.

استقالة حكومة شريف وما يحتاج إليه الرئيس خلال السنوات الأربع المقبلة

Foto

لماذا يُقل الرئيس من التعديلات الوزارية رغم الأزمات المتكررة؟ هل يحتاج الرئيس خلال السنوات الأربع القادمة إلى فريق وزارى جديد؟


تغيُّر الوجوه أمر لن يؤتى ثمارًا حقيقية دون تغيير شامل للسياسات التى تدير الدولة، والحكومات المصرية ظلت تسير على وتيرة واحدة وسياسات متشابهة تورِّثها كل حكومة للحكومة التى تليها، بينما ظل المواطن المصرى هو مَن يحصد ثمار البيروقراطية والعشوائية وغياب التخطيط، والآن الرئيس عبد الفتاح السيسى بصدد دورة رئاسية ثانية، يستطيع من خلالها العمل على إصلاح مواطن الضعف التى أصابت ملفات الدولة فى الدورة الرئاسية الأولى، ولكن: هل يدرك الرئيس أن ما مضى ليس على ما يُرام؟ وهل سيبادر بتشكيل حكومة جديدة تلائم المرحلة الحالية؟ أم أنه سيجدد اعتماده على المهندس شريف إسماعيل؟

الرئيس عبد الفتاح السيسى ليس من هواة التعديلات الوزارية المتكررة، فمنذ حلفت حكومة المهندس شريف إسماعيل اليمين الدستورية فى 19 سبتمبر 2015، لم نشهد سوى 3 تعديلات وزارية فقط لم تشمل وزارات: «الداخلية، الخارجية، الأوقاف، الدفاع، الإنتاج الحربى، الاتصالات، الهجرة، التضامن، التجارة والصناعة، التعاون الدولى، الصحة، الإسكان، الكهرباء، البترول، الشباب».
وبين الملفات التى لم تقربها يد التعديل الوزارى، ملف الإسكان، والذى تولَّى المهندس مصطفى مدبولى إدارته منذ فبراير 2014 ضمن حكومة المهندس إبراهيم محلب، ولا يزال حتى اليوم يتولى هذا الملف، فهل سيكون المهندس مدبولى رئيسًا للحكومة المقبلة؟ خصوصًا بعدما تولَّى رئاسة الحكومة بشكل مؤقت فى أثناء علاج شريف إسماعيل بالخارج، ثم تم تعيينه رسميًّا نائبًا لرئيس الوزراء فى يناير الماضى.
لا يوجد التزام دستورى بتقديم الحكومة استقالتها مع نهاية مدة رئيس الجمهورية، إلا أن ذلك لا يمنع تغيير الحكومة أو إجراء تعديل بها، عبر قبول استقالة رئيس الوزراء، أو إعفاء الرئيس للحكومة من أعمالها، ما يتطلب موافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة على التغيير، وذلك وَفقًا للمادة 146 من الدستور المصرى.
فى 22 نوفمبر الماضى، أعلن مجلس الوزراء، فى بيان رسمى، سفر الدكتور شريف إسماعيل رئيس الوزراء، إلى ألمانيا، لتلقِّى العلاج فى رحلة عمرها 3 أسابيع، على أن يتولى مصطفى مدبولى رئاسة مجلس الوزراء، لحين عودة إسماعيل من الخارج، ومنذ سافر رئيس الوزراء اختفت أخباره إلا من بعض الأنباء التى تفيد بتحسن حالته.
الحكومة لم تكن دقيقة فى الإعلان عن مدة علاج رئيس الوزراء، والتى قدرت بـ3 أسابيع، ولكنه فى الحقيقة عاد لتولِّى مهامه يوم 20 يناير 2018 -بعد شهرين كاملين- أى ضعف المُدة التى أعلنها مجلس الوزراء، وبالطبع كل أمنيات الشفاء للدكتور شريف إسماعيل، ولكن هذه الواقعة تستحق الوقوف أمامها بالتفكير والتحليل.
النظريات العلمية تؤكد أن المدير الجيد هو الذى يحافظ على خلق نظام عمل يسير بدقة فى أثناء غيابه، ما يعنى أن الـsystem هو الذى يدير لا شخص معين، وهذه هى إحدى علامات النجاح، نظرًا للاحتكام إلى القانون والضوابط وآليات العمل، فسير الأمور على ما يرام فى ظل غياب رأس المنظومة أمر أيضًا يعنى حُسن التخطيط، فالخطة الجيدة متكاملة الجوانب، لا تحتاج إلى وجود صاحبها أو المشرف عليها فى كل خطوة.
ولكن فى حالة حكومتنا ورئيسها، لا أتوقع أن شريف إسماعيل -أو غيره ممن شغلوا المنصب مؤخرًا- قد وضعوا سياسة أو خطة أو system يجعل الحكومة تسير كما الساعة فى غيابهم، ولكن الحق يُقال إن المواطن المصرى لم يشعر بغياب شريف إسماعيل، لا بالسلب أو الإيجاب.
فلم يحدث مثلًا تقدمًا ملحوظًا يصب فى سياسات وأسلوب إدارة الدكتور مصطفى مدبولى وزير الإسكان والقائم بأعمال رئيس الوزراء، كما لم يحدث أى نوع من أنواع الاختلاف السيئ فى القرارات يصب فى مصلحة رئيس الوزراء الحالى شريف إسماعيل، ما يعنى أن السياسة واحدة والعقلية المديرة لا تتغير.
منذ أن كلف الرئيس عبد الفتاح السيسى المهندس شريف إسماعيل بتشكيل الحكومة فى 12 سبتمبر 2015، وهو أشبه بالفنان الذى يظهر كثيرًا على الشاشة لكن لا يتحدث أو يأخذ أدوارًا محورية، وربما يتساءل البعض عن سبب اختياره لرئاسة الوزراء، فقبلها كان يشغل منصب وزير البترول والثروة المعدنية ضمن وزارة حازم الببلاوى، واستمر فى منصبه ضمن حكومتَى إبراهيم محلب الأولى والثانية، وربما وجد الرئيس أن حقيبة البترول شهدت فى عهد إسماعيل تحسنًا ملحوظًا، ولكن هل هذا التحسن يكفى لتوليه رئاسة الحكومة؟ وما معايير هذا التحسن؟
ويبدو أن الرئيس اتبع نفس المعيار فى ما يخص اختياره القائم بأعمال رئيس الوزراء، فعلى سبيل المثال ربما وجد الرئيس زيادة فى عدد وحدات الإسكان المتوسط ورواجًا فى سوق التعمير والعقارات، لذلك اتجه إلى تكليفه برئاسة الحكومة، ولكن هل هذا يكفى؟!
والوضع الحالى يطرح سؤالًا جديدًا، ألا وهو: لماذا لم يتم إعفاء رئيس الوزراء من مهامه بسبب حالته المرضية؟ فمنذ سبتمبر الماضى وتحديدًا مع موسم الحج ظهرت علامات المرض على وجهه، وتضاربت أقاويل بشأن حالته الصحية، ولكن مجلس الوزراء نفى تلك المزاعم كليًّا، حتى تم الإعلان عن مرضه الذى يبدو أنه ليس هيّنًا بسبب زيادة مدة العلاج عن المحددة سلفًا، فلماذا إذن لم يتم إعفاء شريف إسماعيل من مهامه؟
قلة التعديلات الوزارية فى فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسى، أمر له احتمالَين، إما الرضا التام عن أداء الحكومة والوزراء وخططهم المستقبلية، وإما محاولة لتصدير شعور الاستقرار لدى المواطن المصرى، خصوصًا أن تلك الحكومة أرهقت المواطن اقتصاديًّا وزادت من أعبائه الحياتية.
فى الواقع حكومة شريف إسماعيل شهدت أزمات حقيقية كانت كفيلة بأن تطيح به، ولكنه باقٍ ومستمر فى موقعه، فالوزراء يتساقطون من حوله واحدًا تلو الآخر بسبب الإخفاق الإدارى أو الفساد، وللأسف بعض الأصوات المتابعة للساحة أشادت بأداء تلك الحكومة، معتبرين أنها اتخذت «قرارات اقتصادية شجاعة» لم تستطع أى حكومة اتخاذها من قبل، ولكنها فى الواقع حكومة ألقت الأعباء على كاهل المواطن المصرى، وأرهقته بين شقَّى تخفيض الدعم والسياسة النقدية الخاطئة التى أحدثت طفرة فى سعر الدولار الأمريكى، انعكست على كل السلع المستوردة، وأدت إلى انهيار أنشطة تجارية عديدة كانت تعتمد على الاستيراد.
وعلى صعيد الصحة، فرئيس الوزراء تمسك بالدكتور أحمد عماد راضى وزير الصحة، رغم أنه لم يتلقَّ العلاج داخل المستشفيات المصرية، فضلًا عن العديد من الأزمات الصحية التى ظهرت فى عهده مثل اختفاء لبن الأطفال، ونقص الأدوية وإغلاق أبواب المستشفيات فى وجوه المرضى، وقلة الأسرّة، بالإضافة إلى تقرير المركز المصرى للحق فى الدواء والذى أكد من خلاله أن السوق المصرية تعانى نقصًا حادًّا لـ188 صنفًا دوائيًّا من بينها الجلطات وأدوية مرضى الأورام، مثل «إندوكسان، ولولوكزان، وفايف فلو يوراسيل، وميثوتريكسات، ويوروميتكزان».
رئيس الوزراء لم يعلِّق على أزمات وزارة الداخلية المتتالية مع نقابات الصيادلة والأطباء والصحفيين، بل التزم الصمت وكأنه بعيد عن السلطة التنفيذية، فهل كان ابتعاد شريف إسماعيل عن الأضواء والتصريحات الصحفية دافعًا لاستمراره؟ وهل سيكون رئيس الوزراء القادم -إن حدث ذلك- حريصًا أيضًا على الصمت وعدم التعليق على الأزمات حتى يُصدّر شعورًا بالتحسن والاستقرار للمواطن.
الأزمات الاقتصادية والصحية والأمنية، كلها لم تدفع شريف إسماعيل لتقديم استقالته، ولم تحث الرئيس عبد الفتاح السيسى أو مجلس النواب على التحرك من أجل سحب الثقة منه، ولكن اليوم نحن أمام ختام دورة رئاسية كاملة وبداية أعمال الرئيس فى دورة أخرى، لذلك ربما يحتاج الرئيس إلى فريق عمل جديد، أو ضخ دماء فى عروق السلطة التنفيذية من أجل تحقيق مكاسب جرّاء تغيير القيادة، فهل سنشهد حكومة حقيقية تدرك معنى التخطيط لمستقبل أفضل؟ تستطيع أن تحسن استغلال موارد الدولة، وتقسم على حماية مصالح المواطن المصرى حق حماية واتخاذ الشفافية مع المواطنين نهجًا لها؟ أم ستكون الحكومة المقبلة مجرد تكرار لسيناريو الحكومات السابقة؟
لا يجب تحميل المهندس شريف إسماعيل وحده مسؤولية الفشل الذى أصاب العديد من الملفات، فرئيس الوزراء الحالى أو نائبه مصطفى مدبولى، أو أى رئيس وزراء قادم فى ظل سياسات متخبطة لا تعرف التخطيط وتدمن البيروقراطية، لن يكتب له النجاح، فللأسف منصب رئيس الوزراء أصبح مجرد «موظف حكومى» لا يلفت انتباه أى مواطن سوى بالقرارات العشوائية التى تزيد من الأزمات، أو بتصريحات ضرورة التحمل من أجل عبور المرحلة الصعبة التى لا نعلم متى ستنتهى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات