.

الرجل الذى كتب وجداننا

Foto

كيف أثَّر أحمد خالد توفيق بهذا الشكل فى وعى ووجدان الأجيال الشابة؟


حدث هذا فى صيف 2003..

عبر إيميل مرتبك ومتلعثم تم إرساله من «بريد مكتوب» -أول موقع عربى يقدم خدمة البريد الإلكترونى، واستحوذت عليه (ياهو) عام 2009، ليصبح بعد ذلك ذكرى إنترنتية- جاءنى الرد يوافق على الطلب ويحدد الزمان والمكان، الخامسة عصرًا، طنطا، المرشحة.
باستخدام القطار السريع الذى يصل بين شربين وطنطا، وصلت فى الموعد المحدد، ربما لأول وآخر مرة فى حياتى، كان هو ينتظرنى مرتديًا قميصًا صيفيا كلاسيكيا، استقبلنى بابتسامة ودودة كأننا أصدقاء دراسة، ثم احتسينا كوبين من الشاى المضبوط على أحد مقاهى المرشحة، وهى منطقة شهيرة وحميمية فى طنطا، وتنطلق من فرضية قائمة على اعتبار محطة ترشيح المياه «كورنيش» يجمع العشاق والأصدقاء وأصحاب المعاشات. تكلمنا فى أشياء كثيرة، ربما عن الأدب والرعب والسينما والقراءة، وكان حريصًا على أن يتجاوز فى خجل مفرط -أدركت لاحقًا أنه صفة أصيلة فى طبعه- أى حديث احتفائى بما يكتبه، وكيف أنه شكّل علامة فارقة فى «تذوقى للقراءة» وجعلنى أدرك أى «عَك» كنت أقرؤه من قبل وأتصوره أدبًا، بينما هو ليس سوى «هباب البرك»، وأى متعة انفتحت أبوابها على آخرها عندما نهلت أعداد سلسلة «ما وراء الطبيعة»، وما ترجمه من أعمال أدبية أجنبية بديعة لأسماء كانت مجهولة لقطاع ضخم من جيلى، ثم صاروا يستشهدون بها لاحقًا كخبراء فى الأدب الغربى الحديث؛ مثل «ستيفن كينج» و«مايكل كرايتون» و«جون جريشام» وغيرهم.
مَرَّ الوقت سريعًا ماتعًا، وحان وقت اللحاق بقطار العودة، والغرض الأساسى للزيارة لم يتم. «ماعملناش الحوار يا دكتور». كنت حينها «على باب الله» حرفيًّا، متخرجًا فى الجامعة لتوّى، أبحث عن أى فرصة للالتحاق الاحترافى بالصحافة دون جدوى، لكنى مع ذلك لم أستطع مقاومة رغبة أن يكون أول حوار صحفى أجريه فى حياتى هو مع الشخص الذى نشط بداخلى جينات القراءة والشغف، وسكب «الجاز» فى مواتير الكتابة. ولما أرسلت إليه البريد الإلكترونى المرتبك سابق الذكر، لم أتصور أن يوافق بهذه البساطة، خصوصًا أنى حينها -وربما حتى يومنا هذا- كنت صحفيًّا «أرزقى»، غير محسوب على أى جريدة أو مؤسسة، بل حتى لم أهاجر إلى القاهرة لاحتراف المهنة وبدء رحلة البحث عن المتاعب من السلم الخلفى.
ببساطة وروح أبوية صاحبَته دائمًا، جذب يدى إلى سيارته «هيونداى إكسيل موديل 1998»، ليُجلسنى إلى جواره، وبدأ القيادة على مهل متجهًا إلى محطة القطار، ثم ابتسم قائلًا: «يلّا.. اسأل». وهكذا جرت وقائع أول حوار مع د.أحمد خالد توفيق داخل سيارة كورية صغيرة فى الطريق من «المرشحة» إلى محطة قطار طنطا.
أغلب الظن أن هذا كان أول حوار صحفى يجريه «الدكتور» فى حياته. كان قد مر نحو 10 سنوات على إصداره أول كتبه «أسطورة مصاص الدماء»، وقد بدأت شعبيته فى التزايد تدريجيًّا وبطريقة تصاعدية لافتة. وكان مثيرًا للغاية -ربما هو مثير للغيظ أكثر من أى شىء آخر- أن تكون كتب هذا الرجل موجودة -تقريبًا- فى كل بيت مصرى يضم شبابًا «يفك القراءة»، فلابد أن يوجد له أى مقال أو دراسة أو حتى حوار صحفى يرصد ملامح هذه الحالة من الافتتان بما يكتب. كنت متحمسًا، وبشدة، له ولتجربته ولكتبه ولأسلوبه الفاتن الساحر، وقد تضاعف كل هذا بعد لقائى معه مباشرة لأول مرة، وقد رأيت فيه جانبًا إنسانيا أسطوريا، فأخذنى الحماس، واستقطعت من عباراته فى الحوار عنوانًا حريفًا مثيرًا «د.أحمد خالد توفيق: رواياتى أرقى من روايات أجاثا كريستى.. وأكثر تأثيرًا من روايات نجيب محفوظ ودوستويفسكى!».
ولمّا أرسلت الحوار لإحدى الصحف الأسبوعية «الشبابية» لم يُنشر قط، واكتفى أحدهم من إدارة التحرير بالصحيفة بأن رد علىَّ فى بريد القراء متسائلًا فى سخرية عن ماهية هذا المؤلف الذى يُدعى أحمد خالد توفيق، ولا يعرفه أحد، ومع هذا فإنه يقارن نفسه بأجاثا كريستى ونجيب محفوظ ودوستويفسكى.
الحقّ أنى أخذت الموضوع على صدرى، واستشعرت ضيقًا مضاعفًا، لأنى وقد كنت أتطلع لإنصاف الرجل فقد جلبت له السخرية حتى ولو كانت قادمة من جاهلين به «يبدو أن فصيلة الجاهلين هذه لا تزال تتكاثر وبكفاءة حتى يومنا هذا». كتبت للجريدة ردًّا طويلا يتضمن ما تيسر من «الردح»، متسائلًا: كيف بجريدة تدّعى أنها مُوجهة للشباب أن تجهل اسم أهم كاتب وأديب يقرأ له الشباب؟ «الجهل استمر وتفاقم حتى اليوم كما لعلك تلاحظ، بل إنه انتقل كفيروس سى نشط من الصحف إلى مؤسسات الدولة». ثم نشرت الحوار فى منتدى يهتم بالأدب، وقد كانت المواقع حينها «بدعة وفتحًا»، لكن ذلك لم يمنع مطلقًا د.أحمد من أن يقول لى مداعبًا كلما التقانى أو أرسل إلىَّ بريدًا إلكترونيًّا: «يخرب بيتك، إنت كنت عامل العنوان ده مخصوص عشان أتشتم بس».
بعد مرور ما يقرب من 15 عامًا على هذا اللقاء/ الحوار، بات من حق هذا العنوان المثير أن يظهر مطبوعًا أخيرًا، ربما يكون فى هذا إنصاف متأخر كعادة هذه الدنيا، لكنه أيضا اعتراف بحق هذا الرجل العظيم والكاتب الجليل وما فعله مع جيل كامل من القراء.
من الناحية الأدبية، فإن إبداع د.أحمد خالد توفيق أكثر عمقًا وأثرًا بالفعل من روايات أجاثا كريستى، فروايات كريستى هى أدب جريمة راقٍ بكل تأكيد، لكن روايات أحمد خالد هى روايات إنسانية ملهمة بالأساس، ومغلفة بطبقة من الإثارة والجاذبية ذات وصفة سرية ربّانية. أما فى صنعة التشويق والمتعة فإن أدب أحمد خالد يناطح أدب السيدة أجاثا ويكاد يسقطها أرضًا إذا تنازلا، وربما لو كان اسم أديبنا الكبير هو «كريستوفر ج. توماسون» بدلا من أحمد خالد توفيق، وقرأه جمهور الإنجليزية أولًا قبل أن تتم ترجمته للعربية، لَفاقت شهرته كل أركان العالم «هل هذا جهد يجب أن يقوم به أحباؤه ليصبح أدبه متاحًا بلغات أخرى غير العربية؟»، وفى التأثير فإن ملايين النسخ من الروايات القصيرة والكبيرة والكتب الساخرة والقصص المصورة والمقالات العلمية والسياسية والاجتماعية والكتب المترجمة والكتب السينمائية (فاضى تعد معانا؟)، ونجاحه فى أن يكون أحد أهم أسباب تحول «فضيلة القراءة» من فعل سرى يمارس فى مَقاهى وبارات وسط البلد والتجمعات النخبوية المحدودة، إلى نشاط علنى و«غذاء يومى» ومادة للنقاش والتفاعل بين الجمهور العادى، وإنتاجه نحو 465 كتابًا قيمًا مما يمكث فى الأرض وينفع الناس فى ربع قرن متصلة من الكتابة بإخلاص وجد وشغف، يعنى بالفعل وعلى نحو عملى بحت أن أدبه فاق تأثير نجيب محفوظ ودوستويفسكى، ربما على الأقل لأبناء هذا الجيل الذى يتراوح عمره الآن ما بين 20 و45 عامًا.
لكل ما سبق يمكن فهم لماذا أصبح د.أحمد خالد توفيق واحدًا من أهم الأدباء المصريين والعرب وأكثرهم تأثيرا فى ذائقة القراءة لدى الملايين من قراء العربية خلال النصف قرن الأخيرة، وأن هذا الأثر قابل للاستمرار لسنوات قادمة حتى مع توقف ماكينة الإبداع عن غزل نسيجها بأمر إلهى، وأن فى الأمر كله ثمة «رسالة» كان قد تم تكليفه بها بمدد من السماء، وأننا نُشهد الله أنه قد أدى هذه الرسالة بكامل اليقين والإخلاص والمحبة والأمانة، وأن مُحبيه لَها لَحافظون.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات