.

قليل من المعارضة لن يضر.. هل من الحكمة إقصاء المعارضة الوطنية؟

Foto

هل الأفضل للحياة السياسية المصرية دمج الأحزاب القديمة أم تأسيس حزب جديد؟


هاهى الانتخابات قد انتهت وهاهو العرس الانتخابى قد انفضّ وهاهُم المصريون الناخبون قد عادوا إلى بيوتهم فرحين بأدائهم الواجب الوطنى ومشاركتهم فى العملية الانتخابية. نعم انفضّ المولد وفرح مَن فرح ورقص مَن رقص، لكنَّ الغيورين على الوطن هم فقط الذين يشعرون بالقلق من نتائج الانتخابات، فقد بات من الواضح أن الحياة السياسية فى مصر تعانى بشدة وأنها غير قادرة على النهوض بمصر، وهذا فى حد ذاته خطر كبير، لم يعد مهمًّا تبادل الاتهامات وإلقاء المسؤولية على مَن المتسبب فى تهميش وتدمير العمل السياسى فى مصر، فليس هذا أوانه، إنما حان الوقت أن نشمر جميعًا سواعد العمل والبناء للمستقبل، ولعل أهم ما يجب أن ينتبه إليه الرئيس هو حاجة الدولة المصرية إلى تنظيم العمل السياسى بأفكار جديدة وآليات جديدة وبروح جديدة، وربما بوجوه جديدة أيضًا.

يجب أن ندرك جميعًا أن وجود معارضة وطنية تقف على أرضية واحدة مع الدولة هو صمام أمان للمجتمع والحكومة والمعارضة معًا، فالكل فى مركب واحد إن غرقت، لا قدر الله، غرق الجميع وإن نجت نجا الجميع، لهذا فإن إقصاء المعارضة الوطنية الصادقة سواء أكان بعمد أم من دون ليس فى صالح المجتمع، وهو جريمة لا تساويها إلا جريمة المعارضة التى فهمت الحرية على أنها تشكيك فى وطنية المخالفين لها أو أن تعبأ الساحة باتهامات التخوين وتنشر اليأس والإحباط والسلبية فى أوساط الشباب.
نعم ليس الآن وقت المحاسبة، فالجميع شارك فى خنق العملية السياسية بشكل أو بآخر وبنسب متفاوتة، إلا أنه فى النهاية يجب أن نؤمن أننا فى حاجة إلى عملية سياسية جديدة بدلًا من تلك التى ماتت ووجب علينا أن ندفنها وندفن معها الكثير من الأفكار القاتلة، هل يمكننا أن نفتخر بأننا نعيش عصرًا ديمقراطيًّا؟ هل يمكننا أن نزعم أننا مارسنا الفعل الانتخابى بحق؟ أعلم وتعلمون الإجابة، لهذا علينا إذا أردنا أن نعيش حياة ديمقراطية حقيقية تجفيف منابع الشر، ومنابع الشر ليست فقط أوكار الإرهابيين ولا مكتبات المتطرفين، هى أيضًا نفوذ الفاسدين والمنافقين الذين امتلأت بهم شوارع مصر مؤخرًا، مستغلين نزول الناس الطيبين إلى الانتخابات وحب الشارع للرئيس، فاندسُّوا وسط الناس يعلنون تأييدهم ليس حبًّا بل تزلف للسلطة علّهم يحظون بمكانة فى الحياة السياسية الجديدة، وهؤلاء أول مَن سيفسدون العرس الانتخابى، فيجب أن لا يخدعونا بلافتات التأييد أو شعارات الحب، فهم لا يحبون إلا أنفسهم ولا يعملون إلا لمصالحهم التى تتعارض مع مصالح الشعب، وما دامت تعارضت مع مصالح الشعب فيجب أن تتعارض مع سياسات الرئيس كذلك.
ومن منابع الشر أيضًا تلك اللجان الإلكترونية التى تقف وراء الكيبورد تنهش فى كل شريف لمجرد أنه يقول رأيًا مختلفًا، فاضطر الشرفاء إلى الانزواء. كما نحتاج إلى اجتثاث كمية البذاءة التى تفشَّت فى المجتمع حتى طالت ألسنة وجهاء القوم، نحتاج إلى أن نعيد قراءتنا لمشاركة الشباب فى الحياة السياسية، فأعداد الشباب المنتسبين إلى الأحزاب ضعيفة جدًّا بالمقارنة بنسبتهم فى المجتمع، والذين تمكنوا من الحصول على مناصب عليا فى هذه الأحزاب أقل بكثير مما نتوقع، وهذا الضعف نذير خطر على مستقبل الحياة السياسية فى مصر، علينا أن لا نفرح أن كثيرًا من أهالينا الذين يسكنون العشوائيات والأحياء الفقيرة كانوا الأكثر تصويتًا فى الانتخابات الرئاسية، فى ظل غياب شبه كامل للشباب!
علينا أن نحترم السياسة والسياسيين، لا أن نفتخر بأنهم مجرد دُمى، كما علينا أن نؤسس لأكاديمية كبرى لتخريج السياسيين دون النظر إلى أيديولوجياتهم، فقط تكون مهمة هذه المؤسسة هى تدريبهم على العمل السياسيى وإعدادهم لأن يكونوا رجال دول وليس مجرد هتّيفة فى المظاهرات! يجب أن لا نفرح لأننا اكتشفنا أن الأحزاب ليس لها أى دور فى جذب جماهير الناس إليها، ولا داعى لأن نكرر المقولة الصحيحة جدًّا التى تقول إن عدد المنتمين إلى غالبية الأحزاب أقل من عدد الأعضاء المكتوبين فى خطاب طلب تأسيس الحزب، فالجميع يعلم أن هذه الأحزاب تم وضع عراقيل وتم تحفيز الانشقاقات فى ما بينها ففقدت الثقة فى نفسها.
لا نريد فى العهد القادم الأحزاب الكرتونية التى بلا فاعلية على الأرض، ولا نريد الأحزاب التى تستقوى بالخارج على مشكلاتنا الداخلية. إن الفراغ السياسى الكبير الذى تعيشه مصر الآن قد يجعل القلوب تتعلق أكثر بالرئيس عبد الفتاح السيسى، لكن هذا ليس شط الأمان الذى تحتاج إليه مصر، فالجماهير ما زالت لا تجد حزبًا يمكنه التحدث باسمها، أو زعيمًا حزبيًّا يمكنها الالتفاف حوله ليطالب بحقوقها وينطق بلسانها، إضافة إلى الرئيس.
لهذا إذا أردنا الإصلاح السياسى فى الفترة المقبلة علينا تفعيل المناسب من الأحزاب الموجودة، لكى يكون لها دور مؤثر وفاعل فى الحياة السياسية فى مصر، ومعيار الصلاح هو امتلاكها برنامجًا متكاملًا للحكم أو إلغاء الأحزاب الحالية وإعادة تشكيل أحزاب جديدة على مبادئ جديدة مناسبة لما تمر به من منعطفات، وفى الحالتَين على الدولة والحكومة تقديم أوجه الدعم المادى والمعنوى للأحزاب، حتى يشتد عود هذه الأحزاب لتقوم بدورها فى الحياة السياسية الجديدة، فقديمًا كان الحكام يقدمون الدعم للمذاهب الفقهية التى لا يقبل عليها الطلاب، فيقدمون رواتب أعلى ووظائف أكثر عسى أن يقبل عليها مزيد من الطلاب، وكان هدف الحكام قديمًا هو البقاء على المذاهب الفقهية والحرص على عدم اندثار أى منها، وكانوا يقدمون الدعم للمذهب حتى لو كان مخالفًا للمذهب الحاكم، والحكمة من ذلك أن التوازن بين المذاهب مطلوب، فيجب أن لا يطغى أهل مذهب على الآخرين، منعًا للاستبداد والاحتكار، فيظل دائمًا أمام الإنسان خيارات فقهية متعددة تشبعه، فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يكون معارضًا ومختلفًا، فالاختلاف من طبيعة الإنسان، وإشباع هذا الاختلاف والتنوع واحترامه وتوفير المسارات الآمنة له يعد من أهم قواعد السلامة والمتانة الاجتماعية، لهذا فسلامة الحكم فى مصر هى أن يقوم الحكام برعاية المعارضة وتشجيعها على أن تقول كلمتها المخالفة والمختلفة وليس شراء المعارضة واستئناسها وتشتيتها.
قد يكون من الملائم دمج عدد من تلك الأحزاب الموجودة بعضها فى بعض، بحيث نحصل على أحزاب قليلة لكنها قوية وفعالة، إن فى مصر ما يزيد على 104 أحزاب مسجلة، لكنها غير موجودة على الساحة السياسية، فما قيمة هذا العدد الضخم؟! إذ يجب تقليصه لصالح الحياة السياسية، لكن هذه الخطوة يجب أن تتم بتوافق الأحزاب معًا وبرغبتها وليس بأمر من السلطة، حتى لا تتم عرقلة المرحلة التالية وهى مرحلة تحديد الأهداف بدقة ووضع برامج واضحة لكل حزب، فمطلوب الاندماج من أجل البقاء وليس الاندماج ليسيطر حزب على الآخر، هنا يمكن لهذه الأحزاب القوية جذب طائفة معينة من الناخبين تمكِّن الحزب فى ما بعد من تمثيل مشرف فى البرلمان أو تحقيق أغلبية لتشكيل حكومة قوية، وعلينا أن نشجع هذه الأحزاب على ابتكار نظم داخلية ديمقراطية تمكن أعضاءها من انتخاب رئيس الحزب بطرق ديمقراطية سهلة وشفافة يسهل معها تداول رئاسة الحزب، بما لا يُحدث انشقاقات داخلية كلما أراد أحد أعضائها الاستئثار بالسلطة لنفسه مدى حياته.
بهذه الأفكار الأولية يمكننا إصلاح الحياة السياسية التى هى أملنا فى المرحلة القادمة، وإذا لم نتمكن من إصلاح الحياة السياسية الآن وليس غدًا فقُل يا رحمن يا رحيم على المجتمع، فما ينتظرنا ليس جيدًا وترك الشباب يغلى ليس حميدًا وقفز الفاسدين والمنافقين إلى جوار أهل الحكم نذير شؤم.. ولنا فى مبارك عبرة، فاعتبروا يا أولى الألباب، اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات