.

بعد ثورتَين ودستور.. هل عُدنا إلى انتخابات رئاسة بلا منافسة؟!

Foto

كيف كنا نتمنى أن تكون عملية انتخاب السيسى لفترة جديدة ترسيخًا لحياد الدولة وتداول السلطة؟


 

بعد انسحاب الفريق شفيق أصبح الرئيس السيسى ينافس نفسه فى انتخابات الرئاسة القادمة، وهذا ما لم نكن نتمناه للرجل، فهو بحجم ما أنجزه لمصر يستحق الكثير. وآخر ما كنا نتمناه أن تتحول عملية انتخابه إلى مهرجان مبايعة، بل كلنا أمل أن تكون عملية انتخابه داعيةً لترسيخ ثلاثة مبادئ رئيسية، أولًا أن الدولة محايدة أمام كل الناس وتعطى الجميع نفس الفرصة لخوض سباق الرئاسة. ثانيًا، أن تداول السلطة أمر حتمى ليس فقط فى ظل ثورتَين وفى ظل دستور جديد، ولكن الأهم فى ظل العصر الذى نعيش فيه. وثالثًا، أن الحياة السياسية المصرية قادرة على فرز العديد من الشخصيات المحترمة التى تستطيع خوض انتخابات الرئاسة والمنافسة عليها بشرف.
 
ومع علمنا بأن الفرق شفيق لن يفوز فى هذه الانتخابات على أية حال، فإن مجرد خوضه هذا السباق كان سيعزز المبادئ الثلاثة التى تناولناها للتو، ونضيف إلى ذلك أن فرص الفريق شفيق للاستحواذ على ثُلث أو ربع الأصوات كان أمرًا مرجحًا، مما سيعطى للعملية الانتخابية فرصة هائلة للتعبير عن التنوع الذى هو سمت المجتمع المصرى. فالناس فى مصر تنقسم فى ظل رئاسة الرئيس السيسى إلى قسمَين، قسم مؤيد له وهو الأكبر، وقسم آخر غير راضٍ وهو الأقل، وكنا نريد لهذا القسم غير الراضى أن تكون له فرصة للتعبير عن نفسه وعن مصالحه عبر مرشح محترم يستطيع خوض سباق الرئاسة ومنافسة الرئيس السيسى.
 
فماذا سيكون شكل انتخابات الرئاسة بعد غياب الفريق شفيق عن السباق، بعد أن أعلنت اللجنة موعد فتح باب الترشح يوم ٢٠ يناير الجارى، وأن النتيجة ستُعلن يوم ٢ أبريل؟
 
إلى الآن يبدو أن السيسى سيكون عليه منافسة نفسه، والتحدى فى هذا المضمار سيكون فى عدد الناس التى ستذهب إلى صناديق الاقتراع، فلماذا يبادر الناس بالتصويت ما دام غاب المنافسون والرجل يترشح شبه منفرد؟! وهذا بالضبط ما لم نكن نتمناه للرئيس السيسى، وعلى أى حال سنرى ماذا ستسفر عنه الأيام القادمة بعد إعلان جدول العملية الانتخابية الذى يشمل توقيت فتح وغلق باب الترشح، ولو كنت فى موقع الناصح للأجهزة العريقة فى الدولة المصرية، فإن الوقت قد حان للحديث حول السياسة، وما لدينا لنقوله ليس بالكثير وإنما مجموعة بسيطة من الأفكار العامة التى لا غنى عنها لسير العملية السياسية. فكما أن الاقتصاد فى كل بلدان العالم لا يقوم دون شركات، فكذلك السياسة فى كل بلدان العالم لا تقوم دون جماعات مصالح، وهذه الجماعات بحاجة إلى سُبل للتجميع والتنظيم من أجل حشد نفسها وتعزيز مطالبها، وعادة تكون الأحزاب هى هذا الإطار، ولما كانت الأحزاب فى بلدنا «بعافية حبّتين»، فوجب على الدولة ومؤسساتها العريقة التى تريد للحياة السياسية أن تقوم وتستقيم أن تبادر بتطوير العمل الحزبى، لما فى ذلك من أثر أكثر من إيجابى على العمل العام، ونلاحظ فى هذا الصدد أن لدينا نحو 17 حزبًا فى البرلمان، لابد أن نرى لها باعًا فى الحياة السياسية وفى قيادة الجماهير والتعبير عن مصالحها، وإذا كانت هذه الأحزاب لا تستطيع فلابد للدولة مساعدتها حتى تستطيع.
 
وقد يسأل البعض: ما نوع المساعدة بالضبط المطلوبة؟ والإجابة المباشرة هى أن الأحزاب بحاجة إلى المال، لكى تصبح كيانات مؤسسية مستقلة بعيدة عن سيطرة رأس المال، والعمل السياسى الحزبى لابد أن يكون عملًا له عائد مادى مقبول، لكى يصبح لدينا كوادر سياسية حزبية فاعلة ومستمرة.
 
تخيَّل مثلًا أن الشركات تعمل بلا أجر، وأن عملها موسمى مرتبط بموسم حصاد معين، ثم ضع فى الكفة الأخرى حالة اقتصاد قائم على شركات دائمة تعمل طيلة العام وتشهد حالة استقرار نسبى للعاملين فيها، فأى النوعَين أكثر استقرارًا؟ بالطبع النوع الثانى. نفس الشىء فى السياسة، دون وجود أحزاب دائمة لها عمل مستمر غير مرتبطة بموسم الانتخابات، ولكن مرتبطة بتبنى سياسات معينة والضغط من أجل تحقيقها، لما فى ذلك من عائد على جماعات المصالح التى يمثلها الحزب، فإن غياب هذا النوع من العمل العام يساوى تهاوى البنية السياسية إلى لا شىء سوى مواسم المبايعة المعروفة بالانتخابات، وما يحدث الآن فى انتخابات الرئاسة لن يكون بنفس الطريقة فى انتخابات البرلمان القادم، والسبب هو غياب ما يطلق عليه حزب الرئيس، وقد يبدو أن قائمة معينة تمثل الدولة فى الانتخابات، لكن هذا الأمر متغيّر وليس دائمًا. وقد تراهن الدولة على أكثر من قائمة فى الانتخابات القادمة، وفى كل الأحوال هذا حديث سابق عن أوانه، وحتى المحليات تُعتبر حديثًا سابقًا عن أوانه، فنحن لا نعلم متى ستكون وما قانونها ولا أى شىء عنها. ما لدينا الآن هو انتخابات رئاسية تشبه المبايعة، كنا نتمنى أن تكون سباقًا تنافسيًّا حقيقيًّا لصالح ترسيخ مبادئ الديمقراطية وتداول السلطة وتطوير الحياة السياسية فى مصر بعد ثورتَين.. فإلى متى نفوّت فرص تطوير الحياة السياسية؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات