.

الاقتصاد المصرى خرج من الإنعاش فعلًا.. ولسه عايش فى المستشفى على المحاليل

Foto

كيف تعتمد مصر على عاملين أساسيين لتسريع تعافيها الاقتصادى؟ لماذا الشفاء التام للاقتصاد المصرى سيأخذ سنوات؟ هل يؤثر سداد 12 مليار دولار هذا العام على الاحتياطى النقدى؟


لا يزال الاقتصاد المصرى يمر عبر المرحلة التى قد تكون الأصعب فى تاريخه الحديث؛ لأنها مرحلة تتطلب الكثير من الإصلاحات ومن التضحيات أيضا، وإذا كانت معظم المؤشرات الاقتصادية قد أظهرت تحسنا فى وضع الاقتصاد المصرى منذ تنفيذ التعويم عموما وخلال الأشهر التسعة الماضية من السنة المالية الحالية خصوصا، فإن الوقت لا يزال مبكرا للحكم على نجاح هذه التغييرات بشكل كامل، وفى الواقع فإنه من الصعب أن تظهر أى عملية لإجراء تصحيحات للاختلالات الهيكلية فى الاقتصاد نتائج فورية، ومن المتوقع أن النتائج النهائية لمثل هذه الإجراءات لن تظهر إلا خلال فترة من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة، ولكننا نستطيع مع ذلك الوصول لحكم مبدئى على ما يجرى من خلال متابعة المؤشرات المختلفة واتجاهها فى الاتجاه الصحيح من عدمه.

ويمكننا القول إن مصر تعتمد على عاملين أساسيين لتسريع تعافيها الاقتصادى فى المدى القصير، وهما عودة عائدات السياحة، وزيادة إنتاج الغاز الطبيعى، بينما تعتمد فى المدى المتوسط على المشروعات الضخمة، وتعتمد فى المدى الطويل على أن تكون الإصلاحات الاقتصادية قد أسست لنمو اقتصادى حقيقى على أسس سليمة.
فمن جهة ارتفع عدد السياح إلى 8,3 مليون سائح عام 2017، مقارنة بـ5,4 مليون سائح عام 2016 الذى يعد العام الأسوأ سياحيا فى مصر، كما ارتفعت العائدات السياحية فى ذات العام إلى 7,2 مليار دولار، وهو وإن كان أقل بكثير من أرقام عام 2010 إلا أنه يعكس بدء انفراجة القطاع.
ومن جانب آخر من المتوقع أن يؤدى تزايد إنتاج حقول الغاز الجديدة فى ظهر وغرب الدلتا إلى أن تصل مصر فى عام 2019 إلى الاكتفاء الذاتى تقريبا لاحتياجات السوق المحلية من الغاز المسال، وهو بدوره ما سيوفر على الأقل 12% من عجز الحساب الجارى، خصوصا أنه وفقا للاتفاق مع صندوق النقد الدولى فسوف يتم تقليل فاتورة دعم الوقود بنحو 4 مليارات دولار فى يوليو القادم.
وبشكل عام فالحساب الكلى لميزان المدفوعات لا يزال يحقق فائضا بشكل مستمر منذ تطبيق قرار التعويم فى نوفمبر 2016 بعد أن ظلت الأرقام تشير لتحقيقه عجزا كليا باستمرار منذ عام 2008، وفى الواقع فإن ميزان المدفوعات المصرى لم يحقق فائضا فى الأربعين سنة الماضية إلا فى ثلاث فترات: بين عامى 1991 و1995 ثم بين عامى 2002 و2008، والثالثة هى الفترة الحالية بدءا من أرقام عام 2017 المتأثرة بقرار التعويم الذى تم فى العام المالى ذاته 2016-2017، ورغم أن هذا المؤشر إيجابى فى حد ذاته فإنه لا يعنى أن نفرح كثيرا رغم ذلك لأن هذا الرقم متأثر بشدة بحصيلة تدفق أموال القروض وأذون الخزانة وطرح السندات المصرية فى الخارج بأكثر مما هو متأثر بالميزان التجارى وميزان الخدمات وميزان المعاملات الرأسمالية.
ومع ذلك فإن الجانب المفرح فى هذه الأرقام هو أنها تشير فى تفاصيلها إلى درجة جيدة من التعافى وإن كانت لا تشير بالطبع إلى الشفاء التام الذى سيستغرق سنوات، فرغم استمرار وجود عجز الميزان التجارى بطبيعة الحال فإن قيمة العجز انخفضت كنتيجة لزيادة الصادرات وانخفاض الواردات، ومن جهة أخرى حقق ميزان الخدمات فائضا قيمته 3,8 مليار دولار فى ميزان السفر فى النصف الأول من السنة المالية الحالية، وارتفعت حاصلات قناة السويس بقيمة 10،1% لتصل إلى 2,8 مليار دولار خلال نفس الفترة، وفى نفس الفترة ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج بنسبة 29,5% لتصل إلى 13,1 مليار دولار، وانعكس هذا كله على انخفاض العجز فى ميزان المعاملات الجارية فى النصف الأول من العام المالى الحالى مقارنة بنفس الفترة من العام الماضى بنسبة تقارب 64%، حيث انخفض العجز بقيمة 6 مليارات دولار من 9,4 مليار دولار إلى 3,4 مليار دولار.
وهكذا فإنه رغم تحقيق ميزان المدفوعات لفائض 5,1 مليار دولار فى الربع الأول من السنة المالية الحالية، وفائض 6 مليارات دولار فى النصف الأول من السنة المالية ككل، فإنه ما زال من الطبيعى أن نأخذ فى حساباتنا أن هذا الفائض حتى هذه اللحظة ورغم هذا التحسن فى بعض الموازين الأساسية لميزان المدفوعات لا تزال تكلفته الحقيقية فى صورة ديون مستحقة الدفع فى السنوات القادمة، ولهذا فقد يكون من المفيد هنا الإشارة أيضا إلى أن احتياطى النقد الأجنبى والذى تكون أحد استخداماته المهمة سداد الديون الأجنبية يواصل ارتفاعه بشكل مضطرد حيث وصل فى نهاية فبراير إلى رقم قياسى غير مسبوق هو 42,5 مليار دولار رغم سداد مصر 30 مليار دولار فى عام 2017، والتزامها بسداد ما يقارب 12 مليار دولار أخرى عام 2018، وفق تصريحات البنك المركزى.
وبشكل عام يمكننا القول إنه رغم الارتفاع الكبير فى الدين الأجنبى الذى وصل أيضا إلى رقم قياسى هو 80,8 مليار حاليا و79,9 مليار دولار بنهاية العام المالى الماضى، بالإضافة إلى دين محلى يتجاوز 3 تريليونات جنيه، وهو ما رفع الدين العام إلى نسبة خطيرة إلى إجمالى الناتج القومى هى 108% فى نهاية يونيو الماضى، فإن مقياس نجاح الحكومة والبنك المركزى الحقيقى سيكون فى النجاح فى خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى بنهاية العام المالى الحالى وفق الخطة التى أعلنها وزير المالية من عدمه، وكان وزير المالية قد أعلن أن المستهدف هو النزول بنسبة الدين العام إلى الناتج المحلى إلى 97% نهاية عام 2018 ثم إلى 90% نهاية عام 2019، وحتى الآن تبدو الأرقام ممكنة التطبيق، ورغم التفاؤل الذى تبديه الحكومة فى توقعاتها لمعدل النمو للسنة المالية الحالية والذى يتأرجح فى تقديرات مسؤولى الحكومة بين 5,25% إلى 5,5% فإن صندوق النقد الدولى رفع بدوره تقديراته الأكثر تحفظا للنمو خلال هذه السنة المالية من 4,5 % إلى 4,8%، وبالطبع فإن انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى هى رهن بزيادة النمو (نتيجة زيادة الناتج المحلى) وبانخفاض الدين من جهة أخرى.
من جهة أخرى فقد شهد معدل التضخم تراجعا مستمرا من معدل 33% فى يوليو الماضى إلى 26% فى نوفمبر إلى 22,3% فى ديسمبر إلى 17% فى يناير إلى 14,3% فى فبراير، ومن المتوقع أن أرقام مارس ستشهد مزيدا من الانخفاض وستستمر وتيرة الانخفاض حتى يوليو القادم وعندها غالبا ستعاود الارتفاع مع تطبيق الإجراءات الجديدة فى خفض الدعم فى الكهرباء والوقود إذا تم تطبيقها بالفعل.
وبالطبع فإن تأثير التضخم اقتصاديا قد تَسبب فى محاولة معالجة تأثيره على المواطنين بشكل سريع عبر رفع قيمة الفائدة إلى مستويات كبيرة، وهو بالطبع ما حد أيضا بالضرورة من إمكانية توسع الاستثمار فى المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ولكن انخفاض معدلات التضخم أسهم فى بدء التراجع عن الفائدة المرتفعة مجددا، فبالتوازى مع انخفاض التضخم قامت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزى بخفض سعر الفائدة على مرتين خلال أقل من شهر ونصف، فقد تم خفض السعر على الإقراض بمعدل مئة نقطة لينخفض من 19,75% إلى 18,75% فى منتصف فبراير، ثم عادت قبل أيام لتخفضه بمئة نقطة أخرى إلى 17,75%، وبالتالى فقد قام البنك الأهلى وبنك مصر بوقف إصدار شهادات جديدة بفائدة مرتفعة، وبدؤوا فى إصدار شهادات بقيمة أقل تتناسب مع إجراءات لجنة السياسات النقدية، ومن المتوقع أن يكون الاتجاه العام فى الفترة المقبلة نحو خفض سعر الفائدة بشكل دورى أو على الأقل تثبيته عند المستويات الحالية أو أقل منها بقليل لحين تجاوز ارتفاع التضخم مجددا المتوقع فى يوليو مع تخفيض الدعم مجددا.
وهكذا فإن فاتورة الإصلاح المتمثلة فى الأثر الاقتصادى للديون من جهة، والأثر الاقتصادى للتضخم من جهة أخرى، آخذة فى التراجع بشكل عام وما نستنتجه من هذه المؤشرات المختلفة أن مصر بدأت فى الخروج تدريجيا من المأزق المعقد الذى كانت فيه قبل عام ونصف من الناحية الاقتصادية، ولكن ما زال هناك الكثير أيضا ليتم إنجازه من الناحية المجتمعية.
فرغم أن هذه الإصلاحات أسهمت فى انخفاض معدلات البطالة إلى 11,3% فى الربع الثانى من العام المالى الحالى، وهو رقم يعتبر الأفضل منذ عدة سنوات، فإنه من المهم أن يتزامن خفض الدعم عن الطاقة المخطط له يوليو القادم مع زيادة الدعم الموجه لألبان وأدوية الأطفال خصوصا، وزيادة التوسع فى برنامج «تكافل وكرامة» والبرامج المكملة له كبرنامج «فرصة»، وكذلك زيادة المعاشات خصوصا أن المؤشرات تشير بالفعل إلى انخفاض عجز الموازنة إلى 4,4% فى النصف الأول من العام الحالى.
بشكل عام إذن يمكننا القول إن الوضع الاقتصادى المصرى خرج من العناية المركزة أو الإنعاش بنجاح، ولكنه لا يزال فى المستشفى يعيش على المحاليل، ناهيك بتعافيه الكامل بعد خروجه من المستشفى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات