.

فى ذكرى الأرض وحق العودة غير الدم ماحدش صادق

Foto

كيف جسد استشهاد 16 فلسطينيًّا حقيقة العدو الصهيونى بوضوح شديد؟ هل يتمكن قادة السلطة والفصائل الفلسطينية من تجاوز خلافاتهم وانقساماتهم استجابةً للتحديات الحالية؟


١٦ شهيدًا وأكثر من 1400 مصاب يُظهرون الحقيقة مجددًا بأوضح ما تكون، ويعيدون وضع المشهد فى نصابه الصحيح، احتلال عنصرى استيطانى يقمع جنوده شعبًا أعزَلَ، لمجرد تظاهره من أجل حقه فى العودة، ورئيس حكومة متطرف يشيد بجرائم جنوده، ووزير أمن عنصرى يرفض التحقيق ويحذر بالمزيد من القمع والقتل. كل هذا فى وسط انقسام وتشتت فلسطينى يتعالى ويترفع عنه الشعب الفلسطينى المتوحد خلف قضيته لا خلف قيادات ولا فصائل، ووسط عجز عربى مأساوى لا يتوقف عند حدود الضعف، بل يتجاوزه إلى المشاركة فى التآمر على تصفية القضية الفلسطينية، وفى ظل انحياز أمريكى معتاد، بلغ سفوره أقصاه.
هذا هو المشهد، الذى لم يكن الأول، وللأسف لن يكون الأخير، لكنه الرد الأبلغ والأوضح على دعاة صفقة القرن والمتحمسين لها والمشاركين فيها، وحتى المنتظرين لها، وهو أيضًا الرد الأهم على خلافات وانقسامات السلطة والفصائل الفلسطينية وأوهام الصراع بينهم على سراب سلطة لدولة لم تولد، وعلى شعب يبذل على مدار تاريخه أنبل التضحيات بينما يجد قياداته مستمرة فى الانقسام وتبادل الاتهامات فى وقت أحوج ما يكونون فيه إلى التوحد معًا لمواجهة مخاطر تصفية القضية نهائيًّا.
كعادتهم، سارع القادة الفلسطينيون لتحميل الكيان الصهيونى المسؤولية ودعوة المجتمع الدولى إلى التدخل، دون أن يفكروا للحظة فى مسؤوليتهم هم أيضًا عن ما وصل إليه حال فلسطين، ودون أن يدركوا أن تجاوز خلافاتهم وانقساماتهم فى هذه اللحظة الحرجة هو نقطة البداية لتصحيح مسار القضية الفلسطينية، وكعادتهم أيضًا سارع العرب للإدانة والشجب مع تأكيد التمسك بخيار السلام والتفاوض، وهرعوا لاستجداء مجلس الأمن ليصدر بيانًا لا يُغنِى عن كرامة ولا يوقف استمرار المجازر بحق الفلسطينيين، وحتى ذلك فشلوا فيه بصلف أمريكى معهود وتواطؤ دولى مشهود.
الشعب الفلسطينى الذى لا يزال منذ عام 1976 يحيى ذكرى يوم الأرض بمسيرات وإضرابات واعتصامات تؤكد تمسكه بحقوقه التاريخية فى العودة إلى أرضه التى هجر منها واحتلها العدو، يؤكد يومًا بعد الآخر أن مصير القضية الفلسطينية لا يزال ملكًا له وحده، وأنه قادر على استمرار الدفاع عن حقوقه وأرضه، فى ظل أسوأ وضع مرت به القضية الفلسطينية على الإطلاق، وفى مواجهة استعدادات أمريكا وحلفائها لطرح ما يسمى بصفقة القرن آجلا أو عاجلا، فى ظل الحديث عن إشارات تأجيلها لفترة قد تصل إلى عام أو يزيد، قد تكون هى الفترة التى تتصور فيها إدارة ترامب أنها كافية للضغط على حلفائها العرب ببذل أبخس الأدوار لتمرير تلك الصفقة رغم بعض الاعتراضات المحرجة على بنودها، أو استبدال قيادة أخرى تقبل ببنود تلك الصفقة بالقيادة الفلسطينية الحالية، مثلما ذهبت تلميحات السفير الأمريكى لدى الكيان الصهيونى مؤخرًا، فى سابقة قد تكون الأولى من نوعها، لكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة فى ظل استمرار الانقسام الفلسطينى والعجز العربى.
ما جرى يوم الجمعة الماضى من اعتداء صهيونى على الفلسطينيين المحتشدين على الحدود الفاصلة بين غزة والأراضى المحتلة، وما جرى أيضًا من اعتداءات على تجمعات ومسيرات لفلسطينيين فى مناطق أخرى، قد يكون بداية لمزيد من التصعيد خلال الأيام والأسابيع المقبلة، خصوصًا فى ظل ما هو معلَن من استمرار مسيرات وتجمعات إحياء ذكرى يوم الأرض لستة أسابيع مقبلة، وهو ما قد يعنى مواجهات أخرى مقبلة، والمزيد من الجرائم الصهيونية بحق الفلسطينيين المدافعين عن حقوقهم ولو بالهتاف والكلمة والتظاهر، لكن حتى وإن لم تستمر تلك المسيرات والتجمعات، وحتى وإن لم تتصاعد المواجهات، فهناك حقيقة واحدة مؤكدة تثبتها السنوات السبعون الماضية، حتى وإن تجاوزها البعض بحثًا عن سلام دافئ أو تطبيع شامل، وهى أننا أمام أسوأ وأبشع احتلال عنصرى شهده التاريخ، وأنه ليس محض ذكرى فى التاريخ يجوز التسامح معها أو قبولها باعتبارها أمرًا من الماضى، بل هو واقع يومى متواصل ومستمر، وبما لا يمكن معه مجرد تصور أن يتحول إلى صديق وحليف، على حساب شعب كامل وأرض محتلة وجرائم يومية لا تزال متواصلة.
سواء طُرحت صفقة القرن الآن أو بعد عام أو أكثر، وسواء استمرت القيادة الفلسطينية الحالية أو تغيرت، وسواء توحدت الفصائل الفلسطينية على رؤية واضحة وموقف وطنى جامع أو لم تفعل، وسواء استمر العرب فى غيابهم وانشغالهم وتواطؤ أنظمتهم أو تغير هذا الوضع البائس، وسواء قبلت الأنظمة الحليفة، لإدارة ترامب والمراهنة عليها لحمايتها أو لمواجهة إيران نيابةً عنها، أو لغيرهما من الأسباب، بمسار تصفية القضية الفلسطينية أو قاومت قليلا لتحسين شروطه لتتمكن من الترويج له أمام شعوبها، فإن كل ذلك يبقى مرهونًا ومتوقفًا على طرف واحد وحيد، وهو الشعب الفلسطينى، الذى لا يبدو أبدًا أنه سوف يقبل، رغم كل ما يحيط به ويُحاك ضده، بتصفية قضيته وإهدار حقوقه والتلاعب بمصيره ومستقبله، وسوف يظل قادرًا على أن يفاجئنا بصموده وبسالته وتضحياته وإبقاء القضية الفلسطينية فى موقعها الصحيح الذى يُعيد الوعى لمَن فقده، ويفضح مَن يضلله ويشوهه ويتآمر عليه لإقناعنا بقبول العدو فى موقع الحليف، والتعامل مع الاحتلال باعتباره أمرًا واقعًا لا مفر من قبوله والتعايش معه.
منذ اعتراف ترامب رسميًّا بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى فى نهاية العام الماضى، قبل شهور قليلة، ومع قدر محدود من الرفض الرسمى العربى والفلسطينى مقارنةً بتداعيات هذا القرار، فإن الأمور تتغير وتختلف عن ما كان يبدو أنها ذاهبة إليه، وربما تكون المظاهرات الفلسطينية الأخيرة، التى تعد الأكبر منذ سنوات طويلة، حجر زاوية جديدًا لتأسيس مقاومة فلسطينية جديدة يمكنها مواجهة ما هو قادم، خصوصًا مع التطور المقبل المتوقع بنقل السفارة الأمريكية رسميًّا إلى القدس، ورغم أنه يعد تحصيل حاصل مقارنةً بقرار ترامب السابق، فإن دلالة تزامنه مع ذكرى النكبة فى مايو المقبل قد تمثل حدثًا جديدًا نشهد فيه مساحات تؤكد رفض ومقاومة الفلسطينيين للوضع الراهن وتداعياته، وتجهض مبكرًا الكثير من احتمالات وسيناريوهات فرض أمر واقع عليه خلال الشهور والسنوات المقبلة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات