.

لعنة الميكروفون.. كيف نصاب بالجنون أمام الميكروفون ونقول كلامًا وخلاص؟

Foto

لماذا نظل نتحدث حتى نستنفد الوقت المخصص للحديث؟


هل تعلم عزيزى القارئ أن هناك لعنة فى مصر اسمها «لعنة الميكروفون»، استمدت وجودها بيننا من خلال هذا الجهاز الذى يطلق عليه البعض اسم المصدح أو المصوات أو المهتاف، وهو جهاز يعمل على تحويل الصوت إلى طاقة كهربائية، وتنتقل هذه الطاقة مباشرة عبر أسلاك أو خلال موجات راديو، إلى مستقبل إما بغرض النقل كما فى الهاتف أو لتسجيله كما فى المسجل أو إخراجه مباشرة إلى مكبرات صوت بغرض إعادة إنتاجه بصورة أعلى كما فى قاعة الاجتماعات أو فى مخاطبة الجمهور فى تجمعاتهم المختلفة، إذن هو جهاز يساعد فى نقل ما يتم من خلاله بشكل أفضل، جهاز فوائده عظيمة واستخداماته كثيرة، اجتهد العالم «توماس أديسون» فى اختراعه، وسجل باسمه فى عام 1877 بعد نزاع قضائى طويل فى المحاكم الأمريكية والبريطانية مع العالم «إميل برلينر» حسب موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا، وعندنا فى مصر وعند غيرنا يتم استخدام هذا الجهاز بالصورة التى يريد من يستخدمه أن تصل إلى المتلقى، وبالتالى يتوقف حُسن استخدامه من عدمه على من يمسكه بيده، فمثلا اعتاد البعض على ترديد كلام ليس له معنى بمجرد إحكام قبضته على هذا الجهاز، وما هى إلا دقائق حتى نجد جموع المتلقين تتسلل من أمامه الواحد تلو الآخر، وهنا قد يضطر فنى الصوت المتحكم فيه إلى «كتم» الصوت حتى لا يسمعه أحد، مثلما يحدث فى بعض جلسات مجلس النواب، عندما يستنفد بعض النواب الوقت المسموح لهم بالتحدث، وهناك البعض من النواب يستخدم الميكروفون للإساءة للغير، متحصنا بالحصانة البرلمانية التى تجعله يقول من خلاله ما يشاء، وفى حياتنا العامة اعتاد البعض استخدام نفس الجهاز فى ترديد كلمات أو جمل أو قول رأى معين فى قضية ما ذهبت بقائلها مع الريح سواء كان من يقول أو يصرح مواطنا أو مسؤولا أو حتى وزيرا اضطر إلى الاستقالة من منصبه نتيجة زلة لسان نقلت عبر أثير هذا الجهاز (الأمثلة على ذلك عديدة.. منهم فقط وزيران للعدل) الذى يعد ناقلا فقط لما يقوله من يمسك به، ولهذا لا يمكن أن يكون مسؤولا عن استقالتهم جَرّاء لعنة ما يصرحون به من خلاله، لذلك يطالب المتخصصون فى علم الحديث بضرورة الحرص وإدراك المسؤولية الملقاة على عاتق من يستخدم الميكروفون، سواء كان مسؤولا أو مذيعا أو مذيعة، اعتقدوا جميعا أن هذا الجهاز ملك لهم يقولون من خلاله ما يشاؤون، فالحرص هنا واجب، وهنا يحضرنى مشهد من مسرحية الكاتب المسرحى الكبير «لينين الرملى» من مسرحيته «تخاريف» وتحديدا فى «أمنية التسلط» عن طريق بطلها «سئيل الندمان» الذى جسده الفنان محمد صبحى وهو يمسك الميكروفون مخاطبا شعب «أنتيكا» وهو يصدر إليهم القرارات الديكتاتورية، القرار تلو الآخر، باعتبار أنه الوسيلة الوحيدة التى يجيدها عندما يتحدث إلى شعبه، فهو يعانى من الجهل والأمية ويحمل شهادة طبية بمعاملته معاملة الأطفال، ويعانى أيضا من الجنون الذى جعله يعتقد أن هذا الجهاز «الميكروفون» هو مصدر قوته فى حكم بلده وإخضاع الشعب له ولسلطته، ولذلك عندما انقلبت عليه زوجته «مشكلة» سعت جاهدة هى الأخرى للحصول على «الميكروفون» ذاته، فهى مثله مريضة بالجنون وحب الذات، ولذلك لم يعد غريبا أن تتوهم أن هذا الجهاز هو ما سيتيح لها حكم الشعب «الأنتيكى»، وإذا كان هذا ما حدث فى المسرحية طبقا لما يراه مؤلفها، فإن واقعنا المعاصر يشهد أمورا مماثلة إن لم تكن تتطابق بالفعل مع أحداث المسرحية، ففى دول العالم الثالث هناك من يوجد بيننا ويستخدم هذا الجهاز الملعون فى التحدث بين الوقت والآخر وبسبب ودون سبب إلى الأعضاء الذين ينتمون للمؤسسة التى يديرها عبر الإذاعة الداخلية، سواء بإصدار قرارات التأييد أو الشجب أو الإدانة، المغلفة طبعا بالتهديد والوعيد لكل من يخالفه الرأى وزيرا كان أم غفيرا، هذا بخلاف قرارات الإيقاف أو الشطب والحرمان من دخول جنته الموعودة، صاحبنا إياه لم يكتفِ بإذاعته الداخلية وميكروفونها الذى يستخدمه منذ بداية يومه وحتى رحيله، فهو أيضا لا يتركنا وشأننا فى المساء حيث اعتاد الخروج علينا بصوته عبر الشاشات والإذاعات للحديث فى السياسة والاقتصاد والاجتماع والرياضة مهددا كل من يخالفه أو يعتقد أنه يجور على حق مؤسسته التى يعدها ملكية خاصة (حسب ما يعتقد) موجها جملا وكلمات لا يجوز استخدامها على الهواء مرددا: سأسجن هذا وسأقيل ذاك، وهنا وبصراحة ودون لف أو دوران، أقول جازما إن الذنب ليس ذنبه ولكنه ذنب من سمح له بالخروج علينا من خلال الشاشات أو الإذاعات مرددا مثل هذا الكلام، لهذا ولغيره كثير لابد وأن يعلم كل من يتصدى لقول رأى أو كلمة حين يتحدث إلى الجمهور فى أى شأن من خلال الميكروفون، أن هناك مسؤولية تقع عليه تجاه من يستمعون إليه، بمراعاة حسن الحديث وقول ما يريد فى إطار من الاحترام، وعدم فرض الرأى على المستمعين أو المختلفين معه والابتعاد عن الجمل والكلمات التى تخدش الحياء.. نصيحة أخيرة لمن يتعاطى هذا الجهاز: إياكم والحديث من خلاله دون أن تدركوا معنى ومخاطر وفوائد ما تصرحون به، وإلا ستصيبكم لعنة «أديسون» التى ستذهب بكم إلى الجحيم، وهنا من الأفضل أن نترك هذه اللعنة لمن يستحقها ويحسن استخدامها، ما دام يوجد بيننا مَن لا يقدّر قيمتها.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات