لم يكن يومًا على دربهم

Foto


كان أمرًا كالسكين فى القلب، لا نريد أن ننطق الكلمة أو نصدقها، أو حتى نتصور أن وصال روحه والمدد الذى كان يأتينا مع كلماته تَوقف.. مات دكتور أحمد خالد توفيق، ذهب مَن له فينا مثل ما لآبائنا، كانوا دليل خطانا بعد حَبو، وكان هو دليل الحياة، حبيبنا وصديقنا وفارس شبابنا. ذهبنا دون مواعظ أو حشد أو ترهيب، ذهبنا لنؤنسه فى مكانه الجديد كما آنسنا، ولنرد الأمانة التى عاش لها ومات عليها. هنا يرقد مَن «جعل الشباب يقرؤون».
وغاب مَن نسميهم المشاهير ومَن يطلقون على أنفسهم -عنوةً- المثقفين. لم تنقل كاميرات القنوات التى تبث توافه الأمور جنازته، ولم يذكروه ليلًا فى برامجهم إلا بتسفيه وتجهيل. وبدأ ذوو الألقاب الممنوحة للذات، كما كان يفعل القذافى لنفسه، فى التشهير به واستنكار محبة الناس له، مع محاولات إلصاقه بجماعات، لو كان حقًّا منها لَنجَت من وَحلها به.
وما زالت الآلة تعمل حتى الآن!
لا حاجة إلى جدال نقنعهم به أن كتبه الأكثر توزيعًا دائمًا، وأن الاقتباسات من رواياته هى الأكثر انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعى فى مقابل منشوراتهم الكاسدة وبضاعتهم المزجاة، أو أن من الثوابت الثقافية أن كتابة الكبار للصغار هى دائمًا الأصعب، والعبقرية الحقيقية تتجسد فى تحول علاقة التلقى المؤقت إلى علاقة انتظار وحب مستمرة، كما فعل هو، أو حتى أن نجيب محفوظ الأقرب إلى الناس والأكثر شعبية لم يكن بعمق زكى نجيب محمود والعقاد والرافعى. لا داعىَ لذلك كله، لأن القضية الحقيقية ليست فقط فى ما لم تشهده مصر فى العقدين الأخيرين (وفى غير القاهرة) من جنازة مهيبة وشعبية لروائى وطبيب، لم يعرف مثلها سياسى أو فنان أو مثقف، أو من حزن يغطى العالم الافتراضى منذ أسبوع تقريبًا. لم نحبه لعبقريته، بل عشقناه لأنه لم يكن ساعةً مثل هؤلاء، مثل مَن غابوا مهما حضروا بصخبهم.. القضية الحقيقية هى «لماذا يفعلون هذا كله؟».
فى الإطار التقليدى لتعريف المثقف وعلاقته بالسلطة، والذى كرّس له إدوارد سعيد كتابًا، لم يكن الدكتور أحمد خالد توفيق من البداية من الجالسين على مائدة السلطة أو الساعين إليها، بل كان دومًا يختار الطريق الآخر البعيد، ليزيد المسافة اتساعًا، وليكتب لنفسه ولما يريد أن يكون على قبره؛ لذا لم يحصل على صك «المثقف» الذى تمنحه السلطة أو الجالسون على مائدتها من «قبيلة المثقفين» التى ترفض أى تداول سلمى لمقاعدها أو لأفرادها وأفكارها. الوجوه ذاتها منذ عشرين عامًا، ما كانت تنشره «الأهرام» من تصريحات بعد لقاء المثقفين مع مبارك هو ذاته ما تنشره الآن، المختلف فقط أسماء الرؤساء.
ما حدث أنه بموته رفع الستار عن مأساة المثقف الذى صار فى السنوات الأخيرة محللا ومشرعًا لممارسات السلطة. فضح الدكتور أحمد بموته المثقفَ الذى قرأ مثله لـ«Jean Jacque Rousseau» عن العقد الاجتماعى، ثم يطالب بتعطيل الدستور لأن هذا ليس وقته أو وقت القانون، والمثقفين الذين يبكون مع بؤساء «Voltaire» وضعفاء «Charles Dikens»، لكنهم أول المقايضين بلقمة عيش الفقراء مقابل أمنهم، والمثقفين الذين يحدثوننا عن علم النفس ونظرياته وكتبه، ويخرج أشهرهم ليطلب من الحاكم أن يكسر للشعب ضلعًا ويقوّمه، وهؤلاء المطالبين بحرية الإبداع، لكنها لأفراد قبيلتهم وحدهم (أذكر أننى سألت أحدهم مرة، كان يناشد الرئيس حينها بالعفو عن فاطمة ناعوت، فقلت له: لو كان الأسوانى مكان ناعوت، هل كنت ستناشد بالحماس ذاته؟ فصمتَ)، هؤلاء المثقفين السلطويين من أصحاب الشهادات العليا فى العلوم السياسية والقانون والصحافة وغيرها، هؤلاء الذين يُكيلون ثقافتهم وقيمتهم بعدد الكتب التى قرؤوها لا بأثرهم وتأثير كلماتهم أو حتى بمدى قدرتهم على احترام أمانة الكلمة وشرَفها، هؤلاء المثقفين الذين لا يرون فى الشباب سوى أنه لا يقرأ ولا يحترم الكبير، ويتعاملون معه بمبدأ رعى الغنم، فقط حقنا فى الطعام والرعاية، وحقهم فى الاقتياد والتوجيه واللجام.
وصدمهم لما كشف لهم عن أن محاولاتهم لتأميم المجال العام والثقافة والكلمة للتأثير فى الشباب لم تفلح، فنحن لا نحتاج إلى توجيه. فى أقل من ساعة كان آلاف منا ينتظرون اللقاء الأخير، ومئات يزينون له قبره بما يحب، وعشرات يزورونه يوميًّا. أما قبور هؤلاء فلا نريد أن نعرف لها طريقًا، وقد لا نترحم عليهم من الأساس. كسر الدكتور أحمد طواحين هواء هؤلاء المثقفين، رأى هؤلاء الشباب يحبون الكبير عندما يكون حقًّا كبيرًا. عشقنا رجلًا اقترب من الستين، وصار جزءًا من وجداننا. احترمناه، حتى إننا لا نذكر اسمه -ولو فى سرنا- إلا وسبقه لقب دكتور. نحفظ كلماته لأنه لم يوجهنا يومًا، بل علّمنا أن المعرفة قوة، وسلطة، غير تلك التى يلهثون وراءها؛ لذا نحن نقرأ ونفكر. أحببناه لأنه لم يكن يومًا مثل هؤلاء، لم يخُن ما كتبه، أحببناه لأنه لم يخذلنا.
هو فى منزلة من النبل صعب أن يستوعبها هؤلاء، مُحال أن يدركوا أنه كان بيننا رجل لم يكن يملك سوى قلمه، عاش على الحق فأماته الله عليه. لم يكن يومًا على دربهم ولا كان يحب مجالسهم. أرعبهم كونه مختلفًا، كونه لا يشبه تكرارهم أبدًا، ولا فيه نواقصهم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات