دعاء المرحلة: اللهم عدِّى يوليو على خير

Foto

لماذا يتحمل المواطن سوء التنسيق بين وزارتَى النقل والكهرباء؟ هل انقلب السحر على الحكومة وأدركت وزارة النقل فداحة أسعار الكهرباء؟


يوليو.. هذا الشهر الذى يدعو المواطن يوميًّا أن يمر على خير، دائمًا يرتبط فصل الصيف المتميز بطقسه الحار وشمسه الحارقة بإجراءات اقتصادية صعبة لا تقل حرارة عن الجو، حيث المواطنون تائهون حائرون يتهامسون يتساءلون فى جنون الإجراءات الاقتصادية المقبلة ماذا تكون؟ ويا ترى مخبِّى لنا إيه يا يوليو؟

فى 4 يوليو من عام 2014، رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود الموجه للسيارات للمرة الأولى بشكل شامل منذ عام 2008 بزيادة كبيرة وصلت إلى 78%، وتبعتها بعد ذلك زيادة فى أسعار المواصلات العامة والخضراوات والفواكه، ثم اتجهت الدولة إلى تطبيق زيادة جديدة فى أول نوفمبر عام 2016، ومن المنتظر أن يشهد الصيف المقبل أيضًا زيادة لم يتم تحديدها أو نفيها من الأساس حتى الآن.
يد الغلاء وخفض الدعم لم تصب الوقود فقط، بل شملت أيضًا «الكهرباء وتذكرة مترو الأنفاق والسجائر»، بالإضافة إلى الطفرة الكبيرة فى أسعار السلع المستوردة جرّاء تحرير سعر الصرف وندرة الدولار فى السوق المصرية، فضلًا عن ضريبة القيمة المضافة التى زادت من أعباء المواطن.
وعلى سبيل المثال والحصر، ارتفاع سعر تذكرة المترو لن يكون الأخير، فالدكتور هشام عرفات وزير النقل، أكد الزيادة المرتقبة مع بداية العام المالى 2018- 2019، ولكنه لم يتحدث عن التعريفة الجديدة أو آلية تطبيقها، وقد يلاحظ مستخدمو المترو انتشار الماكينات الجديدة، ما قد يشير إلى احتمالية تطبيق نظام المحطات بدلًا من التذكرة الموحدة.
ويقول وزير النقل، فى تصريحات صحفية أدلى بها الشهر الماضى، إن الزيادة المرتقبة فى سعر تذكرة المترو تأتى من أجل الحفاظ على المرفق من الانهيار، مؤكدًا أن المرفق يخسر سنويًّا 100 مليون جنيه، بسبب زيادة أسعار الكهرباء، فالمترو كان يستهلك كهرباء شهريًّا بمعدل 9 ملايين جنيه، واليوم بعد الأسعار الجديدة أصبح يستهلك بمعدل 18 مليون جنيه، أى زيادة بنسبة 100% صاحبتها أيضًا زيادة فى سعر التذكرة ليصبح جنيهَين بدلًا من جنيه واحد، والسؤال إذن: أين المواطن من حسابات وزارتَى الكهرباء والنقل؟
من المؤسف أن يخرج وزير النقل فى تصريحات صحفية يزعم أن زيادة سعر تذكرة المترو تأتى جرّاء زيادة أسعار الكهرباء، من المفترض أن هذين الوزيرين يجلسان أسبوعيًّا على مائدة اجتماع مجلس الوزراء، فلماذا لم يتم التنسيق بينهما بدلًا من أن يدفع المواطن فاتورة هذا التخبط الإدارى؟!
الرئيس عبد الفتاح السيسى الآن بصدد فترة رئاسية جديدة، أنهاها بفيلم تسجيلى مع المخرجة ساندرا نشأت، تحت عنوان «شعب ورئيس 2018»، حرص خلاله على الاستماع إلى نبض الشارع المصرى الذى انقسم إلى نصفَين، الأول يشير إلى غياب الديمقراطية وحرية الرأى بينما الآخر يشكو الأعباء الاقتصادية وغياب لقمة العيش، وكان رد الرئيس دبلوماسيًّا محايدًا مطالبًا المواطنين بعدم النظر إلى المأكل والمشرب والاحتياجات الأساسية فقط، بل عليهم التطلع إلى غد أفضل وبنية تحتية جديدة ومستقبل يليق بالأجيال الأخرى.
وأتمنى أن حديث الرئيس يكون أمام عينيه طيلة 4 سنوات ننتظرها، فحديث المواطنين بشأن لقمة العيش يدل على عدم شعورهم بأى تخطيط لغدٍ أفضل، هذا الشعب لا يبخل أبدًا على وطنه بالمشاركة أو المجهود أو الأموال مثلما حدث مع شهادات قناة السويس الجديدة، ولكن عندما يشعر المواطن أن تحمله بلا جدوى وأنه يسكن أسفل برج الرئيس والحكومة العالى، حتمًا سيستسلم للسلبية والإحباط، وينصب اهتمامه فقط على قوت يومه ولقمة عيشه.
فى الواقع نحن ندور فى فلك الأزمات الاقتصادية منذ اندلاع ثورة يناير حتى الآن، ربما مؤخرًا شهدنا طرقًا جديدة أو مشروعات إسكان اجتماعى، ولكنها -مع كامل الاحترام- ليست مستحدثة، فدائمًا ما كانت هناك طرق ووحدات إسكان ولكن المستحدث حقًّا هو حالة التردى الاقتصادى التى أصابت المواطن المصرى والدولة.
ربما لا تعلم الدولة أن الإنجازات لا يجب أن تكون على حساب المواطن، فلا يصح أن يدفع المواطن ضريبة إنشاء كوبرى أو رصف طريق، خصوصًا أنه يلتزم بدفع ضرائبه ورسوم المرور على الطرق الجديدة.
منذ 2011 وحتى اليوم كل سياسات الخروج من عنق زجاجة الأزمة الاقتصادية لم تفلح أو تؤت ثمارها، وذلك باختصار لأن مصر لم تتقدم بين الدول، ومعيار تقييم الدول ليس سرًّا، بل إن أول خطوة منه هى زيادة الناتج القومى ومتوسط دخل الفرد وزيادة فرص العمل، ثم يلى ذلك الحفاظ على الأسعار من الزيادة وأخيرًا تقليل الفائدة البنكية للبنوك الداخلية ثم حساب نفقات الحكومة وعلاقتها بالدخل وحساب الديون، فأين مصر من ذلك؟
مصر كانت فى المركز الـ37 من حيث الناتج القومى، وذلك منذ أعوام، والآن تدهورنا إلى المركز 41 ونتأرجح ما بين الـ40 و الـ41، وتقدمت علينا هونج كونج وسنغافورة والفلبين وتايلاند. بعض الدول تهتم بزيادة الناتج القومى عن طريق الصادرات مثل الصين التى وصلت إلى 3 تريليونات دولار فى السنة للصادرات، ولذلك تهتم هذه الدول بتقليل كل مصاريف المدخلات التى تدخل فى الصناعة للوصول إلى منتج جيد قادر على التصدير، على سبيل المثال: إعفاء المصانع من ثمن الأرض أو تكاليف التراخيص أو الضرائب، وأحيانًا قد يتم إعفاؤها تمامًا من الجمارك فى حالة استيراد ماكينات حديثة لصالح الصناعة.
وتسهيل عمل المصانع أمر من شأنه تحريك مياه الصناعة الراكدة، والمُضى قدمًا نحو التصدير، مما سيؤدى إلى توفير فرص عمل وتحريك السوق الداخلية وتوفير عملة صعبة تعادل ندرتها فى السوق المصرية.
بعض الدول الأخرى مثل أمريكا تعتمد فى دخلها على الصناعات الثقيلة والإنترنت والقنوات الفضائية والسيطرة على سوق المال والطيران والسلاح، وهذا حتمًا طريق عسير، لذلك تتجه معظم الدول إلى المدرسة الصينية فى النهوض، مثل إسرائيل وتركيا وماليزيا والبرازيل، ولكن أين مصر من معادلات التقدم العالمية؟!
على الدولة الكف عن استخدام الإجراءات الاقتصادية الخاطئة، فجيوب المواطنين أصبحت لا تحتمل مزيدًا من الضغط، بل إن عجز موازنة المواطن البسيط أصبح أشبه بعجز موازنة الدولة، لذلك على الدولة المُضى قدمًا فى طريق الإصلاح والتعديل والبحث العلمى والتطلع لما هو أفضل عن طريق:
- مواجهة انخفاض الإيرادات العامة للدولة بتنويع مصادر الدخل، وتخصيص عدد كبير من الخدمات التى تحتكرها الحكومة.
- الترشيد الحكومى فى المشروعات القائمة، وترشيد المصروفات غير الضرورية التى تؤثر على نجاحها وإنجازها فى وقتها المحدد.
- استثمار الطاقات الشبابية عن طريق التعاون الحكومى مع رجال الأعمال بالقطاع الخاص فى تدريبهم وتأهيلهم للعمل فى كل المجالات التجارية والصناعية والمالية والزراعية ونحوها.
- العمل على تحويل كل التعاملات من الورقية إلى الإلكترونية، للتقليل من الإنفاق فى القطاع الحكومى والتغلب على البيروقراطية.
- تعزيز دور القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى، واتباع سياسات تحفز الإنفاق الرأسمالى وتشكيل بيئة استثمارية جاذبة تمكّن من تطوير الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص من أجل إنجاز المشاريع التنموية.
- الاهتمام بقطاع إنتاج الطاقة الكهربائية والطاقة النظيفة، حيث إنهما يقدمان فرصًا جيدة لإنجاز برامج التخصيص، وتوظيف رؤوس الأموال الخاصة المحلية والأجنبية.
اليوم العبرة ليست فى إحداث نمو اقتصادى سريع بل فى إحداث تنمية شاملة وإصلاح سياسى حقيقى يحاربان الفساد والبيروقراطية، فالفساد يهدد أى نمو، بينما الاستبداد يعزز البيروقراطية، كل ذلك فى ظل مناخ عشوائى غاب فيه التخطيط ولم تنظر الدولة إلى حال المواطن البائس، بل تغنَّت بارتفاع الاحتياطى النقدى فى البنك المركزى بغض النظر عن ذلك المطحون الذى سيدفع الثمن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات