الخالد توفيق ومعادلته المربكة

Foto


ما الذى تحتاج إليه لتُصبح كاتبًا مشهورًا يُحبك الناس وتُحقق مركزًا مُتقدمًا فى الاستحواذ على نسب القراءة؟ الوصفة المعروفة هى أن تكون أولًا من أهل المركز لا من أهل الهامش.. أى أن تكون قاهريًّا مُقيمًا لا زائرًا، حتى تتمكن من التمتع بمركزية المدينة الأُم ومجاورة شِلَل المثقفين والكتاب على مقاهيهم وفى منتدياتهم وأماكن تجمعاتهم، أما إذا كنت أقاليمى أصيلًا فكل ما يمكنك فعله حتى تستطيع تحقيق ذاتك الأدبية أن تجد لنفسك مكانًا تحت شمس الست عاصمة، ثانيًا ما عليك فعله هُو صناعة كاريزما يمكنك مِن خلالها الاستحواذ على الألباب والأفئدة وجيوب القراء بالطبع، وذلك عن طريق ارتداء الملابس المتأنقة والتحدث باللغة المتأنقة والإظهار الدائم للثقافة الموسوعية المتأنقة أيضًا، ثم يأتى بعد ذلك الحرص على استرضاء النقاد ومغازلة عبقرياتهم اللوزعية، ولا بأس من السعى الجاد للحصول على مكان تحت مظلة الترجمة والسعى لذلك حتى لو كانت تلك الترجمة للغة (الشماشرجية) المهم أن يذكر السيد (CV) ذلك ويُلح عليه، ثم يأتى بعد ذلك الإكثار من الوجود بين القراء والمحبين فى كل مكان، حيث الندوات والمؤتمرات الثقافية وحفلات التوقيع وغير ذلك.. أى السعى الدؤوب للوجود بين الناس والحرص الدائم على التواصل مع القراء فى كل مكان، ولا بأس من تبنى وجهة نظر سياسية تسمح لك ببعض الطنطنات الوطنية، والظهور الدائم فى الإعلام المرئى والمسموع، وطبعًا لابد من وجود كتيبة من فواعلية السوشيال ميديا الذين يُمجدون فى كتابتك آناء الليل وأطراف النهار ويحاصرون الناس من كل الاتجاهات ويخرجون عليهم من كل فجٍّ عميق.. ثم أخيرًا الحصول على جائزة محلية أو إقليمية تحقق لك بعض الامتلاء والوجاهة وتمنحك التقدير اللازم والمهابة الوافرة.

ماذا عن الراحل أحمد خالد توفيق الذى لم يفعل كل ما سبق بإصرار عجيب؟! فالرجل كان طنطاويًّا وظل طنطاويًّا حتى آخر يوم فى حياته، ولم تستطع القاهرة مغازلته أو فرض سطوتها عليه كغيره من كتاب الأقاليم الذين فضلوا الهجرة والإقامة الدائمة فى مدينة المركز، ليكونوا على مقربة من آلات الشهرة والمجد والانحشار وسط شِلل أهل الثقافة والأدب والحصول على مقعد فى مقاهيهم.. الرجل كان مُنطويًا لا يحب كثرة الكلام أو تنميقه وحفلطته أو الانخراط فى حوارات من الطراز العاجى التى يحلو كثيرًا للمثقفين الغرق بداخلها.. لم يكن يرتدى ملابس الموضة أو الـBrands أو يُعطى نفسه أى سمت يشير إلى أنه كاتب كبير، كالكوفية التى يرتديها البعض صيفًا وشتاءً أو الشال الفلسطينى أو الكاسكتة التى تُلازم رؤوس بعضهم بمناسبة وبغير مناسبة.. كان يحمل مظهر موظف مصرى أصيل غير مهتم بهذه السفاسف من الأمور، ورغم حرصه على التواصل مع قرائه ومحبيه، فإنه كان مُقلًّا جدًّا جدًّا فى إقامة الندوات أو عمل حفلات توقيع لكُتبه رغم العروض الدائمة واللحوحة (وأنا كُنت أحد هؤلاء اللحوحين)، كان يعتذر بأدب جَم لا يُمكنك التعقيب عليه، فقد كان يتعلل بأن مهمة الكاتب الأساسية هى أن يكتب لا أن يتحدث، وفى لحظات التجلِّى كان يفاجئنى بقوله (هاقول إيه؟ اللى عاوز أقوله قُلته على الورق).. كما أن الرجل لم يكن له أى وجود (بذاته) على السوشيال ميديا، ولم نعهد عليه حضورًا أو ترويجًا لعمل من أعماله على وسائل التواصل الاجتماعى اللهم إلا ما يقوم به الناشر بنفسه، أو بعض عشاقه الذى يتطوعون بعمل صفحات على «فيسبوك» تحمل اسمه وتروج لأعماله وأقواله، ولكنه فاجأنى ذات مرة فى أثناء لقاء جمعنا على العشاء بتعليقه على أحد البوستات التى قُمت بكتابتها مؤخرًا، فاندهشت، وسألته كيف قرأتها وليس لك حساب على «فيسبوك» أو حتى تربطك علاقة بعشرات الصفحات التى تحمل اسمك.. فأكد أنه يُتابع السوشيال ميديا فى الخفاء دون الإفصاح عن هويته الحقيقية، حيث لا طاقة له على تبعاتها، وذلك كأى شاب خجول يُحركه فضول معرفة هذا العالم السوشيال ميدياوى الواسع دون الانخراط فيه والانغراس فى رماله المُتحركة، كما أنه لم يكُن صديقًا للإعلام أو دائم الظهور على وسائطه، ولم يدَّعِ بطولة سياسية أو يكتب مقالًا حنجوريًّا يقول مِن خلاله (أنا وطنى بانشد وباطنطن وأتباهى بمجدك يا وطنطن) رغم مواقفه شديدة الوطنية والنبل والتى كانت دائمًا ما تظهر بين السطور دُون تعمد لإظهارها، كما لم تنل أعماله أى اهتمام نقدى يُذكر، بل كان الرجل يُزدرى دائمًا ويُنظر إليه على أنه المفسد الرئيسى لأجيال من القراء.. فبين التعالى والتجاهل والسب واللعن كانت تقع أعمال الرجل، أما عن حظه من الجوائز ففى ما أذكر لم يحصل الرجل على جائزة ذات اعتبار اللهم إلا جائزة الشارقة عن روايته «مثل إيكاروس» وهى بالمناسبة جائزة ترويجية فى الأساس وليست جائزة نقاد، ولا تختلف الترجمة كثيرًا عن ذلك.
رحل الرجل الذى أفسد معادلة النجاح المضمون وأربك حسابات راغبى الشهرة.. رحل وتركنا فى حيرة شديدة نحاول استيعاب هذه الخلطة العجيبة المضادة بامتياز للشهرة ونيل المحبة الجارفة التى نالها.. رحل وتركنا نضرب أخماسًا فى أسداس، لا سيما ونحن نشاهد جنازته التى سدَّت عين الشمس بطنطا والتى أكاد أجزم أن المدينة لم تشهد مثلها منذ جنازة السيد البدوى شخصيًّا، الجنازة التى حضرها الناس من كُل حدبٍ وصَوب واجتمع فيها كل الأعمار وكل الفئات.
رحل الرجل النبيل ولم يترك أمامنا إلا احتمالًا واحدًا وهو دعوة صادقة ساعة استجابة من الأم (روح يا بنى ربنا يحبب فيك خلقه).

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات