.

التنبؤات السياسية فى الشرق الأوسط.. عبث

Foto

كيف أصبح ترامب متوقَّعًا مثله مثل الانتخابات العربية؟ ماذا حدث لعفرين السورية بعد دخول تركيا إليها؟ هل ساعد الأكراد «داعش» فى توجيه ضربة للقوات الروسية فى سوريا؟


ترجمة: أميرة جبر عن جريدة «إندبندنت» البريطانية

 

 

سيكون هناك دائمًا هامش خطأ، ولكن بعد سنوات من تغطية المنطقة من الممكن توقع أشياء معينة بدقة عالية، مثل نتائج الانتخابات العربية.

التنبؤ علم دقيق وخطير وصعب المنال، وعادةً نسأل، نحن الصحفيين، أن نمارس تلك المهارة المراوغة فى ذكرى المناسبات السياسية وفى أثناء الانتخابات وقبل الغزوات.. والأخطر، خلال الغزوات.

واتخذوا مدينة عفرين مثالًا. لقد اجتاح الأتراك المقاطعة السورية ذات الأغلبية الكردية منذ ما يقرب من شهرين. وتمهلوا، كان معهم بعض الدبابات، وبدا أن حلفاءهم من «الجيش السورى الحر» غير موجودين، و-وا أسفاه- حلفاءهم الإسلاميين الجدد ما كانوا موجودين.
ولكن عندما زُرت مدينة عفرين بعد أقل من أسبوعين من بدء «عملية غصن الزيتون» التركية -وهو اسم شرير كغيره فى العقود الأخيرة لهجوم مسلح- كان مواطنوها يتسوقون فى شوارع مكتظة وبيوتهم لم يتم قصفها ومطاعمهم مفتوحة، وأفدت بأنه إذا كان الأتراك حقا قد استخدموا كامل قوتهم النيرانية، لَكان بإمكانهم دخول المدينة فى نصف ساعة.
وأشرت إلى أنهم يبدون كـ«خروف فى زى خروف» مقتبسًا وصف تشرشل لكليمنت أتلى. كان ينبغى أن أكون أحكَم من ذلك، فقد فاز أتلى بانتخابات ١٩٤٥، وقد دخل الأتراك مدينة عفرين يوم ١٨ مارس.
حسنًا، على الأقل لم أقل إنهم لن يستولوا على المكان. ولكن هذا الشهر فى دمشق، ذكرنى بمرح صديق سورى قديم بأننى قد قلت له، عندما عدت من عفرين فى يناير، إننى أعتقد أن الأتراك ليس لديهم أى نية لدخول عاصمة المحافظة.
ذكرنى قائلا: «لقد قلت إن الأتراك لن يسلكوا هذا الطريق، وما قلته عن تركيا صحيح منذ بداية الحرب. ولكنك أخطأت هذه المرة». أخشى أنه مُحق.
والمشكلة، بالطبع، كانت الأكراد، خصوصًا ميليشيات وحدات حماية الشعب والمرتبطين بها، المشهورين فى الأغانى والأساطير بسحقهم داعش. وكنت قد سألت نفسى: كيف يدمرون هذا الكم من تلك الطائفة الشريرة ثم ينهزمون من الأتراك؟
كان الخطأ خطئى؛ لقد نسيت -وهذه غلطة حقيقية فى فن التنبؤ الزائف- أن الأكراد لم يحافظوا على موقعهم أمام القوات العراقية فى كركوك، ففى الأغلب تخلوا عن خطوطهم الأمامية، وهذا بالضبط ما فعلوه فى عفرين. ولكن لماذا ترك الروس الأكراد لمصيرهم؟
حسنًا، فى ما يلى بعض الأسباب: أولاً، كان الروس قد سئموا من قرار الأكراد بأن يلعبوا دور جنود مشاة أمريكا فى سوريا، بالإضافة إلى العراق، فقد كانوا، بحسب تعبير صديقى السورى «قد وضعوا كل بيضهم فى السلة الأمريكية».
ثانيًا، ظن الروس أن قذيفة الهاون التى قتلت واحدًا من أكبر ضباطهم فى سوريا -الفريق فاليرى أسابوف، قائد اللواء الخامس بالجيش الروسى، ومقره مدينة أوسورييسك بالشرق الأقصى، والتى لا تبعد كثيرًا عن فلاديفوستوك- قد أطلقت على مدينة دير الزور السورية من قبَل داعش، بينما كان الأمريكيون يرتبون لمرور حر عبر خطوط داعش للقوات الكردية المتجهة إلى الرقة. هل ساعد الأكراد داعش -وكانوا يتحدثون سويًّا قبلها ببضعة أسابيع- فى توجيه ضربة للعمليات العسكرية الروسية فى سوريا؟
ولكن الأكثر أهمية كان الواقعة التى دمر فيها الأكراد عمدًا جسرًا عسكريا أنشأه الروس على نهر الفرات للميليشيات المؤيدة لسوريا، فقد فتح الأكراد بوابات هويس سد مجاور وغمروا النهر، فانهار الجسر.
ومن دون غطاء جوى روسى -ويجب أن يكون الأتراك قد حصلوا على إذن فلاديمير بوتين ليرفعوا علَمهم أعلى مجلس مدينة عفرين- كان الأكراد محكومًا عليهم بالفشل، وهرب عشرات الآلاف من المواطنين، وكذلك مدافعو وحدات حماية الشعب. وما من شك فى أن بوتين وأردوغان يستمتعان بمحادثاتهما فى أنقرة هذا الأسبوع، بينما يؤكدان تشييد مفاعل نووى تركى/ روسى ودرع دفاع صاروخى جديد.
وأشك فى إن كان لديهما وقت لمناقشة عفرين ولماذا ينبغى أن يهتم رئيس إيران حسن روحانى، الذى انضم إليهما، بالأكراد؟ وقد تبين خطأ تنبؤى لصديقى السورى.
ولكن هناك بعض البلورات السحرية دائمًا ما تعكس الحقيقة. تأملوا الانتخابات العربية، أو الانتخابات المصرية لنكون أكثر دقة.. إنه لَرهان فى محله أن تقريبًا أى حاكم عربى -صدام فى عِزّه، أو الأسد أو السادات أو مبارك- سيفوز فى انتخابات رئاسية بأكثر من ٩٠٪.
ولكن بعد تغطيتى للانتخابات البرلمانية والرئاسية فى القاهرة لأكثر من ٤ عقود، اعتقدت أننى سأجرب مع نتائج انتصار المشير/ الرئيس عبد الفتاح السيسى قبل أسبوع من إقامة الانتخابات.
وإذ إنه حصل على ٩٦٪ فى الانتخابات السابقة، أفدت فى جريدة «إندبندنت» قائلاً: «لدىَّ شعور بأن النسبة ستكون بين ٩٣.٧٣٪ و٩٧.٣٧٪ لصالح الرئيس. ولكن رهانى الثانى مضمون، هل سيتصل الرئيس ترامب بالسيسى بعد انتصاره الانتخابى ليهنئه؟ بالطبع سيفعل، وسيصفه بـ(الرجل العظيم) الذى يقوم بـ(عمل عظيم)».
وهذا يعنى أننى توقعت النتيجة بنجاح فى تنبؤى قبل أسبوع، ودون مساعدة أى استطلاعات رأى مصرية، وعلى بعد ٠.٢٩٪ من أعلى نقطة مئوية فى تقديرى. يجب أن يقف محللو الانتخابات فى ذهول.
ولكن يجب أيضًا أن ينسوا أن مبارك حصل على ٩٦.٣٪ لفترة ثالثة فى المنصب، مدتها ٦ سنوات عام ١٩٩٣، وفاز السادات بانتصار هائل بنسبة ٩٩.٩٥٪ للإصلاح السياسى فى استفتاء ١٩٧٤، وحصل صدام على درجة ٩٩.٩٦٪ فى الرئاسة عام ١٩٩٣. ولكن حافظ الأسد حصد ٩٩.٩٨٧٪ من الأصوات السورية لفترة جديدة فى المنصب، مدتها ٧ سنوات، عام ١٩٩٩، فقد صوت ضده فقط ٢١٩ مواطنًا مخطئًا.
فإذا أمضيت وقتك تغطى هذه الأمور، ستستطيع أن تتنبأ بالمستقبل بدقة عالية. وبعد مكالمة ترامب للقيصر بوتين لتهنئته عقب انتخابه، كان حتميًّا أن الرجل الردىء سيهاتف السيسى ليهنئه بانتصاره الرائع -لا، بل الإعجازى- فى مصر، تمامًا كما قلت إنه سيفعل.
ولكن هل وصف السيسى بـ«الرجل العظيم» وقال له إنه يقوم بـ«عمل عظيم»؟ وفقًا للبيت الأبيض، فالزعيمان «أكدا الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر» وتحدثا عن «دعم روسيا وإيران غير المسؤول لهجمات نظام الأسد الوحشية ضد المواطنين الأبرياء».
وهذا يعنى أن السيسى، بالنسبة لترامب، بالفعل رجل عظيم يقوم بعمل عظيم.
ولكن المضحك هو كيف أصبح ترامب متوقَّعًا مثله مثل الانتخابات العربية؟ هل بينهما شىء مشترك؟

 

.....

 

 

روبرت فيسك
كاتب وصحفى إنجليزى، مراسل بجريدة «إندبندنت» البريطانية فى الشرق الأوسط منذ عام ١٩٨٩، وإقامته الأساسية فى بيروت. فاز بجائزة الصحافة البريطانية كأفضل مراسل خارجى فى العام ٧ مرات. يتحدث العربية، ومن بين حفنة من الصحفيين الغربيين الذين حاوروا أسامة بن لادن، فقد حاوره ٣ مرات بين ١٩٩٣ و١٩٩٧.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات