.

كل سنة ونحن طيبون بـ«على الحجار»

Foto

ما الذى قد يريده مطرب مثل على الحجار أكثر مما قدمه؟ كيف لفنان قدّمه للجمهور الملحن العظيم بليغ حمدى أن يكون متطلعًا لمزيد من النجاح؟ أليس ظهوره على يد هذا الموسيقار نجاحا فى حد ذاته؟


دائمًا ما كانت تمثل لى مناسبة «عيد الميلاد» علامة استفهام كبرى، فكيف يحتفل شخص بانقضاء عام من عمره؟! ألا يحزن على عامه الذى يودعه؟! ألم يشعر بتقصير تجاه دوره يستوجب النظر بأسى إلى العام الماضى وتوجس إلى العام المقبل؟!

ولكنى وجدت فى أعياد الميلاد مناسبة للاحتفال والاحتفاء بأناس تركوا بصمتهم فى الحياة، وقدموا رسالتهم على أكمل وجه، وشاركوا بكل قوتهم وطاقتهم من أجل إسهام الحياة العامة وإسعاد الآخرين، هؤلاء أناس لم يمروا فى حياتنا مجرد مرور الكرام، ولكنهم نحتوا بإسهاماتهم بصمات خالدة داخل روحنا، وعلى رأس هؤلاء الفنان علِى الحجار.
ما الذى قد يريده مطرب مثل على الحجار أكثر مما قدمه؟ طالما جال بخاطرى هذا التساؤل.. كيف لفنان قدّمه للجمهور الملحن العظيم بليغ حمدى، أن يكون متطلعًا لمزيد من النجاح؟ أليس ظهوره على يد هذا الموسيقار نجاحًا فى حد ذاته؟ اليوم وبعد 40 عامًا من الاحتراف، ألم يكتفِ من النجاح؟

40 عامًا هى مدة احتراف على الحجار فى المجال الفنى، شق خلالها طريقه بين الصعاب، ودوّن اسمه جوار عظماء الفن والكلمة واللحن أمثال عبد الرحمن الأبنودى وصلاح جاهين وسيد حجاب وأحمد فؤاد نجم، وعمار الشريعى وفاروق الشرنوبى وعمر خيرت وبليغ حمدى، وغيرهم، بل كان القاسم المشترك دائمًا لأعمال دومًا ستظل خالدة.
«الحجار» نهل من الفن الكثير وكأنه خُلق ليكون فنانًا فقط، فموهبته فى الرسم والتصوير أهلته ليدرس الفنون الجميلة، ثم تخرج فيها يبحث عن آذان تسمع حنجرته الذهبية، إلى أن أصبح من أبرز مطربى جيله، وحقق مبيعات لم يحققها شريط غنائى آنذاك. لم يكتفِ بالغناء والرسم فقط بل بحث عن التمثيل أيضًا ووقف أمام الكاميرات وفى مواجهة الجمهور على خشبة المسرح، وأسهم فى تقديم نوع مختلف من الدراما الممزوجة بالأغنيات القصيرة التى زادت المعنى صدقًا ووضوحًا.
هل تتخيل عزيزى القارئ أعمال: «غوايش- ذئاب الجبل- بوابة الحلوانى- أبو العلا البشرى- حدائق الشيطان» دون صوت الحجار؟
ليس هذا فقط، بل كان من المؤمنين بالمسرح الغنائى فقدم رائعة بيرم التونسى «ليلة من ألف ليلة» والتى أعاد تقديمها الفنان يحيى الفخرانى على المسرح القومى مؤخرًا.
ما الذى يريده على الحجار أكثر مما حققه؟ ألم يكفِه أنه رفيق وجدان جيل كامل من العاشقين له ولموهبته؟ ألم يكفيه أن صوته الغنائى فى تترات المسلسلات ظل محفورًا داخل الأذهان والقلوب حتى اليوم؟ فأنا أحد هؤلاء الذين يسمعون التتر ثم يغيرون المحطة، وكأن الاستماع إلى على الحجار أصبح واجبًا فنيًّا على كل مَن يريد الارتقاء بذوقه وروحه.
موعد الفنان الشهرى مع جمهوره على مسرح ساقية الصاوى، خلق حالة من الألفة والمودة بين جيل نشأ على أنغام «عارفة- على قد ما حبينا- ريشة ويا ريشة- أنا مش عابر سبيل- أعذرينى- يا موجة يا زرقاء- فى قلب الليل»، وبين فنان احترم جمهوره على مدى مسيرته العريقة والممتدة بإذن الله، فنجح وحجز مكانًا فى القمة.
كثيرًا ما أجد أناس من جمهور الحجار يصطحبون أطفالهم إلى الحفلات، وكأن حب الحنجرة الذهبية يورّث من جيل إلى آخر، فى محاولة للهروب من التدنِّى الذى أصاب الموسيقى والكلمة والكليب، إلا ما رحم ربى، فقليلون هم مَن يؤتمنون على رسالة الفن ويقدمونها بمنتهى الصدق.. قليلون هم مَن على شاكلة علِى الحجار.
فى تمام التاسعة مساءً من يوم 28 مارس الماضى، دخل الفنان على الحجار المسرح وبعد أغنية الافتتاح بدأت الفرقة الموسيقية فى تهنئته على طريقتها الخاصة وقدمت أغنية عيد الميلاد (هابى بيرث داى)، ليقف كل حضور المسرح مرددين نفس الأغنية، فى مناخ خيّمت السعادة عليه، هذا المشهد الفريد لن تجده سوى بين على الحجار وجمهوره.. فهذا الفنان اعتاد دائمًا مشاركة جماهيره فى أعياد ميلادهم على المسرح نفسه، مما جعل كل فرد من جمهور الحجار يشعر وكأنه مدينًا لهذا الفنان بالبهجة والمشاركة والسعادة.
نوفمبر الماضى أصدر على الحجار ألبومه الجديد «ما تاخدى بالك»، وأجاب عن السؤال المُحير بشأن طموحه فى الفن، فالحجار لم يشبع حتى الآن، بل تعامل مع ألبومه الأخير وكأنه ألبومه الأول؛ حِرصًا منه على تقديم كل ما هو قيّم وفني.
قدّم ألبومًا مختلفًا حيث تعاون مع فريق عمل من الشباب، مثل هيثم توفيق وأحمد حمدى رؤوف وأحمد شعتوت وسالم الشهبانى ومحمد حمدى رؤوف وغيرهم، فى إشارة إلى إيمانه الراسخ بالشباب الذين فتح لهم مسرحه على ساقية الصاوى ليقدموا مواهبهم من العزف والغناء وإلقاء الشعِر، ليس هذا وحسب بل تعهد أيضًا بأن ينتج مسرحية غنائية للمواهب الشابة التى يقدمها على مسرحه.
الشاب علِى الحجار قدّمه للجمهور بليغ حمدى منذ 40 عامًا، واليوم يقدم هذا الشاب شبابًا آخرين للجمهور بروح الحماس التى لم تنطفئ داخله.
ظهر الحجار للساحة الفنية ليعاصر أجيالًا عديدة من مطربى الثمانينات والتسعينيات والألفية الجديدة، ولكنه بينهم ظل ظاهرًا شامخًا محتفظًا بقيمته، لم يتاجر أو يتنازل أو يحابى أحدًا، ظل حجّارًا كما أوصاه والده الفنان إبراهيم الحجار بأن يقدم فنًّا يقدس البقاء ولا يعرف الموت ويحترم المُستمع ويرتقى بذوقه.
سار الحجار على العهد مع والده، منذ أول أعماله «على قد ما حبينا» عام 1977 حتى ألبوم «ماتاخدى بالك» عام 2017، حتى آخر ألبوماته حرص من خلاله على تقديم ألوانًا موسيقية مختلفة تحمل بين طياتها رسائل فنية وثقافية الساحة الفنية فى حاجة إليها.
فأغنية «يا لدانة»كانت رسالة لإحياء التراث البورسعيدى الذى ربما لم يأخذ حقه خارج الإقليم حتى الآن، وهذه المحاولة ليست هيّنة فجيل كامل من الشباب لا يعلم عن بورسعيد شيئًا سوى حادث مباراة الأهلى والمصرى الدامية، وهنا تكمن قيمة الفن لإعادة إصلاح ما أفسدته الحياة السياسية.
مثلما قدم أغنية «جبلى» من التراث الصعيدى القريب إلى قلوبنا، فبذكر اسم على الحجار حتمًا تُذكر الأغانى الصعيدية التى برع فى أدائها مُستغلًّا قدراته الصوتية العريضة، مثل: «ذئاب الجبل- الرحايا- حدائق الشيطان- الليل وآخره»، وها قد عاد فى ألبومه الأخير بأغنية من التراث الصعيدى بمشاركة رمزية للفنانة الشعبية الأصيلة جمالات شيحة، فسعى الحجار فى أربع دقائق فقط لتسليط الضوء على واحدة من أبطال الفن الشعبى فى مصر، وربما جيل الشباب الحالى لم يكن يعرف شيئًا عن جمالات شيحة وخضرة محمد خضر والست روح الفؤاد، والعديد من عمالقة هذا اللون الأصيل.
على الحجار كان خير رسول لمئات الرسائل الفنية والإنسانية العظيمة، بداية من التنوع فى القوالب الموسيقية، مرورًا بتسليط الضوء على جيل كامل من شباب الموهوبين، وصولًا إلى احترام حق الجمهور فى فن صادق يسمو بالروح والوجدان.
ليس غريبًا أن يستمر على الحجار فى نجاحه لمدة 40 عامًا، فهذه هى النتيجة الطبيعية لكل مَن احترم فنّه وجمهوره، فوجد مردود الاحترام محبة وتقديرًا.. أدام الله الفن نعمة تكسر قيود الجهل والتطرف والتدنى.. أدام الله فن علِى الحجار.. كل سنة ونحن بك طيبون يا أستاذ.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات