.

تدنيس الوعى الشعبى 

Foto

هذه الأيديولوجية كانت «غطاءً» للتطرُّف الداعشى الذى.. فضيلة «داعش» الوحيدة أنه فضح الباطنية السياسية لتوظيف الدين كاستراتيجية سلطة


تدنيس الوعى الشعبى بالاعتقادات الخاطئة المتمسحة فى الدين يستلزم مواجهة سياسية ثقافية أخلاقية، تبدأ بفضح العرى الوثيقة، ما بين فكر الإخوان المتغلغل وما بين صناعة التوحُّش، كما يعكسه «داعش»، وإذا كان هناك من ميزة أو فضيلة لـ«داعش»، فإن الفضيلة الوحيدة أنه كشف الخطاب الإخوانى «الشعبوى» الذى يتحدَّث، منذ حسن البنا حتى سيد قطب ويوسف القرضاوى، فى الإسلام دينًا وعقيدةً، دولة وشريعة ومنهج حياة، علمًا وأدبًا وأخلاقًا وهوية، أمة وسياسة واقتصادًا وحسبة وجيشًا ومخابرات.


هذه الأيديولوجية كانت «غطاءً» للتطرُّف الداعشى الذى.. فضيلة «داعش» الوحيدة أنه فضح الباطنية السياسية لتوظيف الدين كاستراتيجية سلطة، وأنها اختصرت على المفكرين عشرات وربما مئات الكتب والدراسات، للرد على أطروحات «العودة إلى الوراء» لبناء خلافة على النهج الإسلامى أو نهج النبوة، «داعش» وليس غيره هو مَن أسقط «الهالة» عن مفهوم الحاكمية لله وهو الذى ترجم مفهوم جاهلية القرن العشرين لسيد قطب على أرض الواقع، وهو الذى جعل التكفير سنة وحوَّل التوحُّش إلى منهاج حياة.


يحدّثنا الدكتور هيثم مناع، رئيس المعهد الإسكندينافى، والمفكر والحقوقى الذى جمع ما بين دراسة الطب والأنثروبولوجيا والقانون، والرجل الذى تولَّى عبر ثلاثين عامًا عديدًا من المناصب الحقوقية الدولية، لفّ فيها القارات الخمس، وقام عبرها بثمانين بعثة تحقيق دولية، عن تنظيم «الدولة الإسلامية» أو «داعش»، والذى قيمته بعض تقارير دولية فى عام ٢٠١٣ بأنه «ظاهرة محدودة القوة والدعم» فى مقابل تنظيمَى الجبهة الإسلامية والنصرة، على حين كانت رؤية مناع أنه التنظيم الذى انطلق من «نقاط الضعف والقوة» فى المنطقة، وأنه التنظيم الذى امتلك قيادة من ضباط سابقين فى الجيش العراقى.. كان هناك فشل دولى مبدئى فى تقدير مدى خطورة «داعش» الذى تأصلت عقيدة القتال لديه على صناعة التوحُّش، بحيث يسهل وصفهم بأنهم «المغول الجدد»، عن المغول الجدد أتت دراسة دكتور مناع ممثلاً للمعهد الإسكندينافى لحقوق الإنسان، محاولة للتحليل العقلانى لوباء العصر الحديث «داعش».

ترى الدراسة أنه تم تعبيد الطريق الإعلامى والسياسى والعسكرى أمام «داعش» كقوة مسلحة وعقدية إقليمية، بتوطئة من سماسرة دوليين وإقليميين.


دشَّن «داعش» قوته بخطة «التمويل متعدد المصادر» التى سمحت بهامش استقلالى حتى عن «ينابيع» التمويل بالمال والرجال، السلفى الخليجى، كانت تركيا تغطِّى على صفقات بيع النفط السورى تحت أعين وبصر الاتحاد الأوروبى، خيمة التمويل واستقلال التوحش الداعشى الذى قامت قواعد الاستقطاب فيه على استقدام عناصر تتغذَّى على مفهوم المال والسلطة زينة الحياة الدنيا، كان ضباط الجيش العراقى السابقون، عصبهم. تتبع البذرة الداعشية وإن كان يجرنا إلى تكون القاعدة كتنظيم عسكرى سياسى ولد من رحم التمويل العسكرى السياسى، الأمريكى- الخليجى، والتجربة الأفغانية التى توزَّعت فى ما بعد عناصرها على الشيشان والبوسنة، إلا أنه ينبغى القول إن تحرُّك العناصر الجهادية باتجاه العراق جاء تابعًا لحالة الفوضى التى حملها الاحتلال الأمريكى، والقرارات المدمرة التى اتخذها بول براينر بضرب بنية الدولة العراقية وحل الجيش العراقى، فى الوقت الذى احتفظ فيه الأكراد بقوات البيشماركة، فلم يمانعوا، أو الأحزاب الشيعية الإسلامية.


فى تتبع البذرة الداعشية يسجل التاريخ اسم أبى مصعب الزرقاوى الذى قدَّم تصورًا للخلافة، غطَّى ضحالته بالشراسة العسكرية، مطلقًا دعاواه عن ابتعاد الشيعة عن دينهم «عوام الرافضة» الأمر الذى فتح له باب العمليات العسكرية التى تستهدف الجميع، من الطفل للمرأة، مصنفًا كل أى فكر غير جهادى سلفى بالكفر.. تضافرت مصالح الاحتلال الأمريكى ووجدت فى ظاهرة الزرقاوى ضالتها لتغطِّى على جرائمها. الكيمياء الحالية لـ«داعش» نتاج سجنَى «أبو غريب» و«بوكا»، وعمليات الاحتلال لاستئصال المؤسسة العسكرية العراقية. يقول لنا الدكتور هيثم مناع إن الداعشى العراقى وليد «الثالوث المدنى» من حروب إقليمية واحتلال غبى وفشل لحداثة قمعية.


رؤية الدكتور مناع تدعمها طوال الوقت تجارب ميدانية أهلته لحصاد مختلف مسلح برصد الواقع، وبالذات بالنسبة إلى الجسور التى تم من خلالها التئام عناصر القاعدة بضباط الجيش العراقى السابقين، والتقارب الأيديولوجى الذى تم فى المعتقلات الأمريكية والكيفية التى تم بها تأصيل فقه الغلو والرعب منهجًا. الانسجام الداخلى لدولة العراق الإسلامية لم يكن ليتحقق دون اصطناع حالة من النقاء وادعاء امتلاك الحقيقة، مع استعراضات مبالغ فيها لتحطيم المساجد والكنائس وحرق ورجم وصلب وقطع للرؤوس والعداء الأعمى للحداثة.

ما الدور السعودى الذى تغذَّت عليه الفكرة الداعشية وما الانفصام الداعشى وكيف انضم أكثر من خمسة آلاف شاب سعودى وقطرى وكويتى فى أقل من خمس سنوات إلى تنظيم يسعى لإقامة دولة إسلامية فى العراق والشام وليس فى بلدان هؤلاء؟ ظاهرة أبى براء البلجيكى وأبى لقمان الألمانى وأبى محمد الفرنسى وأبى أسامة البريطانى، وكيف لعبت الشهرة التى يمنحها الإعلام دورًا لاستقطاب ما يطلق عليهم د.مناع: «مغفلى المجتمع الأوربى»، ومنحهم جاذبية دور البطل، هؤلاء المهجرون إلى أوروبا، يجرون هذه المرة الديمقراطية المجرمة والعلمانية الكافرة ومجون الغرب من أجل خلافة «طهرانية» تدعى إعادة الناس إلى دينهم وترتقى بهم إلى السماء، دون أن يطرح أى منهم سؤال ألبير كامى: أينبغى اليوم أن تسيل أنهار من الدم لكى يمكن إقامة «العدالة» غدًا؟ وهل يتعيَّن علينا أن نصبح قتلة ليكون عندنا نظام اجتماعى أفضل؟ من العنف إلى التوحُّش.. وآليات انفصام الجهادى عن منظومة القيم التى يعلن الموت من أجلها، واختلاف طبيعة تأثير الأيديولوجيا، كل ذلك استلزم تتبع الأسماء الداعشية وظروف النشأة والتكوين من أبى مصعب الزرقاوى الأردنى إلى أبى عمر البغدادى وأبى بكر البغدادى، ثم مع مشروع الدولة أبى بكر البغدادى وأبى عبد الرحمن الببلاوى، وقائمة طويلة من الداعشية العراقية والسورية عمادها صناعة توحُّش خارج من عباءة سعى للسلطة مستندًا إلى تأويل الدين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات