.

فلسطين.. مسيرة العودة حتى العودة

Foto

إلى متى يظل الشعب الفلسطينى ينزف ويقدم شهداءً وأبناء التنظيمات والسياسيون منشغلون بخلافاتهم التافهة؟ هل ستتحرر فلسطين بالذكريات المؤلمة ودماء الشهداء الطاهرة الزكية فقط؟


ستة عشر شهيدًا فلسطينيًّا قتلوا فى إحياء ذكرى «يوم الأرض»، ارتفعوا إلى السماء ليكونوا شهداءً على انتصارهم وهزيمتنا، الأحداث تثبت جريمة إسرائيل المدججة بالسلاح التى تصر على إراقة دماء الفلسطينيين العزَّل، كما تثبت أيضًا مدى إصرار وتشبث الفلسطينيين بأرضهم ولو أدَّى ذلك إلى أن يواجهوا إسرائيل المدججة بالسلاح وهم عزَّل لا يملكون إلا كرامتهم المستمدة من إصرارهم على العودة وتحرير الوطن.

تثبت الأحداث أيضًا فشل وهزيمة الفلسطينيين المسلحين ما دامت الأنانية تحكمهم ورغبتهم فى الانتصار الموهوم على رفقائهم وأبناء جلدتهم، مما أدَّى إلى الاختلاف والشقاق والمزايدة. انتصار البسطاء وهزيمة السياسيين والمسلحين تعنى مزيدًا من القتلى والأسرى والمصابين وسط الشعب الفلسطينى غير المسيس أو المؤدلج، ففلسطين العربية قدمت حتى الآن آلاف من القتلى والشهداء، تشير البيانات الموثقة إلى أن العصابات الصهيونية عندما سيطرت على فلسطين خلال نكبة 1948 احتلت 774 قرية ومدينة، واقترفت أكثر من 70 مذبحة ومجزرة وأدَّت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطينى، كما قدمت فلسطين مئات من الشهداء فى الفترة من 1948 إلى 1956، مع العدوان الثلاثى، ثم من 1956 إلى 1967 قدَّمت أكثر من ثلاثمئة شهيد بدءًا من عمليات «فتح» وتكوين منظمة التحرير، ويضاف إلى ذلك شهداء معارك الأردن عام 1970، وشهداء حصار مخيم تل الزعتر عام 1976، وشهداء الاجتياح «الإسرائيلى» للبنان عام 1978، إضافة إلى شهداء الاجتياح «الإسرائيلى» للبنان عام 1982، الذين بلغوا 9800 شهيد على أقل تقدير، ولا ننسى شهداء مذبحة صبرا وشاتيلا، التى تشير أقل تقديرات لها إلى استشهاد نحو 3000 شخص، كل هذا إضافة إلى شهداء حرب المخيمات التى بدأت من عام 1985 إلى 1989، وسقط فى هذه المعارك قرابة 2500 شهيد، ثم استمر نزيف الشهداء وصولًا إلى الانتفاضة الأولى التى اندلعت عام 1987، فقد بلغ عدد شهدائها 1087، وتلتها انتفاضة الأقصى عام 2000، ردًّا على اقتحام رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون، المسجد الأقصى، وبلغ عدد الشهداء 4412، ثم فى حرب الفرقان «2008- 2009» سقط 1285 شهيدًا، وفى حرب حجارة السجيل عام 2012 بلغ عدد الشهداء 189، أما حرب العصف المأكول عام 2014 فبلغ عدد الشهداء 2147، ويضاف إلى ذلك شهداء الحصار على غزة (ما يقارب 600 شهيد)، وشهداء المعارك فى سوريا (ما يقارب 1600 شهيد)، ومئات المفقودين.
تتعدد المناسبات ويتساقط الشهداء والفلسطينيون البسطاء غير المؤدلجين يزدادون التفافًا حول قضيتهم، إنهم يريقون دماءهم من أجل بقاء ذكرى أرضهم المحتلة باقية كنار سرمدية لن تهدأ إلا بالتحرير الكامل لتراب الأرض من النهر إلى البحر.
لكن هل ستتحرر فلسطين بالذكريات المؤلمة وبدماء الشهداء الطاهرة الزكية فقط، والقتلى هذا العام بلغوا ستة عشر فلسطينيًّا حتى كتابة السطور؟ والمناسبة هذه المرة هى ذكرى يوم الأرض الـ42، تلك التى يحييها الفلسطينيون كل عام فى الثلاثين من مارس، ذكرى للتعبير عن تمسّكهم بأرضهم وهويتهم الوطنية، فقبل قيام دولة إسرائيل كان الفلسطينيون من العرب يعتمدون على الزراعة بنسبة ما يقارب 70 فى المئة كمصدر للعيش، ولكن حرب 1948 أدت إلى هجرة مئات الآلاف من الفلسطينيين لقراهم ومدنهم، وفى 1950 أصدرت إسرائيل قانون العودة، فتوافد من خلالها أعداد كبيرة من اليهود حول العالم.
وفى الوقت نفسه، سنَّت إسرائيل قانون «أملاك الغائبين» الذى قامت بموجبها بمصادرة أراضى اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا أو نزحوا بسبب الحرب، وبالتالى فاليهود الجدد اشتروا تلك الأراضى المصادرة من الدولة، وكان قانون المصادرة الأول تحت اسم تطوير الجليل فى 13- 2- 1976، وبموجبه صودرت أراضٍ لـ«عرب 48» وتحديدًا أراضى المل بالمنطقة رقم 9 الموجودة فى دولة إسرائيل، ثم انكشاف أمر وثيقة «كيننج» فى 1- 3- 1976 من قبل متصرف لواء الشمال فى وزارة الداخلية الإسرائيلية «يسرائيل كيننج»، وهى وثيقة سرية، سمّيت فى ما بعد باسمه، وتستهدف إفراغ الجليل من الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وتهويدها، فكانت سببًا إضافيًّا يدعو العرب إلى اتخاذ موقف من هذه المصادرة، فكان قرار «لجنة الدفاع عن الأراضى العربية» التى انبثقت عن لجان محلية فى إطار اجتماع عام أجرى فى مدينة الناصرة فى 18 مارس من العام نفسه بدعوة الفلسطينيين (عرب 48) للإضراب الشامل، ردًّا مباشرًا على استيلاء الحكومة الإسرائيلية على أراضيهم، ومنع السكان العرب من دخول المنطقة، وأهمية منطقة المل ليس فى مساحتها بل فى مكانتها، فأهل هذه الأرض موجودون ولم يغادروا فلسطين، وتبلغ مساحة أرض المل 60 ألف دونم، كانت تستخدم فى السنوات 1942- 1944 كمنطقة تدريبات عسكرية للجيش البريطانى فى أثناء الحرب العالمية الثانية، مقابل دفع بدل استئجار لأصحاب الأرض، وبعد عام 1948 استمرت إسرائيل تعطى مقابل استئجار الأرض من أصحابها وكانوا يسمحون للمواطنين بالوصول إلى أراضيهم لفلاحتها بتصاريح خاصة حتى عام 1956، عندما قررت السلطات الإسرائيلية إغلاق المنطقة نهائيًّا، بهدف إقامة مخططات بناء مستوطنات يهودية ضمن مشروع «تهويد الجليل»، فشعر الفلسطينيون بالخطر وقرروا إعلان غضبهم ورفضهم المصادرة بالإضراب والمظاهرات، فاستجابت الجماهير، معلنة الإضراب الشامل، وكذلك القيام بمظاهرات حاشدة، وعندما أصبح الخبر منتشرًا خرجت مظاهرة خارج مبنى البلدية وقد فرقتها «الداخلية» بالغاز المسيل للدموع، فقامت الحكومة الإسرائيلية بإعلان حظر التجول على قرى سخنين وعرابة ودير حنا وطرعان وطمرة وكابول، من الساعة الخامسة مساء يوم 29 مارس 1976، وأعلنت الحكومة أن جميع المظاهرات غير قانونية، مهددة بإطلاق النار على «المحرضين»، مثل معلمى المدارس الذين شجعوا الطلاب على المشاركة.
عقب ذلك دعا القادة العرب من الحزب الشيوعى الإسرائيلى، مثل توفيق أمين زياد الذى شغل أيضًا منصب رئيس بلدية الناصرة، تحديد يوم للإضراب العام وللمظاهرات والاحتجاجات ضد مصادرة الأراضى، فتم الاتفاق على أن يكون يوم 30 مارس 1976، فخرج الجميع، حتى إن الطلاب خرجوا من الفصول الدراسية وانضموا إلى الإضراب، وكذلك شاركوا فى المسيرات العامة التى جرت فى جميع أنحاء البلدات العربية فى إسرائيل، من الجليل فى الشمال إلى النقب فى الجنوب، وقد جرت إضرابات تضامنية أيضًا فى وقت واحد تقريبًا فى الضفة الغربية وقطاع غزة، وفى معظم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فى لبنان، انتهت باعتقال ومقتل العديد من الفلسطينيين.
ومن يومها لم يتوقف الفلسطينيون عن إحياء ذكرى يوم الأرض بالمظاهرات والشهداء، ولم تتوقف إسرائيل عن قمعهم وقتلهم، ولم يتوقف السياسيون عن التنديد والشجب والاحتجاج وتخوين الآخر.. لك الله يا فلسطين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات