.

خريف .. «شيكاغو»  فررت بك ومعك.. إليك 

Foto

على مدى الشوف، وأينما وليت البصر، فى تلك الضاحية الشجرية «هايد بارك» جنوب العاصمة شيكاغو، حيث تتمدد براحتها الأبنية العتيقة القوطية لجامعة شيكاغو


كانت هى نفسها «ضاحية هايد بارك» بذات الأشجار، بألوان أوراقها المتراوحة بين الأصفر والبرتقالى والأحمر، وقد امتدت أبسطتها الخريفية.. ما زالت كثافة الأوراق العالقة بالأشجار كبيرة، بعد لم تتعرَّ الأفرع السميكة. أتذكر أول مرة رأينا الرجل الوسيم (حاملاً مكنسة أوراق الشجر على كتفه) ألقيت عليه تحية الصباح بينما كان منهمكًا فى شفط خليط أوراق الشجر الذى يكاد تختفى تحته أرضية الشارع.

على مدى الشوف، وأينما وليت البصر، فى تلك الضاحية الشجرية «هايد بارك» جنوب العاصمة شيكاغو، حيث تتمدد براحتها الأبنية العتيقة القوطية لجامعة شيكاغو، كجزر متلاصقة فى بحور الخضرة التى يتقافز عبرها وبرشاقة وخفة منقطعة النظير، ذلك الحيوان دقيق الحجم، لامع العينين صديقى «السنجاب».


ما زلت أصادق السناجب، لكن أحدًا لا يمازحنى ولا يهددنى بصورة ألتقطها وأنا أحاول تسلُّق شجرة! كم أحبك حين تعيدنى طفلة.

كان لى مقعدى المواجه لمبنى الكلية التى كنت تدرس فيها.. نسير معًا، أوصلك إلى مكان الدرس، بعد أن نحكم «المنافذ» كما تسميها: الطاقية الصوف والكوفية وشراب الصوف، والأهم طبقات داخلية أسفل ما ترتدى، كى تتأهب للخطو فى مدينة «الريح»، كى تجلس على مقعد «جيمس هنرى برستد» الأمريكى الأشهر بين علماء المصريات، فى مبنى المصريات بجامعة شيكاغو. عندما أخبرتنى أنهم تقديرًا لك وإكرامًا قد منحوك حجرة ومكتب جيمس هنرى برستد، وأنك شديد التأثر لهذا التقدير، قلت دون ترتيب «شوف أنت بقه من درب الطبلاوى والدرب الأصفر إلى كرسى (برستد)!»، كنت أحس فى ما ورد على ذهنى من معنى أنه يلخص مشوارك، أنت «العصامى» فى كل شىء.. أنت لى «مجرة»، «كون» من المعانى، وأنت سكنى.. أعطيتنى «آى بود» عليه مجموعة من أحب أغانى محمد فوزى إلىّ، أضعه فى أذناى وأبدأ من خلاله يومى فى هايدبارك. يومى أنت محوره، فى البدء والختام، حتى حين كنت أحمل فى داخلى امتدادك وأعمل، كانت هندسة اليوم يحدد ملامحها ميقاتك.


نفس المدينة فى نفس التوقيت، خريف ٢٠١٥، بخطى ثقيلة لا تلوى على شىء أهيم، أحملك داخلى، أطوى عليك أجنحة تربت فى أحضانك، أجنحة أنت منبتها وراعيها. لا تسير إلى جوارى واضعًا ذراعك اليسرى على كتفى، متّكئًا على العصا بيدك اليمنى كما كنّا فى خريف ٢٠١٣، (بعد ثلاثة أشهر من ٦/٣٠)، وأذكر التاريخ مغزى.

نقطع طريقًا قصيرًا من بيتنا فى عمارة «دورشستر» العتيقة الواقعة على ناصية شارع ٥٨ مع جادة دورشستر، إلى مبنى كلية «البزنس»، نتناول إفطارًا بداية اليوم. كنت تعانى من إصابة فى الدم وضعتنا قاب قوسين أو أدنى.. كانت البداية فقدانًا للشهية بدأ وئيدًا مع نهايات يناير إثر واقعة مع ناشر اشتممت منه غدرًا بإبداعك.

كان وقتًا «أفعوانيًّا» بامتياز، ثعابين التفوا حول أعناق الوطن، وأفعى مرض خبيث تسلل إلى الدم، أوهنك إلى حد فاق علّة القلب. كان انخفاض الهيموجلوبين بمعدلات تستدعى نقل الدم، صار مقلقًا للغاية، درنا كعب داير على الأطباء، نفتّش عما يجعل الهيموجلوبين فى تناقص مستمر، كأنما التفسير الشعبى يتحقق «حرقة دم».. كنّا معًا نتكلم وأتوسل إليك: «خفف الوطأة»، لكنك لم تكن أبدًا من ذوى البال الخالى أو حتى المشغول بقدر لا يسبب الاحتراق، المهم بعد سعى شهور، هدانا الله إلى بداية طريق للعلاج، لكن كانت المشكلة التزامك بالتدريس فى جامعة شيكاغو، كنّا على مشارف قرار: هل تعتذر بسبب المرض؟ لم تكن أنت الذى يخل بالتزام عمل أيًّا كان السبب، حتى لو كان المرض. أسالك فترد: «حتى لو باموت يا ماجدة».


قبل عامين بالتمام والكمال وصلنا معًا، دعتك جامعتها لتحاضر دارسى الدكتوراه فيها، عن «شغلك».. نعم لم يكن موسمًا دراسيًّا عاديًّا، كانت تجربة فريدة: لَك ولهم، أن تدخلهم إلى «عوالمك السحرية»، تكشف ما تكشف وتوارى ما توارى، تفك «الضفيرة»، تترك أنهار كشفك تتهادى بين جنبات آتية من كل فجٍّ عميق، ترفع الغطاء عن الطريق والطريقة، وصولاً إلى «كنزك السردى» و«مكنونك الروحى»، كل ذلك كان متروكًا لك، أنت المحاضر وأنت الموضوع. هكذا كانت نقطة البداية.


حين تلقيت العرض من جامعة «شيكاغو» كانت عيناك تطالعان سريان نهر بعيد يقطع نيويورك، فى «ويليامز برج» «الآيست ريفر»، على مقعد مختار فى مواجهة شرفة زجاجية بعرض وطول الحائط، فى بيت «الحَبُّوب» فى نيويورك. «الحَبُّوب» كما كنت تحب أن تنادى، طبعتك الأنثوية: «ماجى» أو ماجدة الصغيرة.


تقطع لأجل «طلة عينيها» آلاف الكيلومترات، كى تطفئ شوقًا مستعرًّا، منذ انتقلت إقامتها إلى هناك، إلى نيويورك.. يفصلك عنها بحر ومحيط وسهول وجبال، وأنت الذى لم يكن يغمض لك جفن قبل أن تدق باب حجرتها برقة وإيقاع راقص لتقول لها: «تصبح على خير يا حَبُّوب».

ثمانى سنوات تعذبنى وتعذب نفسك قبلى بسؤال ثابت.. بعبارة لا تتبدل: «أين كان عقلى من قلبى لما وافقت؟»، مفهوم طبعًا وافقت على إيه «.. هى أقدار ومصائر يا جيمى»، أقولها بحكمة جوفاء، مدعية، اكتشف أن وقعها لا يهون بقدر ما يوجع، أفتعل المشاكسة المغرضة.. أغيّر الموضوع.. ولو حتى أسالك: هى الساعة كام دلوقت؟! المهم أن أفر بك من تلك اللحظة، ولما تصر لا أجد إلا عبارة أمى «يعنى هو فى حد بيقعد جنب أبوه طول عمره!».


استعنت بـ«الحَبُّوب» (بفتح الحاء وتشديد الباء المضمومة) لإقناعك، بقبول عرض جامعة شيكاغو، كنت أعرف أنه مع أول نطقها لـ«جيمى» سوف تنصت أنت بجدية، وهى تفكك لك الموضوع بالورقة والقلم كعادتها. لم تكن مثل هذه العروض تثير حماسًا لديك، وحجتك جاهزة: أنا ملىء بالمشروعات.. محتاج يوم فوق اليوم.. أحسن لى أكتب رواية... ولم يكن عرض شيكاغو هو العرض الأول من نوعه، سبقته عروض مماثلة من جامعات فرنسية وألمانية. لكن عرض جامعة شيكاغو جاء تاليًا لفترة عصيبة على كل الأصعدة، وقبل انكشاف الغمة الكبرى، غمة الإخوان. كنّا نهاية عام ٢٠١٢، عقب سنوات من الاختبار، يمتحننا خلالها الله سبحانه وتعالى.. فى ٢٠٠٩ بدأ ما ألمّ بى، وفى ٢٠١٠ وقبل أن أنهى علاجى أجريت أنت العملية رقم اثنين «قلب مفتوح، تغيير صمامَين وأربعة شرايين».


فى مجلس شورى يترأسه «الحَبُّوب» أتت ماجى بالأوراق والقلم، قسمت صفحة ورقية إلى قسمين، وبملكات حقوقية وصلت إلى «المبتغى»، ساعدت فى أن قبول الفكرة ليس فقط لما سوف تمدك به من تجديد وحيوية، بل لأنها سوف تسمح لشهور «بمجاورة الحبوب» فلا تفصلك عنها غير ساعتين بالطائرة.
طيب قوم يا جميل افتح «الإيميلات» ورد لنا على الجامعة.


وأزهو باللقب.. أقفز.. معلنة للدنيا: «أنا الجميل»! فى قرارة نفسى كنت وما زلت آتية بانتمائى إليك.. ذهبت موافقتك إلى جامعة شيكاغو مصحوبة بتصورك للكورس واستمرّت مداولات رايحة جاية.


كنّا نعيش «أتونًا» اسمه حكم الإخوان. لا أتذكرك وقتها إلا ممسكًا بقلمك، أو عيناك مصوبتان نحو البث التليفزيونى. من المكتبة استخرجت أسلحة تقاوم بها ما سمّيته «احتلالاً» وزحفًا يستهدف الهوية، ومن خزائنك أخرجت دفوعًا وانقضتت عليهم «بالفكر»، لم أرَك من قبل بهذا القدر من «الأعصاب المكشوفة» والتوتر، ولعلها الفترة الممتدة نسبيًّا الوحيدة التى لم «تكتب فيها إبداعًا».. كنت أحس تمزُّقك.. كيف تترك «البلد» وكابوس جاسم على صدرها، وتجلس إلى المكتب لتكتب إبداعًا؟ لم أعرف لك ولنا همًّا خاصًّا منذ لقيتك قبل واحد وأربعين عامًا، كنّا حالة أُسرية فريدة، موثوقين برباط لا فكاك منه، تتغلغل أنت بذراتك فى مسامنا، كأنك «نبى بأفكارك ونحن المريدون»، حتى حين تجمعنا مائدة الطعام أو قعدة.. كنّا نعى فى ارتباط حياتنا بك وبمصر بديهية أشبه بمسلمات الرياضيات حتى حين تهدّد الإخوان حياتك وعرض بعض محبيك فرصًا لحياة فى بلدان شقيقة كان ردّك «أنا غير قابل للتصدير».


لم تكن تحب مصر بأهازيج، بل بمعرفة.. عرفتها وقرأتها وحفظتها حجرًا وبشرًا.. تاريخًا وجغرافيا، وأورثت ذلك لمحمد وماجى.. أنت العارف بمَن تحب والعارف بالمكانة التى كنت تحكيها حواديت لابنينا ثم لحفيدنا، كأنك تحفر الاستمرار.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات