.

كيف يستطيع مارك زوكربيرج إنقاذ فيسبوك.. وإنقاذنا؟

Foto

لماذا استغلت الدول التكنولوجيا الحديثة للانقضاض على الديمقراطية؟ كيف أصبحت التكنولوجيا التى تساعدنا فى الحياة هى سبب كل مشكلاتنا الآن؟


ترجمة: أميرة جبر عن جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية

 

هناك أخبار كثيرة هذه الأيام إلى حد أنه بات من الصعب التمييز بين قصة إخبارية كبرى وأخرى. ولكن بالنسبة لى كانت القصة الإخبارية الأهم مؤخرا هى واقعة اصطدام سيارة ذاتية القيادة تشغلها شركة أوبر -بسائق احتياطى لحالات الطوارئ خلف عجلة القيادة- بسيدة وقتلها مأساويا فى شارع بمدينة تمبى فى ولاية أريزونا.

ولم أستطع إلا أن أنظر إلى القصة الإخبارية المقلقة بعمق وأقول: مرحبا بكم فى الجزء الثانى.. الجزء الثانى لواحدة من أعظم القفزات التكنولوجية فى العالم والتى بدأنا لتونا إدراك تداعياتها.
ولكن أولا دعونا نعترف بشىء واحد وهو أن الجزء الأول كان رائعا.
كان جزءا مليئا بالوعود والاكتشاف والاندهاش؛ ففى مطلع الألفينيات اندمجت مجموعة من التكنولوجيات فى صيغة منصات وشبكات اجتماعية وبرمجيات جعلت الاتصال وحل المشكلات المعقدة سريعا وفعليا ومجانيا وسهلا وواسع الانتشار وغير مرئى. وفجأة أصبح فى إمكان عدد أكبر المنافسة والتواصل والتعاون والابتكار مع عدد آخر أكبر وبطرق ومن أماكن أكثر وبأموال أقل وأسهل من أى وقت مضى. وأصبحنا كذلك بالفعل.
فأصبحنا سينمائيين وصحفيين أنفسنا، وأطلقنا ثورات سياسية واجتماعية من حجرات جلوسنا، واتصلنا بأصدقاء وأقارب مفقودين، ووجدنا الإجابات عن أسئلة قديمة وجديدة بنقرة واحدة، وبحثنا عن كل شىء من الأزواج إلى الأخبار إلى الاتجاهات إلى الأشخاص المشابهين بهواتفنا، وأطحنا بالديكتاتوريين ووصفنا أنفسنا. وبلمسة واحدة أصبح بإمكاننا استدعاء تاكسى وتوجيهه وتقييمه ومحاسبته، أو تأجير كوخ إسكيمو فى ألاسكا وتقييمه وتسديد أجرته.
ثم، وبنفس الشكل المفاجئ، وجدنا أنفسنا فى الجزء الثانى، فقتلت السيارة ذاتية القيادة العصرية أحد المشاة، ومكنت منصة فيسبوك العصرية مزارع التصيد الروسية من تقسيمنا وضخ الأخبار المزيفة فى حياتنا العامة، وتعلمت الحكومة الشمولية غير العصرية كيف تستخدم نفس أدوات التعرف على الوجوه التى قد تسهل عليك عبور مراقبة جوازات السفر لانتقائك من بين حشد للقبض عليك.
ووجد مارك زوكربيرج، الذى وعد بأن يربط بيننا جميعا وأن كل هذا سيكون جيدا، نفسه على غلاف مجلة «وايرد» وجهه مجروحا تملؤه الكدمات والضمادات وكأن قد صدمته كرة بيسبول سريعة. وهو ليس وحيدا فى ذلك؛ ففى الجزء الثانى بدأنا جميعا نشعر بأننا قد ضربنا ضربا مبرحا من قبل نفس المنصات والتكنولوجيات التى أثرت ومكنت وربطت حيواتنا.
لدينا مشكلة يا سليكون ڤالى.
ماذا بنا أن نفعل؟ فى مثل هذه المشكلات أحب أن أستشير معلمى وصديقى دوڤ سيدمان، الرئيس التنفيذى لشركة «إل. آر. إن» التى تساعد الشركات والقادة على بناء ثقافات أخلاقية، ومؤلف كتاب «كيف.. لماذا كيفية قيامنا بأى شىء تعنى كل شىء».
وبدأ سيدمان قائلا: «كانت الروح السائدة فى الجزء الأول هى أن أى تكنولوجيا تجعل العالم أكثر انفتاحا من خلال ربطنا ببعض أو تجعلنا أكثر مساواة من خلال تمكيننا فرديا يجب أن تكون، فى حد ذاتها، قوة للخير»، وتابع: «ولكن بدأنا ندرك أن سلطة جعل العالم أكثر انفتاحا ومساواة ليست فى التكنولوجيات ذاتها؛ فالأمر كله يعتمد على كيفية تصميم الأدوات وكيف نختار أن نستخدمها، فنفس التكنولوجيا الرائعة التى تمكن الناس من صياغة علاقات أعمق وتعزيز مجتمعات أقرب وإعطاء صوت للجميع ممكن أيضا أن تولد العزلة وتجرئ العنصريين وتمكن المتنمرين والفاعلين الإجراميين».
وأضاف سيدمان أنه بنفس القدر من الأهمية تستخدم «أدوات التواصل القيمة غير المسبوقة» تلك بدقة وإمكانية عالية لـ«مهاجمة الأساسيات التى تجعل ديمقراطياتنا نابضة ورأسماليتنا ديناميكية ومجتمعاتنا صحية.. وتحديدا الحقيقة والثقة».
وقد بدأ استخدامها لـ«مهاجمة أساسياتنا الشخصية.. خصوصيتنا وإحساسنا بالهوية»، إذ يقول سيدمان: «أن تستخدم معلوماتنا لتمكينا من تجارب شرائية أفضل شىء، ولكن أن يتم التنقيب عنها والتلاعب بها لصالح حملة سياسية لأحدهم، لصالح حملة سياسية قد تكون متناقضة مع معتقداتى فهذا شىء مؤذٍ بعمق ومثير للخلل». فماذا نفعل؟ يتابع سيدمان: «لأننا بالتحديد فى مجرد بداية ثورة تكنولوجية أمامها طريق غامض طويل يعلو ويهبط فنحن بحاجة إلى أن نبدأ بالتوقف للتفكير مليا فى كيف يعمل عالمنا، المعاد تشكيله بهذه التكنولوجيات، بشكل مختلف، وفى نوع القيم والقيادة التى نحتاج إلى تحقيق وعودها».
ويُصر سيدمان على أن القيم أكثر أهمية الآن من أى وقت مضى «لأن القيم المستدامة هى مرساتنا فى خضم العاصفة، ولأن القيم تدفعنا وترشدنا عندما تختل حيواتنا كثيرا، فهى تساعدنا على اتخاذ القرارات الصعبة». وقد كثرت القرارات الصعبة لأن كل شىء متصل الآن، إذ يقول سيدمان: «العالم منصهر، وعليه لا يوجد مكان حيث تستطيع الوقوف على الجانب وتدعى الحياد.. أن تقول (أنا مجرد رجل أعمال) أو (أنا فقط أدير منصة)».
لا يمكن.. إذ يقول سيدمان: «بمجرد أن ترى أن تكنولوجياتك لها تداعيات غير مقصودة لا تستطيع الحفاظ على حياديتك، خصوصا عندما تكون أصبحت مركزيا فى حياة مليارات الناس».
ويقول سيدمان إنه فى هذا العالم المنصهر «عمل الأعمال التجارية لم يعد مجرد تجارة، فعمل الأعمال التجارية هو المجتمع، وبالتالى فكيفية تحملك أو عدم تحملك لمسؤولية ما تمكنه تكنولوجيتك أو ما يقع على منصاتك لا يمكن الهروب منها، وهذا هو التوقع المستجد للمستخدمين -الأفراد الحقيقيين- الذين استأمنوا تلك الشركات القوية على الكثير من حيواتهم الداخلية».
وإحقاقا للحق ينبغى الثناء على فيسبوك وتويتر ويوتيوب لمحاولتهم العثور على حلول هندسية لمنعهم من القرصنة وتحويلهم لأسلحة.
ويضيف سيدمان: «ولكن هذه المشكلة ليس مجرد مشكلة هندسية أو مشكلة فى نموذج العمل؛ فقد تستطيع حلول البرمجيات زيادة ثقتنا فى أننا قادرون على الحفاظ على تقدمنا بخطوة على الأشرار. ولكن، فى الواقع، الأمر سيتطلب أكثر بكثير من (البرمجيات الأخلاقية) لاستعادة ثقتنا. وهناك نوع واحد فقط من القيادة قادر على الرد على هذا النوع من المشكلات.. القيادة الأخلاقية».
وما شكل القيادة الأخلاقية هنا؟
يقول سيدمان: «القيادة الأخلاقية تعنى أن تضع الناس أولا بالفعل وأن تقوم بأية تضحيات تتطلب ذلك»، متابعا: «وهذا يعنى أن لا تنافس دائما على الأشياء السطحية والكم -على كمية الوقت الذى يقضيه الناس على منصتك- ولكن على الجودة والعمق. وهذا يعنى أن ترى الناس وتعاملهم ليس فقط كـ(مستخدمين) و(نقرات) بل كـ(مواطنين) جديرين بأن يتم إطلاعهم بدقة ليقوموا بأفضل الاختيارات. وهذا يعنى أن لا تحاول فقط أن تحول الناس من نقرة لأخرى أو من فيديو لآخر بل أن تحاول الارتقاء بهم بطرق تعمق روابطنا وتثرى محادثاتنا».
وهذا يعنى، كما استمر سيدمان فى حديثه، أن تكون «شفافا تماما حول كيفية عملك وكيفية اتخاذك للقرارات التى تؤثر عليهم.. كل الطرق التى تحول بها معلوماتهم لنقود. وهذا يعنى أن تكون لديك الشجاعة على نشر معايير جودة وتوقعات للسلوك جلية، والقتال من أجل الحفاظ عليهم على الرغم من إزعاجهم. وهذا يعنى أن يكون لديك التواضع لتطلب المساعدة حتى من منتقديك. وهذا يعنى ترويج الكياسة واللياقة وجعل عكس ذلك غير مرحبا به. وهذا يعنى أن تكون شجاعا حقا، بالتصريح، على سبيل المثال، أنك لن تنام إلا عندما تتأكد أن انتخاباتنا الديمقراطية التالية لن تتعرض للقرصنة».
فى ذروة الحرب الباردة، عندما كان العالم مهددا بانتشار الشيوعية والجدران الصاعدة، تعهد الرئيس جون إف. كينيدى بأنه «سيدفع أى ثمن وسيتحمل أى عبء» ليضمن نجاح الحرية.
واليوم أصبحت الجدران المتساقطة والشبكات المنتشرة -التى يستطيع المجرمون والدول استخدامها لتسميم المجتمعات الديمقراطية- أكبر تهديد على نجاح الحرية. وستعلمون أن الأخيار يفوزون عندما ترون كبرى شركات التكنولوجيا تصعد لتحدى كينيدى، عندما تدفع أى ثمن وتتحمل أى عبء لتحمينا من سلبيات التكنولوجيات التى اختلقوها.
مرحبا بكم فى الجزء الثانى.

 

توماس إل. فريدمان

مؤلف وكاتب صحفى أمريكى، فاز بجائزة «بوليتزر» ٣ مرات فى أعوام ١٩٨٣ و١٩٨٨ و٢٠٠٢، يكتب عمودًا أسبوعيًّا فى جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية، ويكتب بشكل مكثف عن الشؤون الخارجية والتجارة العالمية والشرق الأوسط والعولمة وقضايا البيئة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات