.

العودة للمربع صفر فى مفاوضات سد النهضة

Foto

هل تلتزم الدول الثلاث بمهلة الشهر المحددة للوصول لمقترحات وحلول واضحة حول القضايا الخلافية؟ كيف يؤثر اختيار آبى أحمد رئيسًا جديدًا لوزراء إثيوبيا على مسار المفاوضات؟ هل تتدخل واشنطن خلال الفترة المقبلة بطلب من مصر؟


جاء إعلان وزير الخارجية السودانى إبراهيم غندور فى الساعات الأولى من صباح الجمعة الماضى عن فشل جولة المفاوضات الجديدة التى جرت فى الخرطوم لما يزيد على 15 ساعة متصلة منذ ظهر الخميس الماضى، ليضاعف مجددا القلق من إمكانية التوصل لاتفاق واضح فى ما يتعلق بسد النهضة الإثيوبى، خصوصا أن التعويل كان كبيرا على هذه الجولة التى تم تأجيلها لما يزيد على شهر ونصف بسبب الأحداث السياسية الأخيرة فى إثيوبيا التى أدت لاستقالة رئيس الوزراء السابق واختيار رئيس وزراء جديد هو آبى أحمد، كما أنها الجولة الأولى من المفاوضات التفصيلية التى تشهد حضورا لثلاثة من كبار المسؤولين فى كل دولة وهم وزير الخارجية ووزير الرى والمياه ومدير المخابرات فى كل من مصر والسودان وإثيوبيا.. كما أن هذه الجولة تأتى بعد انفراج نسبى فى التوتر الذى تصاعد بين مصر من ناحية وكل من إثيوبيا والسودان من ناحية أخرى بعد توقف المفاوضات منذ نوفمبر الماضى على أثر رفض الدولتين للتقرير المبدئى للمكتب الاستشارى الفنى، وهو ما تلاه زيارة رئيس الوزراء الإثيوبى السابق للقاهرة، ثم القمة الثلاثية التى جمعت السيسى والبشير وديسالين فى أديس أبابا على هامش انعقاد القمة الإفريقية، وما شهدته من الإعلان عن تشكيل تلك اللجنة التساعية وتحديد مدى زمنى لمدة شهر لحل المسائل الخلافية وتقديم تصور واضح عن الحلول المقترحة، ثم أخيرا زيارة الرئيس السودانى لمصر قبل أسابيع قليلة التى بدا واضحا منها وجود تطور إيجابى فى ملف الخلافات والتوترات فى العلاقة بين مصر والسودان التى كانت قد تزايدت فى الفترة الأخيرة، وهو ما بدا مؤشرا على إمكانية أن يؤثر ذلك إيجابا على جولة المفاوضات التى سبق تأجيلها لتنعقد يوم الخميس الماضى بعد أن تم اختيار رئيس وزراء إثيوبيا الجديد.

ورغم محاولة وزير الخارجية السودانى لإخراج إعلانه بشكل إيجابى يخفف من حدة المخاوف والتوتر إزاء نتيجة تلك الجولة، بقوله إن النقاش كان بَنَّاءً وتفصيليا، وإن القضايا الخلافية التى لم يرغب فى تحديدها تحتاج للمزيد من الوقت والصبر.. فإن الإشارة الأهم كانت فى قوله إنه سيتم ترك التفاوض حول تلك الخلافات لوزراء الرى والجهات الفنية، بما يعنى أنه لم يتفق حتى على انعقاد اللجنة التساعية المشكلة من ثلاثة مسؤولين ممثلين لكل دولة مرة أخرى، فضلا عن قوله بأن تحديد موعد جولة المفاوضات القادمة سوف يتحدد لاحقا، وهو ما يبدو متناقضا أو على الأقل مختلفا مع تصريحات وزير الخارجية المصرى عن أنهم سوف يسعون لاستكمال المشاورات للتوصل لنتائج واضحة خلال شهر واحد أى فى مطلع مايو المقبل، التزاما بالمدة التى سبق لرؤساء الدول الثلاث تحديدها كمدى زمنى.
إذن نحن أمام ثلاث نتائج رئيسية للجولة الأخيرة من المفاوضات:
أولاها أنه لم يتم الاتفاق فعليا على أى مسار أو نقاط محددة لحل القضايا الخلافية، والتى يعد أبرزها مما كان مفترضا مناقشته فى هذا الاجتماع متعلقا بقبول التقرير المبدئى للمكتب الاستشارى الفرنسى ليكون أساسا لبدء الدراسات الفنية التى يفترض أن تكون نتائجها وتوصياتها ملزمة وفقا لاتفاق إعلان المبادئ الذى سبق توقيعه بين الدول الثلاث، بالإضافة إلى قضايا الفترة الزمنية للملء والتشغيل وأسلوب التخزين، فضلا عن طريقة إدارة السد نفسه، وهى كلها تبدو القضايا الأهم والأكثر جوهرية التى سوف تحدد حجم التأثير السلبى من بناء وتشغيل السد على مصر وحصتها من مياه النيل.
النتيجة الثانية التى يمكن الخروج بها هو أن هناك اتفاقا على العودة لمسار المفاوضات الفنية وليس استمرار انعقاد اللجنة التساعية أو العودة لمستوى الرؤساء الثلاثة، وهو ما يبدو لافتا لأنه ما لم يتم حله أو الاتفاق عليه بحضور وزراء الخارجية والرى ومدراء المخابرات لا يمكن توقع أن يتم حله والتفاهم حوله فى المسار الفنى المتعثر بالأساس منذ بدايته تقريبا، ليبدو وكأننا نعود مرة أخرى إلى المربع صفر ذاته.
أما النتيجة الثالثة فهى تتعلق بالمدى الزمنى المقرر لمسار تلك المفاوضات، وهى نقطة تبدو بالغة الأهمية خصوصا فى ظل التقارير التى تشير للتقدم فى عملية بناء السد، وكذلك اقتراب موعد بدء المراحل التجريبية لملء الخزان، وهى التى يفترض أن يسبقها تفاهم واتفاق واضح وملزم بخصوص طريقتها ومداها الزمنى تمهيدا لما هو لاحق، لكن عدم وجود موعد محدد للجولة المقبلة من المفاوضات من ناحية، وعدم وجود التزام واضح إزاء مهلة الشهر المحددة سوى فى تصريحات وزير الخارجية المصرى تبدو باعثا أكبر على القلق والتخوف من مسار تلك المفاوضات وأى رهانات على نتائجها.
وبينما يجرى ذلك كله وحتى تتضح الصورة أكثر خلال الأيام المقبلة، فإن استمرار تطوير تحسن العلاقات مع السودان والحفاظ عليه من ناحية، والمزيد من الفهم لمواقف وتوجهات رئيس الوزراء الإثيوبى الجديد آبى أحمد، والذى حرص الرئيس المصرى على الاتصال به هاتفيا وتهنئته، تبدو من أهم النقاط التى ينبغى أن تحرص مصر عليها، وإن كان يبدو مؤكدا أن آبى أحمد لن يختلف كثيرا فى تمسكه باستكمال بناء سد النهضة دون توقف أو تأجيل، خصوصا أن تصريحاته حول السد فور توليه موقعه بدت واضحة، لكن القضية هنا تدور حول مدى التزامه بالتفاهمات الأخيرة مع سلفه ديسالين، ومدى مرونته فى المفاوضات القائمة، وإن كانت بعض التقارير تتحدث عن إشارة غير مطمئنة للجانب المصرى بتكليف السفير الإثيوبى السابق لدى القاهرة محمود درير بالإشراف على ملف المفاوضات حول سد النهضة، وهو من ترى مصر أن لديه مواقف سلبية تجاه القاهرة والمفاوضات.
بالإضافة إلى ذلك فإن السيناريوهات البديلة لابد أن تكون حاضرة قبل نهاية فترة الشهر المقررة، إذا كانت هناك نية جادة للالتزام بها وعدم إطالتها أو العودة بعدها للحديث عن الروح الإيجابية والبناءة دون نتائج ممسوكة، خصوصا أن عامل الوقت صار حاسما وحرجا للغاية، ومن بين ذلك ما ذكرته مصادر دبلوماسية فى تصريحات سابقة على انعقاد جولة المفاوضات الأخيرة فى الخرطوم عن استمرار الحملة الدبلوماسية لشرح موقف مصر دوليا من سد النهضة والمفاوضات الجارية حوله، وهو ما يبدو أنه تمهيد لإضفاء بُعد دولى على هذا الملف فى حال استمرار إخفاق المفاوضات الحالية، كما يبدو متصلا مع طرح مصر السابق الذى تراجع بعد زيارة ديسالين السابقة للقاهرة ثم القمة الثلاثية بين الرؤساء حول إدخال البنك الدولى طرفا محايدا فى هذه المفاوضات، وربما يكون إعادة طرح الأمر واردا من الجانب المصرى إذا مرت الفترة حتى 5 مايو المقبل دون جديد يذكر.. وفى نفس السياق يبدو أن الحملة الدبلوماسية المصرية المشار إليها كانت وراء تدخل واشنطن على الخط عبر الزيارة التى قام بها وفد رسمى أمريكى بقيادة إريك ستروماير مساعد وزير الخارجية الأمريكى الذى زار القاهرة والخرطوم قبل أيام من انعقاد جولة المفاوضات الأخيرة، ورغم عدم تأثير تلك الزيارة على نتائج المفاوضات الأخيرة، فإنها تمثل إشارة إلى احتمالات واردة لتدخل أمريكى وربما أطراف أخرى للضغط على الدول الثلاث من أجل التوصل لتفاهمات تمنع تصاعد الخلافات لمرحلة الأزمة خلال الفترة المقبلة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات