.

دليل «ماركيز» لتحويل «البحث عن المتاعب» إلى أجمل مهنة فى العالم

Foto

ما طبيعة المقالات الصحفية التى أنتجها أديب كولومبيا الأشهر بجانب أعماله الروائية؟ لماذا وصف ماركيز كاسترو بالمراسل الصحفى الرائع؟


ما الذى يجعلك تقرأ بحماس عن مقاومات الحصار فى كوبا أو المؤامرة الشعبية التى أطاحت بالحكم الديكتاتورى فى فنزويلا، أو الثورة المضادة فى تشيلى أو كيف استعادت بنما قناتها البحرية الشهيرة من قبضة الأمريكان أو عن مغامرات النضال الثورى فى أحراش الكونغو؟

قد تحتاج لأسباب كثيرة حتى تفعل ذلك أو تفسره. لكن إذا ارتبط كل ما سبق باسم «جابرييل جارسيا ماركيز» فأنت حتما لا تحتاج إلى أى تبريرات.
ماركيز نفسه هو من الأسماء التى لا تحتاج إلى شرح أو تبرير. هو بذاته علم متفرد واسمه يحمل إيقاعا ورنينا وألقا خالدا فى عالم الأدب العالمى. حسنا، كيف سيكون الأمر إذن حينما نقرأ ما كتبه «جابو» الصحفى هذه المرة وليس الروائى الفذ العابر للزمن؟
ثمة متعة استثنائية تنتظرك.
القارئ هنا يفوز بالحسنيين، قلم روائى مترامى الموهبة عصى على الاحتواء، وعين صحفى ناقدة وذكية وتتمتع بحس استقصائى نافذ بعمق.. هذا هو «جابو» الصحفى.
من المدهش أن يكون كتاب «بلا قيود- المقالات الصحفية 1974-1995» -دار الفارابى- بيروت، هو أول ترجمة عربية لكنوز ماركيز الصحفية، وهى مبادرة حميدة وشجاعة أقدمت عليها المترجمتان «د.هبة العطار وجيهان حامد»، خصوصا فى ما يتعلق بطبيعة المقالات التى تم انتقاؤها للترجمة من بين أرشيف صحفى ضخم لجابو تتنوع موضوعاته وتتوزع أماكن نشره فى كبرى صحف أمريكا اللاتينية وإسبانيا وبعض الصحف الفرنسية أيضا.
معروف عن ماركيز أنه وصف الصحافة بأنها «أجمل مهنة فى الدنيا»، وعبر صفحات هذا الكتاب الممتع يتضح أن ماركيز لم يطلق هذه الجملة مجازا وإنما كان هو نفسه أول من فتن بجمال هذه المهنة الساحرة. بدأ «جابو» الكتابة صحفيا باسم مستعار حتى إنه نشر خلال الفترة ما بين 1950 إلى 1952 نحو 400 مقال باسم «سبتميوس»، قبل أن ينشر لاحقا باسمه، ومثلما تميز أدبه بحس ساخر وأسلوب أخاذ، فإنه بجانب احتفاظه بأسلوبه الروائى الشيق فى الكتابة الصحفية فقد عرف عنه ميله إلى استخدام عنصر الـcounter- information أو «المعلومة المضادة» وهو المنهج الذى كان يتحدى به «الروايات الرسمية للحقائق»، وتجلى هذا فى قصته الصحفية الروائية البديعة «بحار السفينة المحطمة» التى نشرها مسلسلة عام 1955 فى صحيفة الإسبيكتادور الكولومبية المسائية، وهى الرواية التى فضحت ادعاء الحكومة العسكرية التى تحكم البلاد آنذاك، حول غرق سفينة عسكرية بسبب عاصفة، إذ أجرى ماركيز حوارا مع البحار الناجى الوحيد من الحادث، والذى أخبره فى سياق الحديث بأن السفينة كانت تحمل أثقالا أكبر مما تتحمل، وأن هذه الأثقال كانت أدوات كهربائية، وهو أمر حاولت الحكومة إخفاءه لأن القانون يجرم نقل بضائع استهلاكية على متن سفن بحرية. تسبب نشر رواية ماركيز فى إغلاق الصحيفة لفترة وإبعاده عن كولومبيا ليعمل مراسلا صحفيا من أوروبا. لكن بعد عامين فقط من نشره لروايته الصحفية هذه، أطيح بالحاكم المستبد «جوستابو روخاس» من الحكم عبر ثورة شعبية. هل كان ماركيز الصحفى سببا فى ذلك؟ الأكيد أنه كان مسمارا كبيرا فى النعش الذى دفن فيه الحاكم الديكتاتورى أحلامه.
فى المقالات الصحفية المنشورة فى كتاب «بلا قيود» يبدو ماركيز منحازا انحيازا مطلقا وقطعيا للثورة الكوبية وزعيمها «كاسترو»، حتى إن المرء يستشعر مبالغات فى وصفه لمباهج الحياة فى كوبا تحت الحصار الذى دام لعقود. يقول ماركيز فى مقال بعنوان لافت «إن كنتم لا تصدقونى فلتتحققوا بأنفسكم»: «سيداتى وسادتى الحقيقة المجردة هى أن كوبا الآن ليس فيها عاطل واحد أو طفل لا يذهب إلى مدرسة أو إنسان حاف أو بلا مأوى أو بلا قوت يكفى وجباته الثلاث يوميا، كما أنه ليس فيها شحاذ أو أمى أو مواطن أيا كان عمره غير ملتحق بالتعليم المجانى بجميع مراحله، كما لا يوجد فيها فرد واحد لا يتمتع بتأمين صحى.. كما أنه ليس فيها حالة واحدة من ملاريا أو تيتانوس أو شلل أطفال أو جدرى وليس فيها دعارة أو ركود أو سرقة أو محسوبية أو قمع شرطى.. وليس فيها مواطن لا يتمتع بحق الاحتجاج»، حماس زائد كما ترى. هو هنا يتحدث عن بلد خيالى غير موجود على سطح الكرة الأرضية، اللافت أنه يتحدث بجدية رغم العنوان الذى يحمل حسا ساخرا، وأنه كتب ذلك عام 1975، أى بعد 16 عاما تقريبا من الثورة والحصار، ورغم هذه المقدمة «النارية» شديدة الانحياز، فإنه عاد من جديد فى ثنايا المقال ليرصد التداعيات الصعبة للحصار، وكيف أن الصحافة تعانى فى كوبا حتى إنه وصف كاسترو بأنه «المراسل الصحفى الرائع» كونه يمد الكوبيين بكل ما يريدون أن يعرفوه من أخبار عن بلادهم وعن أنفسهم وعن العالم بأسره، ورغم أن الصيغة احتفائية وعلاقة الصداقة بين الرجلين «كاسترو- ماركيز» قوية ومتينة، فالأمر يحمل سخرية ضمنية تحتمل التفكير فى نوايا «جابو» عندما صك هذا المصطلح.
انحياز ماركيز لكاسترو تجلى فى أنه دافع عن «اللجان الثورية» التى دعا كاسترو إلى تشكيلها، واعتبر كاسترو أن هذه اللجان هدفها «إنشاء نظام مراقبة ثورى جماعى للتنبيه بوجود خونة ومندسين بيننا». ينظر جابو إلى هذه اللجان بتقدير رغم أنها «هددت الحياة الخاصة للمواطنين إلا أن الزمن والخبرة المبنية على الممارسة كانا كفيليين بإعادة الأمور إلى نصابها» ويرجع إليها الفضل فى محو الأمية ومحاربة الفقر. يبدو واضحا أن ماركيز كان يقدر وبشدة الطرق المبتكرة التى اخترعها الكوبيون من أجل التغلب على نقص احتياجاتهم الأساسية بفعل الحصار حتى إنهم اضطروا إلى اختراع بديل للأسبرين وللمخدر خلال العمليات الجراحية، كما كانوا يعمدون إلى تطهير القفازات البلاستيكية لإعادة استخدامها فى مهام الأطباء أكثر من مرة. هو كان معجبا بالصمود فى وجه أمريكا والانتصار للثورة الكوبية ومنهجها مهما كان ثمن ذلك، منحازا -حتى وهو يكتب عن أهمية التصالح مع عصابات المخدرات فى بلاده إذا كان ذلك سيؤدى إلى التخلص من إرث الموت المتتالى بين العصابات والدولة والصحافة والقضاء- إلى أن يعيش الإنسان آمنا فى موطنه، يقول: «يمكن أن نعتاد التعايش مع الخوف من الماضى ولكن لا يمكن أن نتعايش مع الخوف مما قد يحدث مستقبلا».
أكثر ما يميز إنتاج ماركيز الصحفى هو تلك العين التى تلتقط تفاصيل ما وراء الحدث الكبير. فهاهو حينما يكتب عن البرتغال وهى تعيش ذروة انتصارات «ثورة القرنفل» والإطاحة بالحكم العسكرى عام 1974، لا يهتم برصد التفاعلات السياسية والاجتماعية فحسب، وإنما يلتقط تفصيلة صغيرة تتعلق بالحرية واندفاع أهل البرتغال إليها فى شتى صورها، حتى إنهم «ولأول مرة سمحوا بعرض الأفلام الجنسية فى دور السينما بحجة أن الحرية يجب أن تشمل كل شىء، فما كان من آلاف الإسبان من ذوى الانتماءات السياسية المبهمة إلا الاندفاع عبر الحدود نحو البرتغال إقبالا على تلك الأفلام قبل أن يعودوا لعبور الحدود يوم الإثنين بوجوه منهكة من النشوة وصوت حالهم يقول، اللعنة، ما هذه الروعة لابد أن هذا لن يدوم»، لكنه وهو يرصد ذلك التحول المجتمعى الكبير، رصد أيضا التحول الكبير فى طبيعة وبنيان الجيش البرتغالى إذ إنه على حد وصفه أصبح «الضباط والجنود يتعاملون بلا تكلف ويتقاسمون غرف النوم والطعام وللمرة الأولى فى تاريخ الإنسانية صار للجيش حق عدم الامتثال للأوامر إن لم يشرح الضباط الهدف منها». لم تدم تلك «اليوتوبيا» كثيرا فى البرتغال بطبيعة الحال، وهو ما يبدو عليه مقال ماركيز من رصده لمناطق فساد قد تؤجل تحقيق أهداف الثورة فى البرتغال، وهو أمر ربما لا تزال البرتغال تعانى منه حتى يومنا هذا.
يبرز كتاب «بلا قيود» أيضا جانبا ساحرا فى إنتاج ماركيز الصحفى، فى ما يتعلق بكتابته عن الشخصيات، ففى مقال قصير وبديع بعنوان «من مذكراتى.. زيارة البابا»، يصف تفاصيل لقائه الذى لم يزد عن 10 دقائق فحسب مع البابا يوحنا بولس الثانى عام 1978، كان البابا قد وصل إلى منصبه الدينى البارز عقب وفاة مفاجئة للبابا يوحنا بولس الأول الذى لم يجلس على مقعد الباباوية سوى 34 يوما فقط، وأراد ماركيز أن يقدم للبابا الجديد قائمة بأسماء نحو 10 آلاف مواطن أرجنتينى فى عداد المفقودين خلال سنوات الحكم العسكرى ليمنح حملة فى بلادهم تدعو للبحث عنهم دفعة روحية كبيرة، بحسه الساخر الساحر يروى ماركيز كيف أن أول خمس دقائق فى اللقاء انتهت فى حديث يتعلق بأى لغة يحب أن يتحدث بها مع البابا الذى كان يجيد الإيطالية والفرنسية ويتطلع لإجادة الإسبانية، فاختار ماركيز الأخيرة قائلا للبابا «لن تكون فكرة سيئة أن أكتب فى مذكراتى أننى قد أعطيت البابا درسا فى اللغة الإسبانية»، ثم يروى كيف أن البابا حينما اطلع على المذكرة الخاصة بالمفقودين والمكتوبة بالفرنسية قرأها وهو يقول: «آه.. وى- آه.. وى»، قبل أن يعيد الرسالة إلى ماركيز فى ابتسامة شبه ماكرة وهو يقول له «يذكرنى الأمر بأوروبا الشرقية»، هَمَّ ماركيز بالحديث، لكنه انتبه إلى أن زرا معدنيا من بذلته قد سقط أرضا، وقد أخذ انتباه البابا وهو يتدحرج، حرص ماركيز أن ينحنى فى سرعة ليلتقط الزر حتى لا يفعل ذلك البابا بنفسه، وعندما عاد إلى مقعده كان جرس انتهاء المقابلة قد رن. يقول ماركيز «كان يمكن لمهمتى أن تنتهى نهاية أكثر سعادة لو أن المقابلة قد امتدت خمس دقائق أخرى. فى نهاية الأمر.. كنا كل ما نطلبه من البابا هو مباركته للحملة، غير أن قواعد الفاتيكان لا يمكن خرقها، والمقابلة انتهت دون أن أحصل على رد».
مقالات ماركيز الصحفى درس حقيقى وممتع فى المهنة، يكشف فعلا كيف يمكن أن تصبح الصحافة هى «أجمل مهنة فى الدنيا»، لكن الأمر -فى الأغلب- يحتاج إلى أن يكون الصحفى من هؤلاء قادرا على أن يكون «جابرييل جارسيا ماركيز».

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات