.

رحيل أحمد خالد توفيق الأب الروحى لجيل الشباب

Foto


كنتُ أبحث وقتها عن بديل آخر لحكايات أبى، حكايات أبى مدهشة وساحرة، تأخذنى إلى عوالم أخرى أكثر جمالًا من عالمى. غير أن أبى توقف عن سرد الحكايات، فى الحقيقة كان قد توقف عن ممارسة الحياة! لم يمُت، ولكن بداخله شىء قد مات، ما علينا منه، المهم، أن شغفى لم يتوقف.. أين أجد ما اعتدت عليه؟ أين أجد حكاية ممتعة أعيش معها فى عوالم موازية لواقعى المرير؟ كان الضجر يعضنى كمدمن، ينهش بأنيابه الحادة ويغرز مخالبه فى بلا رحمة تُذكر.

كنتُ -بفضل أبى- قد أدمنت الحكايات الجميلة، وكان صديقى لديه كنز من تلك الحكايات، سلاسل من الكتب لم أكن أعرف لها قيمة، كان يستلقى بالساعات ويقرأ، وكنتُ لا أعرف ماذا يوجد فى تلك الكتب. ومرة أعارنى كتابًا، كان الكتاب ضمن سلسلة «رجل المستحيل» وقد عشت مع الكتاب التعب من قلة الجرعات، ليتحول إدمانى وينتقل إلى قصص «ما وراء الطبيعة»، وقتها كنت فى الصف الأول الإعدادى تقريبًا، فقررت أن أقرأ كل ما يُطبع من تلك السلسلة.
مع كتيبات أحمد خالد توفيق خرج الأمر من كونه مجرد حكاية ممتعة وشيقة ومترابطة كما تعودت عليها من أبى، خرجت الحدوتة إلى فن آخر، كنتُ أستغربه وأندهش له وأحاول اكتشافه، لم أكن أعرف أن ما أقرأه هو رواية مصغرة ومبسطة صُنعت خصيصًا لتستوعب عقولنا نحن الأطفال، كنت أكره كتابات «نبيل فاروق» فعلاً، ليس فقد بسبب بطلها النموذجى، ولكن من التقنية الآلية الجامدة التى كان يسرد بها القصة، كنت أتخيله مُحاضرًا فى جامعة يلقى بالقصة كمَن يخطب فى طلابه، أما «رفعت إسماعيل»  فقد كان يشبهنى شخصيًّا، رجل به كل عيوب العالم، لاذع، ومنفر أحيانًا، وذات نزعة ساخرة، أحببته لدرجة أننى صدقت أنه الكاتب الحقيقى، حتى إننى قررت أن أرسل إليه رسالة، وقتها كنتُ فى الصف الثانى الإعدادى وكان شغفى بالحكايات قد بلغ مداه، لدرجة أننى فى مرة ذهبت إلى عم حسن فأخبرنى أن العدد الجديد لم يأتِ بعد على الرغم من أنه نزل بالفجالة، وهنا كان القرار: إما أن أنتظر وإما أذهب لشرائه بنفسى! وقررت أن أذهب، بمعنى أوضح، أمشى من إمبابة إلى رمسيس، فلو ركبت ضاع ثمن الكتاب. وقد كان، وكنتُ سعيدًا بما حصلت عليه رغم المشوار الجبار على طفل فى مثل سنى!
بعد رسالتى له عرفت أن «رفعت إسماعيل» ما هو غير شخصية روائية وساردة لها طريقتها الممتعة فى الحكى.
مع أحمد خالد توفيق بدأت فى اكتشاف الرواية، أولًا السارد، وكيف يمكن أن يقدم النص بطريقته، ثانيًا: بدأت ألاحظ أن كل كتيب من السلسلة لا يتضمن حكاية جديدة فحسب بل طريقة مغايرة فى السرد أيضًا، فمثلًا فى حكايات التاروت كانت هناك عدة رواة لكل منهم أسلوبه النابع من شخصيته، وكذلك فى كتيب آخر جاء على قالب المذكرات، وهكذا مع كل كتيب نوع سردى جديد، لقد كان له الفضل فى تقديم وجبات متنوعة كانت مدخلًا إلى عالم آخر، عالم الرواية الذى شرع فى الوضوح مع فترة المراهقة، نعم توقفنا عن متابعة تلك السلسلة وسلاسله الأخرى لنعرف بعده ما يُسمى بأدب الكبار.
ولكن ما زُرع بداخلنا فى الطفولة كان له أثر على حياتنا لباقى العمر، ربما لذلك -لذلك فحسب- أصبحت كاتبًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات