.

حين نافق ابن خلدون

Foto

هل عمل ابن خلدون فى البلاط السياسى؟ لماذا لم يكن يستقر فى ولائه على شىء؟ كيف نافق ابن خلدون تيمورلنك؟ ما آراء ابن خلدون عن العرب؟


تأتى المشكلة الأولى فى كتابة التاريخ من حالة النفاق الواضح للمجال العام، هذا النفاق هو الآفة الكبرى للبحث التاريخى، وفى الحقيقة فإن باحثى التاريخ لديهم الكثير من الحقائق المدهشة الكفيلة بتغيير الكثير من المسلَّمات التاريخية، رغم ذلك فإن حالة الجبن من ردود الفعل المجتمعية تمنع الكثير من التحدث. حاول أن تقدم -مثلًا- قراءة مختلفة لأى حدث تاريخى، وتحديدًا فى التاريخ الإسلامى، سيقولون إنك صهيونى وصليبى ومُمول وصاحب أجندات صهيوبلجيكية، وسيشيرون على خاتمك أو ساعتك قائلين إنها علامة الماسونية، وإنك أحد أعضاء الماسون الأكبر، وستنبرى المؤسسات العلمية بكهَنتها للذود والقتال مدافعين ومنافحين عن تاريخ العرب التليد وأبطالهم المقدسين.

رغم ذلك فإن هذه المقالة ستتصدى للبحث فى سيرة حياة واحد من كبار المنافقين فى التاريخ الإنسانى، فهو صاحب المقولة الشهيرة «فى إفريقيا وافق أو نافق أو غادر البلاد»، كما أن ابن خلدون أيضًا يعبر عن حالة خطيرة من حالات الرؤية الأحادية لكتابة التاريخ فهو فيلسوف التاريخ ومؤسس علم الاجتماع وصاحب المقدمة العظيمة لدراسة التاريخ، ولكن اللقطة الأهم فى حياته كما عبّر عنها هو نفسه لم تكن سوى رقص دائم على الكراسى الموسيقية لرجال السلطة بمختلف توجهاتهم وسياساتهم، فالرجل هو المعبّر بامتياز عن بشاعة علاقة المثقف بالسلطة، فلأجل المناصب لم يترك مائدة سلطان إلا وأكل عليها من مشارق العالم الإسلامى ومغربه، ولم يتورع عن ممارسة النفاق فى أعلى صورة حتى مع المجرم تيمورلنك نفسه، لأجل عين المصلحة.. والمصلحة فقط، ففى دمشق التى حاصرها تيمورلنك، وكان ابن خلدون مقيمًا فيها آنذاك، ما كان منه إلا أن نزل لمقابلة تيمورلنك شخصيًّا، ويبدو أن ابن خلدون قد حاول نفاق تيمور المخبول بداء العظمة، فقبَّل يده كما يروى هو نفسه، وقال له: أيّدك الله، لى اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك، فقال له: ما سبب ذلك؟ فرد عليه ابن خلدون قائلا: لأنك سلطان العالم وملك الدنيا، وما أعتقد أنه ظهر فى الخليقة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممّن يقول بالأمور الجزاف، فإننى من أهل العلم، والملك إنما يكون بالعصبية، وعلى كثرتها يكون قدر الملك».
وفى رواية أخرى أن «ابن خلدون لمّا دخل على تيمورلنك هو ومجموعة من المشايخ، وقفوا بين يديه، واستمرُّوا واقفين، وَجلين خائفين، حتى سمح بجلوسهم، وتسكين نفوسهم، ثم هشَّ إليهم، ومَنَّ ضاحكًا عليهم، وجعل يراقب أحوالهم، ويسبر بمسبار عقله أقوالهم وأفعالهم، ولما رأى شكل ابن خلدون لشكلهم مباينًا، قال: هذا الرجل ليس من هاهنا، فانفتح للمقال مجال، فبسط لسانه وسيذكر ما قال، ثم طووا بساط الكلام ونشروا سماط الطعام، فكوَّموا تلالا من اللحم السليق، ووضعوا أمام كلٍّ ما به يليق، فبعضٌ تعفَّف عن ذلك تنزُّهًا، وبعضٌ تشاغل عن الأكل بالحديث ولها، وبعضٌ مدَّ يده وأكل وما جبن فى مصافِّ الالتهام ولا نكل، وإلى الأكل أرشدهم، وناداهم وأنشدهم: كلوا أكل مَن إن عاش أخبر أهله وإن مات يلقَ الله وهو بطين، وكان من جملة الآكلين، قاضى القضاة ولى الدين بن خلدون، وكل ذلك وتيمور يرمقهم، وعينه الخزراء تسرقهم، وكان ابن خلدون أيضًا يصوِّب نحو تيمور الحَدَق، فإذا نظر إليه أَطْرَق، وإذا ولَّى عنه رمق، ثم نادى وقال بصوت عالٍ: يا مولانا الأمير، الحمد لله العلى الكبير، لقد شرفتُ بحضورى ملوك الأنام، وأحييت بتواريخى ما ماتت لهم من الأيام، ورأيت من ملوك الغرب فلانا وفلانا، وحضرت كذا وكذا سلطانًا، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها، وخالطت فى كل بقعة أميرها ونائبها، ولكن لله المنَّة إذ امتدَّ بى زمانى، ومنَّ الله علىّ بأن أحيانى، حتى رأيت من هو الملك على الحقيقة، والمسلك شريعة السلطنة على الطريقة، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع التلف، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف». هذا وقد حاول تيمورلنك أن يأخذ معه ابن خلدون الذى ذاعت شهرته آنذاك، لكنه اعتذر ورجع إلى دمشق سالمًا، ومنها فر إلى مصر وهو فى السبعين من عمره.
وفى ذات السياق يقول الدكتور طه حسين عن ابن خلدون: «توقف ابن خلدون عن الدراسة وأخذ يتطلع لتولى الوظائف العامة فى الدولة، وكانت أول وظيفة تولاها لدى حاكم تونس فى تلك الفترة هى وضع عبارة (الحمد لله والشكر لله) بالقلم الغليظ فى ما بين البسملة وما بعدها ومن مخاطبة ومرسوم، ثم قبل منصبًا آخر على كره منه لدى ملك المغرب الأقصى، إذ نظمه فى مجلسه واستعمله فى كتابته والتوقيع بين يديه، وقد كره هذه الوظيفة لأنها لا تليق به، إذ كان يطمع فى الوزارة فاشترك فى الدسائس والمؤامرات السياسية التى كثيرًا ما انتهت به إلى السجون، وتوالت عليه بعد ذلك الوظائف فقد كان الحكام يخطبون ودّه، فقضى فترة فى التنقل بين المغرب الأقصى وبلاد الأندلس، يراقب عن كثب الحوادث السياسية وما تنطوى عليه من ظواهر وقوانين تخضع للبحث الاجتماعى»، وقال عنه الدكتور علِى الوردى: «فالمعروف عن ابن خلدون أنه كان لا يستقر فى ولائه على شىء، وكثيرًا ما كان يتملق مَن يرجو المنفعة عنده ويُبدى له أمارات الإخلاص والنصيحة، حتى إذا رآه مهزوما أو مغلوبا قلب له ظهر المجن وأسرع إلى خصمه الغالب يتملق له على منوال ما فعل مع سلفه. الظاهر أنه كان يحب الجاه والمنصب حبا جما، وهو لا يبالى أن يدوس على جميع المبادئ الخلقية فى سبيلهما».
أما عن تطوراته السياسية فالتحق ابن خلدون أول الأمر بوظيفة كتابية فى بلاط بنى مرين، شعر أنها أقل من إمكانياته، وعينه السلطان «أبو عنان» بوظيفة علمية فى فاس ولكن سرعان ما انقلبت الأحوال بابن خلدون حينما بلغ السلطان «أبو عنان» أن «ابن خلدون» قد اتصل بأبى عبد الله محمد الحفصى أمير «بجاية» المخلوع، وأنه دبر معه مؤامرة لاسترداد ملكه، فسجنه أبو عنان، ورغم ما بذله ابن خلدون من شفاعة ورجاء فإن السلطان أعرض عنه، وظل «ابن خلدون» فى سجنه نحو عامين حتى توفى السلطان سنة «759هـ- 1358م»، ولما آل السلطان إلى أبى سالم أبى الحسن، صار «ابن خلدون» ذا حظوة ومكانة عظيمة فى ديوانه، وولّاه السلطان «أبو سالم» خطة المظالم، فلما ثار رجال الدولة على السلطان أبى سالم وخلعوه، وولوا مكانه أخاه «تاشفين»، بادر «ابن خلدون» إلى الانضمام إليه، فأقره على وظائفه وزاد له فى رواتبه.
ثم سافر إلى غرناطة ولقى الحفاوة والتكريم من السلطان «محمد بن يوسف بن الأحمر» سلطان «غرناطة»، ووزيره «لسان الدين بن الخطيب»، وكلفه السلطان بمهمات دبلوماسية خارجية وكافأه السلطان على حسن سفارته بإقطاعه أرضًا كبيرة، ومنحه كثيرًا من الأموال، ثم كثرت الوشايات ضده فسافر إلى بجاية حيث أرسل إليه «أبو عبد الله محمد الحفصى» أمير «بجاية»، فغادر ابن خلدون إلى بجاية فاستقبله أميرها استقبالًا حافلا فى موكب رسمى.
وظل هانئا حتى اجتاح «أبو العباس أحمد» صاحب «قسطنطينية» مملكة ابن عمّه الأمير «أبى عبد الله» وقتله واستولى على البلاد، فأقر «ابن خلدون» فى منصب الحجابة حينًا، ثم لم يلبث أن عزله منه. فعرض عليه الأمير «أبو حَمُّو» سلطان «تلمسان» أن يوليه الحجابة على أن يساعده فى الاستيلاء على «بجاية» بتأليب القبائل واستمالتها إليه، واعتذر فى البداية ثم استجاب وحشد القبائل واستمالها إليه، ولكن الأمور انتهت بهزيمة أبى حمو، وفراره وفرار ابن خلدون نفسه.
ترك ابن خلدون أسرته بفاس ورحل إلى الأندلس من جديد، فنزل فى ضيافة سلطانها «ابن الأحمر» حينًا، ثم عاد إلى «المغرب» مرة أخرى، وأراد «ابن خلدون» العودة إلى «تونس» فكتب إلى أبى حمو يستأذنه ويرجو صَفحه، فأذن له السلطان، فعاد إلى مسقط رأسه، ثم غادرها بعد ذلك إلى مصر واتخذ من «الأزهر» مدرسة يقوم بالتدريس فيها، وتقرب من «الظاهر برقوق» سلطان «مصر» الذى عينه لتدريس الفقه المالكى، وولاه منصب قاضى قضاة المالكية، وخلع عليه ولقبه «ولى الدين» وعينه أستاذًا للفقه المالكى بالمدرسة «الظاهرية البرقوقية».
ومن الغريب أن ابن خلدون قد نافق حتى قراءه، فبعض آرائه كانت على العكس تمامًا من ممارساته، فهاهو يقول: «إن الخضوع والتملق لذوى السلطان، ذلك أن الجاه يبذله من هو فوق لمن هو تحت، فيكون بذله بيد عالية وعزة، فيحتاج طالبه ومبتغيه إلى خضوع وتملق، وأن خلق التملق يحدث فى الدول اضطرابًا فى المراتب، ذلك أن كثيرا من السوقة يسعى فى التقرب من السلطان بجِدِّه ونصحه، ويتزلف إليه بوجوه خدمته، ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق له ولحاشيته وأهل نسبه، حتى يرسخ قدمه معهم وينظمه السلطان فى جملته، فيحصل له بذلك حظ عظيم من السعادة وينتظم فى عدد أهل الدولة». وهؤلاء هم «المصطنعون الذين لا يعْتَدُّون بقديم ولا يذهبون إلى دالَّة ولا ترَفُّع، وإنما دَأْبُهم الخضوع له والتملق والاعتِمال فى غرضه متى ذهب إليه، فيتسع جاههم وتعلو منازلهم وتنصرف إليهم الوجوه والخواطر بما يحصل لهم من قبَل السلطان والمكانة عنده»، هذا ما كتبه ابن خلدون وهذا هو عكس ما مارسه تمامًا.
ستجد من يخرج ليملأ الدنيا ضجيجًا بأننا نهيل التراب على التراث العربى وأننا نمثل حملة صليبية جديدة على التاريخ العربى، ولأن هذه الدعاوى هى دعاوى ساذجة، ستخرج من أناس لم يقرؤوا لابن خلدون ولا سمعوا عنه إلا فى حكاوى القهاوى، فدعنى أقتبس بعض كلمات ابن خلدون عن العرب وتاريخهم وتراثهم؛ فيقول: «باب فى أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذى فيهم أهل انتهاب وعيث وينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر».
ويقول أيضًا: «فى أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسبب فى ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه وطبيعتهم انتهاب ما فى أيدى الناس، وأن رزقهم فى ظلال رماحهم وليس عندهم فى أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه، لا يكلفون على أهل الأعمال من الصنائع والحرَف أعمالهم ولا يرون لها قيمة ولا قسطًا من الأجر والثمن، ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض، إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا وغرامة»، وأيضًا فهم متنافسون فى الرئاسة، وقَلَّ أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا فى الأقل وعلى كره من أجل الحياء فيفسد العمران وينقض.
ويقول فى موضع آخر: «فى أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب فى ذلك أنهم لخلق التوحش، وأن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك، والسبب فى ذلك أنهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعد مجالًا فى القفز وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش، وأن العرب أبعد الناس عن الصنائع والسبب فى ذلك أنهم أعرق فى البداوة وأبعد عن العمران الحضرى وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها.. والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية عدوة البحر الرومى، أقوَم الناس عليها لأنهم أعرق فى العمران الحضرى وأبعد عن البداوة وعمرانه، ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه فى السلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر وانظر بلاد العجم من الصين والهند والترك وأمم النصرانية كيف استكثرت فيهم الصنائع. إن حملة العلم فى الإسلام أكثرهم من العجم».
هذه هى آراء ابن خلدون عن العرب، حتى لا يصرخ صارخ بالدفاع عن التراث العربى ورموزه، والحديث عن ابن خلدون ونفاق ابن خلدون حديث طويل يكفى تتبع حياته وقراءة سيرته التى كتبها بنفسه لتجدها مفعمة بالنفاق والتحول والسعى نحو السلطة وتوظيف العمامة والقلم لأجل المصلحة والمكسب وحب الظهور.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات