بوابة المستقبل فى كتابات أحمد خالد توفيق

Foto

لماذا هاجم البعض الاحتفاء الواسع والحزن النبيل على رحيل الرجل؟ هل مَشاهد الجنازة والعزاء وسطور النعى والرثاء كانت مجرد تعبير عن الحزن على وفاة توفيق؟


لم تكن مشاهد جنازة الكاتب والأديب الدكتور أحمد خالد توفيق ثم عزاؤه فى مدينة طنطا التى ظل مقيما بها، واحتشاد الآلاف من الشباب فيهما، وما بينها من سطور تنعى وترثى رحيل الرجل، مجرد تعبير عن حزن صادق ونبيل على وفاة شخصية أثرت بكتاباتها فى وعى ووجدان جيل كامل.

ربما بدا الاحتفاء الواسع بقيمة وأثر أحمد خالد توفيق مفاجئا للبعض، لكن العودة بالذاكرة لسنوات عديدة مضت، وتذكر مشاهد الزحام الشديد على كتيبات وإصدارات المؤسسة العربية الحديثة التى كانت تنشر سلاسل روايات أحمد خالد توفيق وغيره من كتاب أدب الناشئين والشباب، وتتبع انتشار تلك الروايات لدى كل المكتبات وباعة الصحف فى كل أنحاء الجمهورية تقريبا، واللهفة التى كان بها هذا الجيل فى طفولته وصباه والذى أصبح شابا الآن وبعضهم وصل إلى منتصف العمر، ينتظر صدور أعداد جديدة من تلك الروايات، كل هذا كان معروفا ومرئيا ومسموعا، لكن ربما لم يكن أثره محسوسا لدى كثيرين لم ينتبهوا بالأساس لفكرة وجود أجيال شابة جديدة بوعى مختلف وطريقة تفكير مغايرة وانفتاح على عصر جديد سوى مع ثورة يناير التى كانت تعبيرا أصيلا عن هذا الجيل وطموحاته وأحلامه، لا بمعنى كونها «ثورة شباب» كما يحلو للبعض اختزالها، وإنما باعتبارها بوابة للمستقبل وأصحابه وتجسيدا لتصور متراكم بتأثيرات متداخلة عن كيف تكون الدولة التى يحلمون بها وشكل المستقبل الذى يريدون العيش فيه والقيم التى ينحازون لها.
لم يكن أحمد خالد توفيق سياسيا بالتأكيد ولا من دعاة الثورة فى يناير لكنه كان -وربما هو الأهم والأعمق أثرا- واحدا من هؤلاء الذين شكلوا وعى ووجدان قطاعات واسعة ممن بادروا إلى هذه الثورة وشاركوا فيها، ليس فقط بروايات الرعب أو الغموض أو الفانتازيا أو الخيال العلمى التى كتبها وقرأها الملايين فى طفولتهم وصباهم، بل بما فتحه من باب لمعلومات غزيرة واطلاع على ثقافات متعددة وعلى أحداث تاريخية عديدة، دعت قراءه لمزيد من البحث والقراءة حول هذه الأمور التى يشير لها كاتبهم المفضل فى رواياته، فأصبح له الفضل فى تشكيل بدايات ثقافة ووعى هذه الأجيال.
لكن هذا وحده لم يكن العامل الوحيد الذى صنع مدى الارتباط الكبير بين توفيق وقرائه من الشباب، بل أضيف إليه بساطته وتواضعه الشديد، وإحساسهم بعدم حصوله على ما يليق بمكانته وقيمته مجتمعيا أو رسميا، مثلهم تماما، فصار دون أن يقصد عنوانا لإحساسهم بعدم تقدير الموهبة والإبداع والقيمة ما دام لم يسلك السبل المعهودة من نفاق أو تزلف أو تقرب أو غيره، لكنه احتفظ بكرامة واعتزاز بمكانته لدى هذه الأجيال الجديدة مكتفيا بشعبيته الجارفة بينهم.. وبالإضافة إلى ذلك كان اتساق الرجل مع نفسه ومع ما يكتبه، وانحيازه لأفكار وقيم الحرية والعدالة وغيرها، والتى بدت أكثر وضوحا فى مقالاته أو فى رواياته الطويلة اللاحقة على مرحلة السلاسل، دليلا جديدا على صحة اختيار هذا الجيل لمن يؤثر فى وعيهم ويعتبرونه عَرَّابا لهم، رغم رفضه وقلقه من هذا التعبير الذى أطلق عليه وإحساسه بأنه يحمله مسؤولية أكبر من دوره.
بقدر ما مثلت وفاة أحمد خالد توفيق صدمة لمحبيه وقرائه وعارفى فضله عليهم، فقد مثلت صدمة أيضا لمن لم يعرفوا الرجل وتأثيره الواسع، وهى الصدمة التى عبرت عن نفسها أحيانا فى ثوب الدهشة لدى البعض، وفى ثوب الهجوم أحيانا أخرى، وهو فى الحقيقة لم يكن هجوما على أحمد خالد توفيق نفسه بقدر ما كان هجوما بالأساس على ما يمثله لدى الأجيال الجديدة والشابة، التى يريدها هؤلاء تحت نطاق السيطرة، ويخشون من مفاجآت ومحاولات الشَبِّ عن الطوق مرة أخرى!
كلمات ومشاعر الحزن والأسى والألم النبيل على رحيل أحمد خالد توفيق لم تكن فقط نعيا ورثاءً لرحيل الرجل، بل هى فى حقيقتها كانت تعبيرا عن ألم الفقد بشكل عام، وهو إحساس متعاظم لدى هذا الجيل الذى يدرك يوما بعد الآخر أنه يكبر ويقترب من تجاوز مرحلة الشباب، دون أن يحقق ما طمح إليه من أحلام وطموحات كبيرة كاد أن يدركها بيديه، وفى ظل انكسارات وإحباطات كبيرة تحيطه من كل جانب على المستويات الشخصية والعامة، لتأتى صدمة رحيل أحد أكبر وأهم من أثروا فى تكوينه ووجدانه، لتكون مناسبة لإطلاق العنان لمشاعر مكبوتة وأحيانا آراء مكبوتة أيضا، ومع ذلك كله تبقى مشاهد الاحتشاد الكبير وملامح الحزن النبيل فى جنازة أحمد خالد توفيق وعزائه دليلا على أن ما يجمع هذا الجيل أكبر كثيرا مما يفرقه، وأن قوته كامنة فى انتظار لحظة مناسبة ليعبر عنها وبها بهذا الوطن إلى المستقبل الذى يليق به ويستحقه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات