.

النار والغضب ينهشان إدارة ترامب الكوميدية

Foto

كيف ساعد ترامب وجاريد محمد بن سلمان على الوصول لمنصب ولى العهد؟ لماذا أقام السعوديون حفل عشاء لترامب بـ75 مليون دولار؟ كيف أخبر ترامب الأمريكيين أنه قد ينقل القاعدة العسكرية من قطر إلى السعودية؟


اجتاح كتاب «النار والغضب.. من داخل بيت ترامب الأبيض» لمؤلفه مايكل وولف المجتمع الأمريكى خلال الأيام القليلة الماضية، لما يقدمه من سرد لما يجرى خلف كواليس رئاسة المطور العقارى المختل والتى بلا شك هى الأسوأ بكل المقاييس فى تاريخ أمة يفترض أنها تقود العالم.
وفى أكثر من ٣٠٠ صفحة نشرها يوم ٥ يناير يقدم وولف خلاصة أكثر من ٢٠٠ حوار أجراها مع الرئيس وكبار موظفيه وآخرين ليستعرض أحداث الشهور التسعة الأولى من عام ترامب الأول فى الجناح الغربى وليؤكد واقعية الاسكتشات الكوميدية الساخرة التى تجسد كواليس بيت ترامب الأبيض فى البرامج الترفيهية المسائية. وسرعان مع صعد الكتاب لقمة الكتب الأكثر مبيعًا ونال وابلاً من الشتائم والتشكيك من قبل ترامب والمسؤولين بالبيت الأبيض وأشد مؤيديه، بينما زعم وولف أن كتابه سينهى رئاسة الرجل البرتقالى.
 
مصادر النار والغضب
 
 
لا يمكن أن يكون سبب كتابة هذا الكتاب أوضح من ذلك، فقد أدخل تنصيب دونالد ترامب يوم ٢٠ يناير ٢٠١٧ الولايات المتحدة فى عين العاصفة السياسية الأكثر استثنائية على الأقل منذ «ووترجيت». وبينما اقترب اليوم عزمت على حكى هذه القصة بأكثر أسلوب معاصر ممكن، وعلى أن أحاول رؤية الحياة فى بيت ترامب الأبيض من خلال عيون الأشخاص الأقرب له.
وتصورت فى البداية أنه سيكون سردا لأول مئة يوم فى إدارة ترامب كأكثر دلالة تقليدية على إدارة رئاسية. ولكن الأحداث تدفقت من دون توقف طبيعى لأكثر من مئتى يوم، وانسدل الستار عن الفصل الأول من رئاسة ترامب فقط بتعيين اللواء المتقاعد جون كيلى رئيسًا لموظفى البيت الأبيض فى نهاية يوليو وبخروج كبير الاستراتيجيين ستيڤن بانون بعد ٣ أسابيع.
 
والأحداث التى أصفها فى هذه الصفات مبنية على محادثات أجريت على مدى ١٨ شهرًا مع الرئيس وغالبية كبار موظفيه -وبعضهم تحدث معى عشرات المرات- ومع الكثير من الناس الذين تحدثوا بدورهم معهم. وأجريت الحوار الأول بمنزل ترامب فى بڤيرلى هيلز أواخر مايو ٢٠١٦، ما كنت أتخيل حينها ترامب فى البيت الأبيض -مش كتاب عنه- جلس المرشح آنذاك يمسح قعر كوباية آيس كريم ڤانيليا «هاجن داز» ويقدم الآراء حول مجموعة من الموضوعات بينما دخل وخرج مساعدوه هوب هيكس وكورى ليوينداوسكى وجاريد كوشنر من الغرفة. واستمرت المحادثات مع أعضاء فريق الحملة خلال المؤتمر الجمهورى فى كليڤلاند عندما كان لا يزال من الصعب تخيل انتخاب ترامب. وانتقلوا إلى برج ترامب مع ستيڤ بانون الفصيح قبل الانتخابات عندما كان لا يزال يبدو شخصًا غريبًا ومسليًّا، ولاحقًا بعد الانتخابات عندما بدا وكأنه صانع المعجزات.
 
وبعد ٢٠ يناير بفترة وجيزة اتخذت مقعدًا شبه دائم على كنبة فى «الجناح الغربى». ومنذ ذلك الحين أجريت أكثر من مئتى حوار.
 
وفى الوقت الذى جعلت فيه إدارة ترامب من العدوانية تجاه الصحافة سياسة فى الواقع فهى أيضًا أكثر انفتاحًا على الإعلام من أى بيت أبيض فى الذاكرة الحديثة. فى أول الأمر سعيت وراء الحصول على مستوى من الإتاحة الرسمية لهذا البيت الأبيض، نوعًا من وضعية الذبابة على الحائط، والرئيس نفسه شجع الفكرة. ولكن، نظرًا للإقطاعيات الكثيرة داخل بيت ترامب الأبيض التى دخلت فى صراعات مفتوحة من الأيام الأولى للإدارة لم يبدُ أن هناك أى شخص قادر على تفعيل ذلك. وعلى حد سواء لم يكن هناك أى شخص ليقول لى «امشِ». وبالتالى، أصبحت متطفلاً دائمًا أكثر منى ضيفًا مدعوًّا -وهو شىء أقرب كثيرًا لذبابة على الحائط فعلاً- إذ لم أقبل بأى قواعد ولم أقدم أى وعود حول ما قد أكتبه أو لا أكتبه.
 
 
خسارة الانتخابات مكسب
 
بينما شارفت الحملة الانتخابية على الانتهاء كان ترامب نفسه متفائلاً. فبعد كل ذلك لم يكن الفوز أبدًا هدفه النهائى.. قال ترامب لرئيس «فوكس نيوز» السابق روجر آيلز قبل أسبوع من الانتخابات «هذا أكبر مما كنت أحلم به، لا أفكر فى الخسارة، لأنها ليست بخسارة، لقد فزنا تمامًا».
فبمجرد خسارته كان سيصبح ترامب فى آن واحد مشهورًا بجنون وشهيدًا لهيلارى «المعوجة»، وكانت ستصبح ابنته إيڤانكا وزوجها جاريد من المشاهير العالميين، وكان سيصبح ستيڤ بانون الرئيس الفعلى لـ«حركة حزب الشاى» المحافظة، وكانت كيلى ستصبح آن كونواى نجمة فى القنوات الإخبارية، وكانت ستعود ميلانيا ترامب التى أكد لها زوجها أنه لن يصبح رئيسًا إلى حفلات الغداء بعيدًا عن الأنظار. فالخسارة كانت فى صالح الجميع، الخسارة كانت فوزًا.
 
 
صدمة ليلة الانتخابات
 
على الرغم مما بدا من تغير الأرقام فى عدد قليل من الولايات الرئيسية لصالح ترامب لم يهتز يقين كونواى أو ترامب نفسه أو زوج ابنته جاريد -الرئيس الفعلى للحملة الانتخابية- بأن مغامرتهم غير المتوقعة أوشكت على الانتهاء. وكان ترامب لن يصبح رئيسًا فحسب، بل اتفق أغلب أعضاء الحملة تقريبًا أنه ما كان ينبغى أن يصبح رئيسًا.
وبعد فترة وجيزة من الساعة الثامنة مساء ليلة الانتخابات، عندما بدا التوجه غير المتوقع -بأن ترامب قد يفوز بالفعل- مؤكدًا قال دون الابن لصديق إن والده، أو دى. جيه. تى كما يسميه، بدا وكأنه قد رأى شبحًا، وأن ميلانيا التى كان قد قدم لها دونالد ترامب ضمانًا علنيًّا تبكى، وليس من الفرح.
وفى فترة تزيد قليلاً عن ساعة، بحسب ملاحظة بانون، تحول ترامب من الارتباك إلى عدم التصديق ثم الذعر. ولكن كان سيأتى لاحقًا التحول الأخير، ففجأة أصبح دونالد ترامب رجلاً يعتقد أنه يستحق وقادر تمامًا على أن يكون رئيسًا للولايات المتحدة.
 
برجر وتليفون و3 شاشات
 
وجد ترامب البيت الأبيض، وهو مبنى قديم تتم صيانته بشكل متقطع وتجديده تدريجيًّا -هذا بالإضافة إلى مشكلة الحشرات والفئران الشهيرة- مزعجًا بل ومخيفًا قليلاً. وتساءل أصدقاؤه المعجبون بمهارته كصاحب فنادق لماذا لا يجدد المكان، ولكنه بدا خائفًا من وطأة العيون المراقبة له.
 
وفى البيت الأبيض انطوى ترامب على نفسه فى غرفته، وللمرة الأولى منذ بيت كينيدى الأبيض يستخدم الزوجان الرئاسيان غرفًا منفصلة (مع أن ميلانيا تقضى القليل من الوقت فى البيت الأبيض).
وفى أيامه الأولى أمر ترامب بإضافة شاشتى تليفزيون للشاشة الموجودة وبقفل على الباب، مما سرع بمواجهة موجزة مع «الخدمة السرية» (المكلفة بحماية الرئيس) والتى أصر عملاؤها على إمكانية وصولهم للغرفة. ووبخ ترامب طاقم الخدمة والتنظيف لالتقاطهم قميصه من على الأرض: «إذا كان قميصى على الأرض فهذا لأننى أريده على الأرض».
 
ثم فرض ترامب مجموعة من القواعد الجديدة: ممنوع على الجميع لمس أى شىء خصوصًا فرشاة أسنانه (كان لديه خوف منذ فترة طويلة من أن يتعرض للتسميم، وهو أحد أسباب حبه لأكل ماكدونالدز، فما من أحد يعلم أنه قادم والطعام معد مسبقًا فى أمان)، كما كان يعلم إدارة التنظيف والخدمة متى يريد تغيير ملاءاته وكان يجرد سريره الخاص.
وإذا لم يكن يتناول عشاءه الساعة ٦:٣٠ مع بانون كان يروق له أكثر أن يدخل سريره فى هذا التوقيت وبصحبته تشيز برجر ليطالع شاشاته الثلاث ويجرى اتصالات هاتفية لمجموعة صغيرة من الأصدقاء، فالهاتف هو نقطة اتصاله الحقيقية مع العالم.
 
إيڤانكا أول رئيسة
 
تتبعًا لمسيرة والدها كانت إيڤانكا ترامب تصيغ اسمها ونفسها كماركة متعددة الأوجه والمنتجات، وانسجم الأب والابنة جيدًا على نحو أقرب للغريب، كانت ترامب الصغير الحقيقى، تقبلته، كانت مساعدة ليس فقط فى اتفاقاته التجارية ولكن أيضًا فى إعادة ترتيباته الزوجية، وقد سهلت المداخل والمخارج، فإذا كان لديك أب بغيض، والجميع منفتح بشأن ذلك، ربما يصبح الأمر مرحًا والحياة مثل الكوميديا الرومانسية، نوعًا ما.
 
واتحدت إيڤانكا وزوجها جاريد كزوجين قويين يعيدان تقديم أنفسهما عن وعى كرموز للتحقق والطموح والرضا النهائى فى العالم الجديد وكممثلين للوعى الفنى الخيرى البيئى.
 
وعقد الاثنان فى ما بينهما اتفاقًا صادقًا: إذا سنحت الفرصة فى وقت ما فى المستقبل ستكون هى التى تترشح للرئاسة. فتفكر إيڤانكا أن أول رئيسة سيدة لن تكون هيلارى كلينتون إنما إيڤانكا ترامب.
ومع ذلك فالحقيقة الغالبة هى أن علاقة إيڤانكا بوالدها ليست علاقة عائلية تقليدية، وإن لم تكن انتهازية بحتة فهى بالتأكيد تبادلية، كانت بيزنس، بناء الماركة، بناء الحملة الانتخابية الرئاسية، والآن البيت الأبيض.. كله بيزنس.
 
 
طموح نيكى هايلى الشيطانى
 
بحلول شهر أكتوبر لاحظ بصفة خاصة الكثير من موظفى الرئيس واحدة من انتهازيى ترامب القلائل المتبقين وهى نيكى هايلى، السفيرة لدى الأمم المتحدة. وقد خلصت هايلى -التى يصفها واحد من كبار الموظفين بأن «طموحها مثل طموح إبليس»- إلى أن حكم ترامب سيستمر على أفضل تقدير فترة واحدة، وأنها بخضوع ضرورى قد تصبح ولى عهده. وقد توددت هايلى لإيڤانكا وصادقتها، وأدخلتها إيڤانكا الدائرة العالية حيث أصبحت محور اهتمام خاص لترامب وأصبح هو محور اهتمام خاص لها.
ولقد قضى الرئيس كمية ملحوظة من الوقت الخاص مع هايلى على متن الطائرة الرئاسية «آير فورس وان»، ونظر له على أنه يعدها لمستقبل سياسى وطنى. وكان من الواضح للكثيرين أن هايلى، والتى كانت فى السابق فى أكثرها جمهورية تقليدية لديها خط وسطى معلن، وهو النوع المعروف بشكل متزايد كجمهورى «جاراڤانكى» نسبة لجاريد وإيڤانكا، يتم تدريبها على الأساليب الترامبوية. والخطر هنا، كما تقدم أحد كبار موظفى ترامب «يكمن فى أنها أذكى منه بكثير».
 
نقل السفارة ومصير فلسطين
 
سأل رئيس قناة «فوكس نيوز» السابق روجر آيلز، متوقفًا وناظرًا لبانون باهتمام: «هل يدرك الأمر؟».
كان يقصد ما إذا كان ترامب يدرك الأمر، فقد بدا أن السؤال بشأن أجندة الجناح الأيمن: هل حقا يدرك الملياردير المستهتر القضية الشعبوية للرجل العامل؟ ولكنه كان محتملاً أنه سؤال عن طبيعة السلطة ذاتها. هل يدرك ترامب أين وضعَه التاريخ؟
 
أخذ بانون رشفة من الماء وقال بعد تردده لوهلة زادت عن حدّها: «يدرك.. أو يدرك ما يدركه».
 
وبنظرة جانبية استمر تحديق آيلز لبانون وكأنه ينتظر أن يظهر الأخير المزيد من كروته.
 
فقال بانون: «حقا، إنه مع البرنامج، إنه برنامجه». وابتعادًا عن ترامب نفسه اندفع بانون نحو أجندة ترامب: «سننقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس فى اليوم الأول. نتنياهو داخل كليًّا، وشلدون» -شلدون أديلسون، ملياردير الكازينوهات والمدافع اليمينى المتطرف عن إسرائيل ومؤيد ترامب- «داخل كليًّا.. نحن نعلم إلى أين نسير فى هذا الشأن».
 
سأل آيلز مُرتابًا: «هل يعلم دونالد؟».
 
ابتسم بانون -كما لو كان يغمز تقريبًا- وتابع: «دع الأردن تأخذ الضفة الغربية، ودع مصر تأخذ غزة. دعهم يتعاملون مع الأمر، أو يغرقون وهم يحاولون. السعوديون على الحافة، والمصريون على الحافة، جميعهم يخاف حتى الموت من بلاد فارس.. اليمن وسيناء وليبيا.. هذا الشىء سيئ؛ ولهذا السبب روسيا أساسية جدا.. هل روسيا بهذا السوء؟ إنهم أشرار. ولكن العالم ملىء بالأشرار».
 
وقدم بانون كل هذا بشىء من الحماس. وكأنه رجل يعيد تشكيل العالم.
 
وقال آيلز ضاغطًا على بانون: «ولكن من الجيد أن نعرف أن الأشرار أشرار. ربما لا يعلم دونالد».
 
 
وقعوا فى بعض
 
 
أيًّا كان سبب الاجتماع الروسى، وأيًّا كان السيناريو من الثلاثة المطروحة يصف بدقة كيف اجتمعت معًا هذه المجموعة المرعبة والهزلية، فبعد عام لا يشكك أحد فعليًّا فى أن دون الابن قد أراد أن يعرف والده أنه اتخذ المبادرة.
 
وقال بانون مندهشًا وساخرًا بعد فترة ليست بالطويلة من الكشف عن الاجتماع: «احتمال أن دون الابن لم يصعد بهؤلاء الفشلة الحمقى إلى مكتب والده فى الدور السادس والعشرين، صفر».
 
وتابع بانون مشككًا: «أكبر ٣ رجال فى الحملة الانتخابية ظنوا أنها فكرة جيدة أن يلتقوا مع حكومة أجنبية داخل برج ترامب فى قاعة مؤتمرات فى الدور الخامس والعشرين، دون أى محامين. وحتى إذا لم تكن تعتقد أن هذه خيانة أو عدم وطنية أو هراء -وأعتقد أنها كل ذلك- كان ينبغى أن تتصل بمكتب التحقيقات الفيدرالية فورًا، وحتى إذا لم تفكر فى القيام بذلك وكنت عديم الأخلاق كليا وأردت الحصول على المعلومات فتعقد الاجتماع فى فندق (هوليداى إن) بمانشستر فى ولاية نيو هامشاير، بينما يقابل محاموك أولئك الناس ويمرون على كل شىء، ثم يأتون ويعلمون محاميًا آخر شفهيًّا باختصار، وإذا كان هناك شىء ساعتها تعمل على كيفية إلقائه على (برايتبارت) أو شىء من هذا القبيل، أو ربما مطبوعة أكثر شرعية. لكن أبدًا لا تراه، وأبدًا لا تعرفه لأنك لست بحاجة، ولكن تلك كانت الأدمغة الثقة المتوفرة لديهم».
وقال بانون عن التحقيق الخاص: «أتدرك إلى أين يسير هذا؟ الأمر كله عن غسيل الأموال، لقد اختار مولار وايزمان أولاً، وهو رجل متخصص غسيل أموال، وطريقهم للانتقام من ترامب يمر عبر بول منافورت ودون الابن وجاريد كوشنر. إنه بوضوح الشعر الموجود على وجهك، يمر عبر كل هراء كوشنر. سيأتون بالرجلين ويقولون العبنى أو بدلنى. ولكن (حصانة السلطة التنفيذية!)». سخر بانون متابعًا: «(لدينا حصانة السلطة التنفيذية!) لا توجد حصانة للسلطة التنفيذية! لقد أثبتنا ذلك فى (ووترجيت)».
 
وبدا أن بانون، وهو رجل معبر، قد أنهك نفسه فجأة. وبعد لحظة صمت أضاف بضجر: «إنهم يجلسون على شاطئ ويحاولون وقف إعصار من الفئة الخامسة».
 
وبينما كانت يداه أمامه أشار إلى دائرة حوله من شأنها أن تعزله عن الخطر، وقال: «ليست قضيتى، حول ترامب ٥ عباقرة: جارڤانكا وهوب هيكس ودينا باول وجوش رافيل». وألقى بيديه فى الهواء مجددًا هذه المرة وكأنه يقول: «حلوا عنى»، متابعًا: «لا أعرف أى روس، لا أعرف أى شىء عن أى شىء، لست شاهدًا، ولم أوكل محاميًا. لست أنا من سيجلس أمام ميكروفون على شاشات التليفزيون الوطنى ليجاوب عن أسئلة. هوب هيكس لا تعرف أصلاً، سيلقون بها، سيكسرون دون الابن، مثله مثل البيضة على شاشات التليفزيون الوطنى. مايكل كوهين كُسر مثل البيضة، وقال لى الرئيس إن الجميع كان ليعقد اجتماع دون الابن مع الروس، فقلت: (لن يعقد الجميع هذا الاجتماع)، وقلت: (أنا ضابط بحرى، ولن أعقد اجتماعًا مع مواطنين روس، ولن أعقده فى المقر، هل جننت بحق الجحيم؟)، ويقول ترامب: (ولكنه ولد جيد). لم يكن هناك مثل هذه الاجتماعات بعدما توليت الحملة».
 
 
بهرجة سعودى على كيفه
 
فى شوارع الرياض الخالية، مرّ الموكب الرئاسى على لوحات دعائية تحمل صورًا تجمع ترامب مع الملك السعودى (والد ولى العهد الأمير محمد بن سلمان «إم. بى. إس» البالغ من العمر ٨١ عامًا) وفى أسفلها كلمات «العزم يجمعنا».
وبدا جزئيًّا أن حماس الرئيس قد تولّد من واقع، أو ربما نتج عن مبالغة كبيرة فى شأن ما قد تم الاتفاق عليه فى المفاوضات التى سبقت الرحلة. فى الأيام السابقة على مغادرته كان ترامب يقول للناس إن السعوديين سيمولون وجودًا عسكريًّا جديدًا كليًّا فى المملكة، ليزيح، بل ليستبدل مقر قيادة الولايات المتحدة فى قطر. كما كان سيكون هناك «الانفراج الأكبر فى تاريخ المفاوضات الإسرائيلية/ الفلسطينية»، سيكون من شأنه «تغيير قواعد اللعبة.. كبير كما لم نرَ من قبل».
 
فى الواقع، كانت نسخته لما كان سيتم تحقيقه نقلة نوعية أبعد مما تم الاتفاق عليه فعليًّا، ولكن لم يبدُ أن هذا غيّر مشاعره الحماسية والسعيدة.
 
كان السعوديون سيشترون فورًا أسلحة أمريكية بـ١١٠ مليارات دولار، بمجموع ٣٥٠ مليار دولار خلال ١٠ سنوات. وأعلن الرئيس: «استثمارات فى الولايات المتحدة بمئات الملايين من الدولارات ووظائف.. وظائف.. وظائف»، بالإضافة إلى أنه سيواجه الأمريكيون والسعوديون معًا «رسائل التطرف العنيف، وسيعطلون تمويل الإرهاب وسيحسنون التعاون الدفاعى»، وسيؤسسون مركزًا فى الرياض لمحاربة التطرف. وإذا لم يكن هذا بالضبط السلام فى الشرق الأوسط، فالرئيس، بحسب وزير الخارجية «يشعر بأنه ثمة لحظة هنا، وسيتحدث الرئيس لنتنياهو عن تقدم العملية، وسيتحدث مع الرئيس عباس حول ما يشعر بأنه ضرورى لأن ينجح الفلسطينيون».
 
كانت كلها صفقة ترامبوية كبيرة. فى الوقت نفسه تنقلت العائلة الأولى -ترامب وميلانيا وإيفانكا وجاريد- فى عربات جولف ذهبية، وأقام السعوديون حفلاً تكلّف ٧٥ مليون دولار على شرف ترامب، حيث جعلوه يجلس على كرسى أشبه بالعرش.
 
وتم استدعاء ٥١ دولة عربية ومسلمة من قبَل السعوديين ليتوددوا لترامب. واتصل الرئيس بأصدقائه فى الوطن ليحكى لهم عن طبيعية وسهولة الأمر، وكيف أن أوباما قد أفسده كله لسبب غير مفهوم وعلى نحو مشتبه به. وأكد الرئيس لملك البحرين «حمد بن عيسى آل خليفة» قائلاً: «كان هناك بعض التوتر، ولكن لن يوجد توتر مع هذه الإدارة».
وداعب الرجل المصرى القوى عبد الفتاح السيسى، الرئيس باقتدار، وقال: «أنت شخصية فريدة قادرة على القيام بالمستحيل». (وردًّا على السيسى قال ترامب: أحب حذاءك. هذا الحذاء يا رجل..».
 
كان، بطرق دراماتيكية، تحولاً فى أسلوب واستراتيجية السياسة الخارجية، وكان أثره شبه فورى. أعطى الرئيس متجاهلاً، إن لم يكن متحديًا مشورة السياسة الخارجية، إشارة بالموافقة على خطة السعوديين لمضايقة قطر. وكانت وجهة نظر ترامب أن قطر تقدم دعمًا ماليًّا للجماعات الإرهابية. لا تنتبه للتاريخ السعودى المماثل، فالمنطق الجديد كان أن فقط بعض أعضاء العائلة المالكة السعودية قدموا مثل هذا الدعم. وفى خلال أسابيع من الرحلة، أجبر «إم. بى. إس» باعتقاله محمد بن نايف (إم. بى. إن) فى نصف الليل الأخير، على التخلى عن منصب ولى العهد ليتولاه «إم. بى. إس» نفسه. ويقول ترامب للأصدقاء إنه وجاريد قد هندسا هذا الأمر: «لقد وضعنا رجلنا فى القمة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات