.

Paul، Apostle of Christ «بولس رسول المسيح».. كلنا عبيد لشىء ما

Foto


من السهل أن تُحب الناس الذين يحبونك ومقتنعين بآرائك، ولكن من الصعب إقناع مَن له وجهة نظر مختلفة أو مُعادية لما تعتقده. وتذّكر أن المغفرة لا تبدأ سوى بالحب المتبادل.

نستطيع القول إن تلك هى رسالة فيلم «بولس رسول المسيح» (Paul، Apostle of Christ) الذى يُعرض فى دور العرض المصرية بالتزامن مع نظيرتها العالمية.
يواصل الممثل جيم كافيزيل لعب أدوار القديسين والرسل من بعد أن قدم دور المسيح نفسه فى الفيلم الشهير «آلام المسيح» عام 2004، والذى قام بإخراجه ميل جيبسون، وكان قد لاقى نجاحًا كبيرًا فى ذلك الوقت، إذ يؤدى كافيزيل هذه المرة دور القديس لوقا الذى كتب إنجيل بولس بعد أن أملاه عليه الأخير فى أثناء اعتقاله بسجن «مامرتين» تحت حكم نيرون، أكثر أباطرة الرومان جنونًا وحبًّا للذات. حاول بولس (جيمس فوكنر) ممارسة التبشير بتعاليم المسيح، لتؤمن طائفة من الشعب الرومانى، بينما منهم مَن قام بمعاداته، ووقتها تحرك نيرون بسرعة فائقة آمرًا باعتقال أصحاب الدين الجديد الذى من شأنه أن يُزحزح سجادة السلطة من تحت قدمَيه.
يواجه بولس الاعتقال بجسد واهن وعزيمة قوية من أجل استكمال مسيرة المسيح فى نشر تعاليمه وسماحته فى أنحاء العالم، ليلحق به لوقا الطبيب الماهر ليدوّن أقواله فى إنجيل تم إدراجه فى الكتاب المقدس باسم «أعمال الرسل»، حيث يروى بولس قصة شاؤول الذى قام بدوره الممثل يورغوس كاراميوس، الذى تحول من النقيض إلى النقيض بفضل إيمانه برسالة المسيح، ومن ثَمَّ يدوّن لوقا إنجيله الخاص فى قبو سجن نيرون انتظارًا للإعدام، والمتمثل فى إلقائه فى ساحة القتال الرومانية المعروفة بقسوتها وصراع المذنبين -فى نظر السلطة- مع الحيوانات المفترسة.
كان لشخصية مورشيوس/ أوليفر مارتنز، آمر السجن، دور قوى فى إبراز التناقض بين إيمان الرومان بآلهتهم وتعاطفه الشخصى مع بولس ولوقا، إذ فشلت آلهته فى شفاء ابنته، وعلى الرغم من تقديم القرابين وسفك الدماء عند مذابحها، فإن لوقا وحده مَن استطاع شفاءها، فيبدأ مورشيوس -الذى يئس من استجابة آلهة الرومان له- بالميل إلى سماع قصص وتعاليم بولس فى فترة الاستراحة التى يقضيها السجين فى الهواء الطلق بعيدًا عن الأصفاد، إلا أنه يكتفى بهذا القدر من الامتنان، وسرعان ما يعود إلى سيرته الأولى مُطيعًا الأمر بتنفيذ حكم الإعدام على بولس كما أمره الإمبراطور. فى هذه اللحظة نُدرك الفارق بين الضمير والشرف الذى يتحلَّى به آمر السجن الرومانى الذى يعتذر لبولس -بعد أن جلد ظهره وأذاقه العذاب- عما حدث للمؤمنين برسالته ومعتنقى المسيحية، ويعفو عن الطبيب لوقا الذى شفى ابنته بأن يُطلق سراحه بعيدًا عن المدرج الرومانى.
حاول المخرج أندرو هيات أن يتوسع بالبؤرة التى ركز عليها السيناريو، ولكنها اقتصرت على مرحلة معينة من كفاح بولس الرسول خلال مرحلة سجنه ومن بعدها إعدامه عام 67 ميلادية.
لقد أشار المخرج إلى شريحة صغيرة من قصة بائسة لرجل تخلَّى عن روحه طلبًا لمغفرة الله عما فعله فى مراحل حياته السابقة قبل اتباع المسيح، لتبدو خطة السيناريو السردية غير متأكدة من صحتها التاريخية لما يرويه ذلك النص عن شخوص قد عاصرت تلك الفترة، بل وآمنوا برسالة المسيح وأنهم فى انتظار فكّ اعتقال بولس، للانتقال إلى مدينة أخرى أكثر اتساعًا لنشر المسيحية، فمن الواضح أنه أراد أن يكتب ملحمة تاريخية عن فترة رسائل بولس، ومنها يتشعب إلى إلقاء الضوء على أحوال المؤمنين برسالته، ولكن جاءت تلك القصص مفككة وغير مترابطة مع الخط الدرامى الرئيسى المأخوذة عن التراث المسيحى الحقيقى والمعروف.
على الرغم من القصور الواضح فى ترابط الخيوط الدرامية للقصة والسيناريو، فإننا لا نستطيع إنكار براعة الحوار السلس الذى ينتقل مثل كرة البينج بونج التى تتناقل بسهولة بين اللاعبين، خصوصًا فى الحوارات الفلسفية والصوفية التى تدور بين بولس ومورشيوس فى أثناء تعذيب الأخير لبولس، أو حوارات خفيفة محتشدة بالذكريات والأمنيات بين بولس ولوقا فى أثناء سجن لوقا وانضمامه إلى صديقه فى قبو السجن نفسه.
عودة إلى السيناريو، وجب التنويه بأن قصة بولس من أشهر القصص الموجودة فى الإنجيل، والتى تُمكِّن المخرجين والكُتَّاب من نسج مئات السيناريوهات حولها واستغلال تفاصيلها فى مشاهد سينمائية بارعة، وتُعد أكثر براعة من كاميرا أندرو هيات التى اقتصرت على الكادرات القريبة لوجوه لوقا وبولس داخل السجن، وتلك اللقطات الأخرى التى يظهر فيها مورشيوس متضرعًا لآلهة الرومان، أو لقطة عريضة للمساجين جميعًا تصور رعبهم من مُلاقاة مصير مواجهة الأسود المفترسة فى المدرج الرومانى.
من الممكن استغلال الأداء التمثيلى لكلٍّ من فوكنر وكافيزيل اللذين يُعدَّان نجمَين لا يُستهان بهما فى قوة أداء الشخصيات السلسة والمركبة، ولكن فى فيلم «بولس الرسول» قد اقتصرا على تقديم مادة وثائقية غير مُثيرة للعاطفة تجاه قيام الإمبراطور الوحشى نيرون بتعذيب المسيحيين، بينما لم يبرز المخرج أهم تفاصيل ذلك التعذيب سوى من خلال الحكى الذى يُروى للآخرين، إلا من مشهد واحد ظهر فيه جندى رومانى وهو يقوم بإلقاء الزيت على أحد المسيحيين، ومن ثَمَّ إشعال النار فى جسده واستخدامه كشعلة إضاءة فى شوارع روما المظلمة، وأيضًا بعض التركيز على جراح ظهر بولس نفسه، أو حتى حمل أحد المؤمنين بالرسالة لابن عمه الطفل المدرج فى دمائه جراء اعتداء الرومان عليه فى حين غفلة من ذويه.
أخيرًا.. يجب على كل مَن اختار دراما دينية أن يُركِّز على الغرض المطلوب من عمله السينمائى، وإلا سوف يُقابل بالاستهجان والاتهام بالتقصير فى حق القصة التاريخية الأصلية، ومن ثَمَّ سوف يستمتع المشاهد من تتابع الصور والمشاهد والكادرات المتفاعلة مع الموسيقى التصويرية، لكن دون أن يشعر بالامتنان لقصة الفيلم نفسها أو معالجتها الدرامية الموازية للنص الأصلى، لإبراز أهم عناصرها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات