.

داعش.. «أفاعى الصخور»

Foto

السيد باتريك كوكبيرن يرى فى تاريخ العاشر من يونيو ٢٠١٤، حيث سيطر «داعش» على الموصل، عاصمة شمال العراق، بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات انتصر خلالها على جيش دولة العراق


ظل الغرب، أمريكيًّا كان أو أوروبيًّا، يتفرج على استعراضات أفعى الصخور ظانا منه أنها هناك.. بعيدًا، وأنها قد تتولى عنه مهام تخليصه مما لا يرغب، وإعادة الترتيب بما يتوافق مع مصالحه، وأن مدى لدغاتها لا يقارب حدوده، ثم ها هو، فى دوامة كارثة، كارثة أن عِش الأفعى مدفوس فى صدره!


والحقيقة أنه من بين أوساط هذا الغرب نفسه، نَفَر قليل كانوا على بينة من أن الأفاعى على شاكلة «داعش» لا يطول بها «الكمون» وإن طال الشتاء. ولعل السيد باتريك كوكبيرن، مراسل the independent وFinancial Times والكاتب المنتظم لـLondon review of books.. هذا الصحفى صاحب كتب ثلاثة عن أوضاع العراق ما بعد الغزو، وكانت مقاربته واستشرافاته لظهور أفعى «داعش» وتطورها الأقرب لما جرى ويجرى، بادئًا من المنتصر الوحيد فى الحرب الجديدة، حرب العراق.

العراق التى كانت المفتتح، كان داعش، أو الدولة الإسلامية فى العراق والشام، حيث الخلافة التى «تشرعن» -من الشريعة- الجز والنحر والذبح، وتستخرج من ضعيف الحديث ما تستند إليه.


السيد باتريك كوكبيرن يرى فى تاريخ العاشر من يونيو ٢٠١٤، حيث سيطر «داعش» على الموصل، عاصمة شمال العراق، بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات انتصر خلالها على جيش دولة العراق الذى أُنفق عليه واحد وأربعون مليار دولار منذ عام ٢٠١١، لكن هذا الجيش تلاشى أمام داعش الذى لم يكن إلا ألفا وثلاثمئة. يستقرئ لنا السيد باتريك هذه الهزيمة التى يراها واحدة من أكبر الهزائم العسكرية فى التاريخ، والتى كانت الأجزاء الشمالية والغربية من العراق، أرض البدء فى تأسيس الدولة الجديدة، دولة الخلافة التى سوف تضم كل العراق وسوريا، والتى وصفها أبو بكر البغدادى «إنها دولة حيث العربى وغير العربى، الأسود والغربى، جميعا إخوة.. سوريا ليست للسوريين، والعراق ليس للعراقيين؛ الأرض ملك لله». وهذا الكلام فطن إلى كنهه البعض وأساء تقديره البعض الآخر.. لكن الأهم أن هناك من أدركه وتعامى قاصدا، ظانا أنها «أفعاه» وهو ساحرها، التى ألقى إليها بما «يسمنها» وأنها لن تنسى له ذلك.


لقد استغرق العالم وقتا أكثر من اللازم قبل الوعى بحقيقة «الموقف الداعشى». صُعق العالم من أرقام ضحايا داعش من المسيحيين والإزيديين، ثم فى تكريت وسبايكر. سقوط الموصل أذهل العراقيين، وكانت النقطة التى هزت الأرض من تحتهم. تغيرت جغرافيا العراق السياسية، تحت أنظار شعبه، وأصبحوا على بعد ساعة من شمال العاصمة، ويبدو أنه كما اعتاد العراقيون بعد فترة الحرب الطويلة، المجازر والاحتلال والديكتاتورية.. دخل التوحش، لم يكن لاندهاشة العالم مدى زمنى يدفعه للوقفة الواجبة.

الاستراتيجية العسكرية لداعش، هى التحرك بين الصخور كالأفعى، تنقض كالصاعقة لتتخلص أو تحقق الهدف «السهل»، والسهل هنا له معنى مزدوج، يعنى سهولة التحقق وسهولة النجاة.

لا ينجر داعش إلى معركة مستمرة.

أسلوب القنص تمت تجربته فى داخل العراق وانتقل إلى خارجه.


يطلق السيد باتريك عبارة «نشوة قليلة التبصر» أو محدودة البصيرة. وكانت المحصلة لانتصار داعش، والذى يكتشف العالم الآن كارثيته بما فى ذلك الخليج السنى حيث كان ظهور داعش وتنميته، هى شفاء غليل الدول السنية باتجاه الشيعة.


يتشابه داعش كما يقول السيد باتريك وفاشية إيطاليا وألمانيا. لقد منح السنة دورا قائدا لحركة تتعامل بالمرصاد معلنة أنها تنفذ أومر إلهية! المجازر والخوف هو الذى سوف يرسم الخرائط. النقطة التى يسيطر عليها الداعشيون هى أضخم بكثير جدًّا من تلك التى كان يسيطر عليها بن لادن الذى كان من المفترض أن يعد قتله عام ٢٠١١ ضربة قاسية للإرهاب العالمى.. التوسع داخل وخارج العراق والشام، وصدمة الغرب لا محل لها من الإعراب، خصوصا بالنسبة للغرب الذى سبق وأعلن أنه مصدوم من توسعات داعش فى الفلوجة والرقة والموصل وتكريت، وإن كان هناك نوع من التضليل كما يقول السيد باتريك نتج عن قصور من أطلقوا على أنفسهم «مراسلين عسكريين».


إن انتصار داعش فى العراق عام ٢٠١٤ أتى مفاجئا للإعلام الغربى؛ لأن إعلامه كان قد توقف عن التغطية الحقيقية، وهذا النقص، كما يقول باتريك، كان مناسبا للحكومات الغربية بالذات لأنه مكَّن هذه الحكومات وعلى الأخص حكومة الولايات المتحدة، من التقليل من الفشل فى مواجهة الإرهاب.

هناك ما يسميه باتريك «تضليل الذات»، فحين يتحدث أوباما فى مايو ٢٠١٤، عن دور أمريكا فى العالم، قال إن الخطر على أمريكا لم يعد يأتى من تنظيم القاعدة المركزى، إنما من المتطرفين وتنظيمات القاعدة غير المركزية، الذين يملكون برامج تتركز على البلدان التى يقومون بعملياتهم فيها.. مضيفا أن امتداد الحرب فى سوريا يجعل قدرة الجماعات المتطرفة على الانتقام منا تزداد.

وما الحل من وجهة نظر أوباما؟ الحل يكمن فى تكثيف الدعم لأولئك الذين فى المعارضة السورية والذين يشكلون أفضل بديل للإرهابيين. ومع حلول شهر يونيو طلب من الكونجرس خمسمئة مليون دولار لتدريب وتجهيز المعارضة السورية على نحو «مناسب ودقيق».. هذا ما يطلق عليه السيد باتريك «تضليل الذات»، لماذا؟ لأن لا داعش وجبهة النصرة الممثلان الرسميان لتنظيم القاعدة، بالإضافة إلى آخرين، هم المهيمنون على المعارضة السورية العسكرية، وليس هناك ما يفصلهم عن حلفاء أمريكا.

واحد من ضباط مخابرات بلد شرق أوسطى يقول إن أعضاء داعش يمتلئون بالسرور عندما ترسل أسلحة متطورة إلى أى من الجماعات المعارضة للأسد لأن ذلك يمكنهم دائما من الاستيلاء على أسلحتهم بالتهديد أو الشراء.. يعنى ببساطة أمريكا تعلم أنها تدعم داعش عندما تدعم المعارضة السورية، أو عندما تدعم قطر أو تركيا ببيعها سلاحا، هذا السلاح يذهب إلى داعش عبر المعارضة السورية.

فشل الدعم الغربى فى الإطاحة بالأسد لكنه زعزع بنجاح تام استقرار الإقليم وربما ما نواكبه.


لماذا فشلت الحرب على الإرهاب منذ سبتمبر ٢٠٠١؟ لأنه لا يمكن أن تعلن حربا على الإرهاب دونما مواجهة للسعودية وباكستان، حليفى الولايات المتحددة، ولا غموض؛ لأنه من الثابت أن خمسة عشر إرهابيا من التسعة عشر كانوا سعوديين، وبن لادن نفسه من النخبة السعودية، والتمويل دائما من الخليج.

أما باكستان فقد لعبت الخدمة العسكرية والجيش دورا رئيسيا فى وصول طالبان إلى الحكم، وبعد سبتمبر استأنفت باكستان دعمها لطالبان.


أهمية السعودية فى تغذية وعودة القاعدة مبعثها ليس فقط القدرة على التمويل، لكن عنصر الترويج لأفكار الوهابية التى هى الصيغة الأصولية للإسلام، وهى الصيغة الحاضنة للتطرف الفكرى الذى يرى فى المسيحية واليهودية هرطقة، ومعهم كذلك الشيعة والصوفية. داعش ومن قبله القاعدة يرتكزان على المبادئ الوهابية وهى البطانة الأيديولوجية.

الوهابية تسيطر على الإسلام السنى من بلد لآخر بالمال وتربية نوعية من شيوخ المساجد، وتعبر عن كراهية لكل ما عدا الوهابية من شيعة وحتى من سُنة غير وهابية.

تسميم العلاقة بين الشيعة والسنة، والهيمنة المتزايدة للوهابية داخل المجتمع العالمى لهو كارثى الأثر على العالم كله، وليس على المليار ونصف المليار مسلم وحدهم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات