.

هواجس وتغييرات ما بعد انتخاب الرئيس السيسى!

Foto

لماذا يُتوقع أن تظل سياسات الرئيس السيسى الاقتصادية والمالية كما كانت طوال السنوات الأربع الماضية؟ ما الهواجس التى تسيطر على المصريين بعد إعادة انتخاب السيسى لولاية ثانية وأخيرة؟


أعتقد، وقد لا أكون مخطئا، أن عددا كبيرا من المصريين يتساءلون الآن، وربما قبل الآن، ولسان حالهم يردد: ماذا بعد؟!

السؤال، الذى هو إشكالية قائمة بذاتها، ليس بالسهولة الإجابة عنه، على الرغم من أن المصريين جميعهم كان من السهولة عليهم أن يجزموا جزما أكيدا، بأن الرئيس السيسى سيكون على رأس السلطة لولاية ثانية وأخيرة، حسب ما يقتضيه الدستور المصرى، لكن يبقى السؤال الصعب/ الإشكالية، يبحث عن إجابة، وهى الإجابة التى ستفرزها بلا شك السنوات القليلة القادمة، إن لم يكن ستفرزها الشهور القليلة القادمة!
بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، الأربعاء الماضى، وبعد فوز الرئيس السيسى، باكتساح تام، بولاية ثانية وأخيرة، حسب المادة 140 من الدستور المصرى، يستعد المصريون لاستقبال أربع سنوات قادمة تحت حكمه، وهى تلك السنوات التى من المتوقع أن يترتب عليها حزمة من التغييرات السياسية والاقتصادية والأمنية، خصوصا أن السنوات الأربع المنصرمة أكدت أن الرئيس السيسى يسابق الزمن لإنجاز سلسلة طويلة من التغييرات السياسية والاقتصادية والتنموية على الأصعدة المختلفة، وهو ما يعزز حدوث طفرات متلاحقة خلال السنوات القادمة، تعكس حرص الرجل على أن يظل اسمه مرتبطا بتلك التغييرات أو القفزات، بيد أن الهاجس الذى يمتلك طوائف كثيرة من المواطنين، كل حين، يدفعهم إلى التفكير فى شكل السنوات القادمة، ومدى الآثار المترتبة على التغييرات التى ستحدث خلالها، وكيفية مواجهة تلك التغييرات، بصرف النظر عن إيجابيتها أو سلبيتها!
نظريا، لم يقدم الرئيس السيسى أى وعود جديدة للمصريين، هو فقط اكتفى، من خلال بعض تصريحاته فى مناسبات مختلفة، بتأكيد حرصه على استكمال ما بدأه منذ توليه السلطة قبل أربع سنوات، ما يعنى أن السياسات الداخلية المختلفة ستظل كما هى، ولا سيما السياسات الاقتصادية والتنموية، فمما هو معروف أن اعتقادات الرئيس السيسى واقتناعاته الذاتية راسخة كالطود العظيم، بحيث لا يمكن لأحد أن يتوقع منه تغييرها، أو حتى التنازل عن بعضها، فالرجل على الرغم من تصريحاته الدائمة عن احترامه لحرية تداول الآراء، فإنه من الصعب أن يقتنع بفكرة أو أفكار تخالف اقتناعاته الراسخة، خصوصا اقتناعاته الاقتصادية والمالية، وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل؛ إذ إن السنوات الأربع الماضية أكدته تماما!
وأما عن اعتقادات الرئيس السياسية، فمن المتوقع أن تستمر السياسات الداخلية كما هى، إلا أن حرية الرأى والتعبير ستشهد انفراجة، نوعا ما، خلال الفترة المقبلة، بمعنى أن السلطة سوف تسمح بفتح المجال العام بعض الشىء، خصوصا بعد انتهاء العمليات العسكرية فى سيناء، أو ما يُعرف بـ«عملية سيناء 2018»، وبالطبع لن يكون فتح المجال العام على مصراعيه، لكن هى ذى انفراجة قد تحدث خلال شهور، لإزالة المخاوف التى تعتمل فى صدور كثيرين، وإثبات حرص الرئيس على مشاركة الجميع فى بناء الدولة، ما يعنى أن مجال الحريات العام سوف يتم التركيز عليه لإثبات حُسن النوايا، ليس إلا، على الرغم من سيطرة السلطة، خلال الفترة الماضية، على الإعلام، وعلى الرغم من تكرار انتقادات الرئيس السيسى للإعلام، ولعل بداية فتح المجال العام بصورة جزئية، سيتلخص فى تفكير السلطة فى دمج الشباب والمواطنين فى العمل السياسى، من خلال الأحزاب، وهنا يبرز الحديث عن احتمالية تأليف حزب سياسى جديد، فى ظل وجود نيات معلنة صرح بها قادة ائتلاف دعم مصر، وعلى رأسهم المهندس محمد زكى السويدى، رئيس الائتلاف، عن وجود دراسة جادة وعملية لتحويل هذا الائتلاف الذى يمثل الأكثرية تحت قبة مجلس النواب، إلى حزب سياسى كبير، وأن مكاتب الائتلاف التى تم افتتاحها فى عواصم المحافظات المختلفة، خلال حملة الرئيس السيسى الانتخابية، ستكون هى النواة لمكاتب وأمانات الحزب فى المستقبل، وسواء اتفق البعض أو اختلف مع ذلك التوجه، فإن هذا يعنى أن السلطة بدأت تفكر بجدية فى إحداث تغيير نوعى تجاه الحياة الحزبية، وضرورة وجود ظهير سياسى رسمى لها بعيدا عن الإعلام الموجه كما هى الحال الآن، وهو أمر فى حد ذاته بمثابة انفتاح سياسى، نتفق أو نختلف مع تفصيلاته وجزئياته، لكننا فى النهاية مدفوعون إلى قبوله كونه حقيقة عملية، كما أنه دليل على توقعنا، السابق، بأن السلطة سوف تسمح بفتح المجال السياسى العام جزئيا، بشرط عدم تعارُض ذلك مع التحريض أو الدعوة إلى مناصبتها العداء أو العمل وفق أجندات خارجية!
إن إعلان قادة ائتلاف دعم مصر، باقتراب تحويل الائتلاف إلى حزب سياسى، بغرض مساندة الرئيس رسميا، سيغير تماما فى شكل الحياة الحزبية فى مصر، وهو مصطلح أُدرك تماما أنه على الورق فقط؛ إذ لا توجد بالأساس ثمة حياة حزبية فى مصر «..»، لكن بمجرد الإعلان عن حزب كهذا ستتغير خريطة الأحزاب الكثيرة التى تتجاوز المئة فى مصر؛ إذ من المتوقع أن تندمج أحزاب كثيرة فى هذا الحزب الجديد، خصوصا مع كونه حزب الأكثرية، وفى مقابل ذلك فإن عددا آخر من الأحزاب لن ينخرط فى هذا الحزب الجديد، كأحزاب الوفد أو حُماة الوطن أو المصريين الأحرار أو غيرها من أحزاب، نتوقع أن ترفض الاندماج فى الحزب الجديد، وهذا لن يمثل أى إشكالية لدى القائمين على الحزب الجديد، ذلك أنهم يضمنون، لا محالة، أن يسارع مئات أعضاء بمجلس النواب، ممن كانوا فى السابق أعضاء فى الحزب الوطنى المحلول، إلى الانضمام فى حزب الائتلاف، وليسوا هم وحدهم، بل سينضم إليه كذلك أعضاء الحزب الوطنى السابقون على مستوى محافظات الجمهورية، الأمر الذى سيجعل من هذا الحزب -إن هو تم تأليفه- مخزنا كبيرا لأعضاء الحزب الوطنى السابقين، وليس من المستبعد أن يرتبط الأمر كله بإصدار تشريع برلمانى جديد ينص على الاعتراف فقط بالأحزاب الممثلة تحت القبة؛ لدفع الأحزاب إلى الانخراط فى الحزب الجديد لتكوين كيان كبير، ويبدو تصريح المهندس محمد زكى السويدى، متسقا مع الهدف من تكوين حزب سياسى كبير؛ فالرجل أعلن، غير مرة، أن «غياب ما يسمى بحزب الأكثرية خلق فراغا سياسيا»، وبالفعل يوجد فراغ هائل، كانت أبرز نتائجه عدم وجود مرشحين فى الانتخابات الرئاسية؛ لأن النظام الحزبى الحالى فى مصر ليس فعالا!
لكن أبرز الهواجس من وجهة نظرنا، تتمثل فى سؤال يتردد فى أذهان المواطنين، وهو يتعلق باحتمالية وجود نيات لتعديل مواد الدستور الخاصة بفترة الحكم، إذ الدستور يتيح ذلك فى المادة 226 منه، ولعل تصريحات بعض المحسوبين على السلطة، قبل إعلان فوز الرئيس السيسى رسميا، بضرورة تعديل مواد الحكم لأن السنوات الأربع أو الثمانى -من وجهة نظرهم- غير كافية، ما جعل كثيرين يعلنون هواجسهم بعد أن كانت مستترة قليلا، فهل ثمة نية لتعديل مواد الدستور الخاصة بنظام الحكم؟! من الممكن وجود نية، فهذا أمر ليس مستبعدا، لكن تصريحات الرئيس السيسى فى نوفمبر من العام الماضى، لقناة «سى إن بى سى» الأمريكية، بأنه سيلتزم بفترتين رئاسيتين كما هو فى الدستور، وأنه لن يقوم بتعديل هذا الدستور، تتعارض مع دعوات التعديل تلك، لكنه ليس تعارُضا كبيرا؛ إذ إن الرئيس فى حواره قيد عدم تعديله الدستور بقوله «لست مع تعديله فى هذه الفترة!»، ما يعنى أنه قد تأتى فترة ما يرى الرجل وجوب تعديل الدستور خلالها، كما أن هواجس تعديل الدستور تتعارض مع ما أعلنه الرئيس السيسى، منذ فترة بسيطة، من خلال برنامج «شعب ورئيس»، بأنه يسعى إلى إعداد كوادر مؤهلة لقيادة الدولة، ما يعنى وجود سيناريو أو شبه سيناريو لإعداد وتحضير رئيس جديد يخلفه فى السلطة، وبصرف النظر عن أى تكهنات أو توقعات قد لا تقبلها طبيعة كلاسيكية ورتابة نظام الحكم فى مصر، خصوصا مع ارتباط ذلك النظام ارتباطا وثيقا بالمؤسسة العسكرية الوطنية، فإن تلك التصريحات إنما هى عادية جدا، ولا تؤكد نية الرجل إعداد بديل له، فالكوادر التى يقصدها الرئيس، قد تكون لتولى مناصب وزراء ومحافظين ونوابهم، ليس إلا!
أما أخيرا، فإن تلك الهواجس كلها وإن تكن لدى جموع المواطنين، فإنها لابد أن تشغل قوى المعارضة هى الأخرى، فليس من المعقول أن تظل تلك القوى داعمة لدعوات المقاطعة، مكتفية بالانزواء والتكلس والابتعاد عن الشارع، دون أن تفيد من خطوة تأسيس وتأليف حزب يمثل الأكثرية؛ فما بالها لا تفكر كذلك فى تأليف حزب يجمع أشتات المعارضة المتفرقة والمبعثرة هنا وهناك؟! فمما لا شك فيه أن تأليفها هذا الحزب سيكون نقطة فارقة فى سبيل التوحد والاعتصام وتجديد الدماء التى تخثرت بفعل التشتت والتقوقع والانعزال عن الشارع، الذى هو فى الحقيقة هو المطلب الأسمى للجميع!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات