنئة الرئيس الروسى بفوزه فى الانتخابات.. ها هى أيضا مضطرة لأن تتخذ فعلا واضحًا لدعم بريطانيا كشريك تاريخى وَفىّ، خاض معها الكثير من معاركها فى الخارج، من بينها الحرب فى العراق وأفغانستان.
ومن ناحية أخرى، فهناك بُعد مادى نسبيًّا، أخذًا فى الاعتبار اتساع وامتداد حجم الجهاز الدبلوماسى الروسى فى الخارج، وأهميته بالنسبة للكرملين وطموحاته، فبالطبع، طرد العشرات من الدبلوماسيين الروس قد يؤثر نوعًا ما فى حركة روسيا داخل تلك البلدان، وتحديدا فى ما يتعلق بالأنشطة التجارية والثقافية الروسية، وحتى الاستخباراتية، خصوصًا إذا كان المستهدفون عملاء استخباراتيين فاعلين، أو -على الأقل- يعطى الغرب مساحة لالتقاط الأنفاس لتحديد مواضع الخلل، قبل أن يقوم الكرملين بإحلالهم بآخرين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات