قمة الخرطوم الثلاثية.. فشل لا نعرف له نهاية!

Foto

لماذا فشلت قمة الخرطوم الثلاثية التى انعقدت الخميس الماضى؟ كيف كانت تصريحات ومواقف الجانب الإثيوبى قبل انعقاد القمة دليلًا مسبقًا على فشلها؟ ما أهمية أن تعى مصر أن تضييع الوقت كل مرة ليس فى صالحها؟


«بحثنا كل الموضوعات العالقة، وكيفية تنفيذ التعليمات الصادرة عن زعماء الدول الثلاث، فى ما يتعلق بإيجاد وسيلة للخروج من التعثر الذى ينتاب المسار الفنى فى مفاوضات سد النهضة، من خلال المشاورات الثلاث لوزراء الخارجية والرى ومديرى أجهزة المخابرات العامة، لكننا لم نتوصل إلى اتفاق!». هكذا جاء تعليق السيد سامح شكرى، وزير الخارجية المصرى، عقب انتهاء قمة الخرطوم الثلاثية بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا، التى انعقدت يوم الخميس الماضى بالسودان، ومثّل مصر فيها، بخلاف الوزير شكرى، اللواء عباس كامل رئيس جهاز المخابرات العامة، والدكتور محمد عبد العاطى، وزير الرى والموارد المائية، بعد تأجيل سابق بناءً على طلب إثيوبيا، بسبب تردى الأوضاع السياسية والاقتصادية والعِرقية هناك، بعد استقالة هايلى ماريام ديسالين، وتعيين آبى أحمد على رئيسا للوزراء!

المشكلة الأولى أن الحكومة المصرية لا تريد أبدا الاعتراف بأن سياساتها حول قضية سد النهضة فاشلة، بل مكرورة الفشل منذ بدء المفاوضات قبل نحو سبع سنوات؛ ولا أدل على ذلك من الوزير سامح شكرى، نفسه، فالرجل كأنه لا يعرف ماذا يريد، ففى أواخر يناير الماضى، وفى أعقاب القمة الثلاثية بين الرؤساء الثلاثة: السيسى والبشير وديسالين بمقر إقامة الرئيس السيسى بأديس أبابا، أعلن الرجل بكل ثقة أنه سيتم حل كل القضايا الفنية العالقة للسد خلال شهر واحد «لاحِظ: شهر واحد!»، إذ سيتم عقد لقاءات مشتركة ومباحثات موسعة وشاملة بين خبراء وفنيين بالبلدان الثلاثة للعمل وَفق رؤية توافقية تصون حقوق كل الأطراف دون إضرار بأحد، وأن الرؤساء الثلاثة أصدروا تعليماتهم لوزراء المياه والطاقة فى بلادهم بوضع تقرير خلال شهر واحد يحدد السبل الكفيلة بحل كل الخلافات المتعلقة بالسد، وتحديد التفاوض بين الدول الثلاث بجدول زمنى كما تريد مصر، وقد نجحت الدبلوماسية المصرية فى إلزام الخرطوم وأديس أبابا به؛ لتجنب تكرار حالة الجمود فى المفاوضات التى استمرت لأكثر من ثمانية أشهر ماضية، ومرّ شهر فبراير، ثم مرّ شهر مارس، ثم جاء شهر أبريل، لتنعقد قمة الخرطوم، الخميس الماضى، فيخرج السيد سامح شكرى بعدها معلنا فشلها لعدم التوصل إلى أى اتفاق، بعد أن أعلن زميله وزير الرى فى نوفمبر من العام الماضى فشل مفاوضات اللجنة الفنية الثلاثية المشترَكة حول التبعات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للسد على دولتى المصبّ؛ مصر والسودان!
ظن كثيرون فى مصر أن قمة الخرطوم دعوة إلى التفاؤل، وبداية للتوافق بين مصر وإثيوبيا تحديدا، وربطوا بين تعيين آبى أحمد على خلفا لسلفه ديسالين وبين تقدُّم المفاوضات، لا لشىء إلا لكونه مسلمًا «..» فاعتقدوا أن تكون ثمة حلحلة للأمور وتبسيط ما يعترض طريق تلك المفاوضات من مشكلات، لكنهم تناسوا أن النتائج دائما متعلقة بالمقدمات؛ وقد كانت مقدمات انعقاد قمة الخرطوم سلبية، خصوصا بعد إعلان الجانب الإثيوبى جمع أكثر من 100 مليون «بر» إثيوبى (نحو 3.6 مليون دولار) عبر مكتب المجلس الوطنى لتنسيق المشاركة العامة لبناء سد النهضة، فى الوقت الذى كان ينبغى فيه على حكومة أديس أبابا أن تتمهّل فى جمع الأموال اللازمة لاستكمال تشييد السد، ومراعاة علاقاتها بمصر، إن كانت تريد بالفعل حلحلة القضية وإبداء حُسن النيات للجانب المصرى، المتضرر الأكبر من إنشاء هذا السد الكهرومائى، ولم تتوقف التصريحات الإثيوبية عند هذا الحد، بل إن رئيس مجلس إدارة هيئة الطاقة الإثيوبية، أعلن هو الآخر أن وحدتين من التوربينات التابعة لسد النهضة ستبدآن فى إنتاج الطاقة الكهربائية هذا العام، وهو أمر لا تخفى خطورته ودلالاته التى تصب فى مصلحة إثيوبيا، وإعلانها -صراحة- أنها عازمة على استكمال بناء هذا السد بما يخدم مصالحها فقط دون النظر إلى مصالح مصر وأمنها المائى «تبلغ حصة مصر من مياه نهر النيل 55.5 مليار متر مكعب»!
المشكلة الأخرى أن إثيوبيا تقتنع أن مجرد دخولها فى مفاوضات حول السد لا يعنى بالضرورة أنها ستوقف أو سترجئ بناءه حتى تنتهى تلك المفاوضات، ولم تنجح مصر طوال سنوات سابقة فى الضغط عليها بأى صورة، أو تغيير اقتناعاتها؛ لأن مصر رضخت منذ البداية لسلاسل المفاوضات تلك، دون الاكتراث لكونها مضيعة للوقت لصالح إثيوبيا، لتجد مصر فى النهاية نفسها أمام سد مكتمل المراحل، وهو ما تسعى إليه حكومة أديس أبابا، سواء كان رئيسها ديسالين، المسيحى، أم آبى أحمد على، المسلم، فلا أدرى لماذا يصرّ البعض فى مصر على التركيز على تلك النقطة، على الرغم من أنها ليست ذات قيمة على الإطلاق عند الإثيوبيين؛ فبصرف النظر عن ديانة رئيس الوزراء وانتمائه إلى طائفة مسلمة هى طائفة «الأورومو»، فإنه مُطالَب أمام شعبه كله بسياسات واقعية تصب فى مصالحه ورفاهيته، ومن مصلحة إثيوبيا استكمال بناء السد، لذلك تتمسك الحكومة هنالك بإعلان المبادئ الذى سبق أن وقعته قبل نحو ثلاث سنوات مع مصر والسودان بشأن السد، وقد قلنا إن وثيقة إعلان المبادئ منحت الجنب الإثيوبى فرصة مجانية لاستكمال بناء هذا السد!
نُثمّن -بلا شك- كلمات الاطمئنان التى نسمعها هنا وهناك، لكننا فى الوقت نفسه لا نريد أن نتماهى مع جو الطمأنينة الذى يجعلنا لا نلتفت إلى أصل المشكلة، وأصل المشكلة مركب فعلا، فأعمال إنشاء السد تقوم على قدم وساق، سواء بأموال إثيوبية أو أى مساعدات أخرى خارجية، خصوصا من قطر، وفى مقابل ذلك فإن مصر لم تعُد تمتلك سوى التمسُّك بمسار المفاوضات على الرغم من أن السنوات الماضية أثبتت أن مآلها كان هو الفشل المكرور، ولا سيما مع رفض الجانب الإثيوبى دخول البنك الدولى شريكا فى أعمال اللجنة الفنية المشتركة!
قمة الخرطوم الفاشلة، انعقدت بموجب قرارات قمة جمعت رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا فى أديس أبابا، على هامش القمة الإفريقية الأخيرة فى يناير الماضى، وقد كان التفاؤل -وقتذاك- كبيرا، خصوصا بعد أن صرّح الرئيس السيسى بعدم وجود مشكلة، لكن هاهى ذى المشكلة تظهر، فتفشل جلسة مباحثات مغلَقة بين مسؤولى الدول الثلاث استمرت لأكثر من ست عشرة ساعة، وهو فشل فى صالح إثيوبيا وحدها ولا سيما مع اقتراب موسم الفيضان، الذى يحلّ فى مايو المقبل، ومعه ستقوم حكومة أديس أبابا ببَدء تخزين المياه خلف السد فقد أصبح السد قابلا لتخزين نحو 74 مليار متر مكعب من المياه على مدى ثلاث سنوات متتالية، الأمر الذى يعنى أن المشكلة تتفاقم، ومن أسف أن مصر تعوّل كثيرا على المفاوضات وإزاحة المشكلة سنة بعد أخرى، بدليل أنها لا تمانع فى تخزين المياه خلف جسم السد، لكنها تمانع فى أن تكون مدة التخزين ثلاث سنوات فقط، بل تريدها سبعًا!
لقد نجحت مصر فى استثمار علاقاتها الممتازة، الآن، مع كل من السعودية والإمارات والصين، للضغط على الجانب الإثيوبى وتوصيل رسالة إليه مفادها أن تلك الدول، صاحبة الاستثمارات الكبرى فى إثيوبيا، لن ترضى عن أى مشروعات تؤثر سلبا على مصر، لكن يبقى على مصر، وحدها، أن تدلّل لحكومة أديس أبابا أنها لمَّا تزل قوة كبيرة فى محيطها الجغرافى وعلى مستوى القارة الإفريقية، وأنها لن تقبل بحال بتهديد أمنها المائى، الذى يعتمد بنسبة 90% منه على مياه نهر النيل، وهو تحدٍّ نرجو أن تتمسّك به الدولة المصرية، فتتحرّك على وَفقه، فهل ستنجح فى ذلك؟!
لا شىء أقرب من الأيام، فلننتظر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات