.

ارفعوا أيديكم عن الحياة السياسية

Foto

هل نشهد تحسنًا اقتصاديًّا حقيقيًّا يشعر به عموم المصريين خلال السنوات الأربع المقبلة؟ لماذا يسارع البعض إلى الدعوة لتعديل الدستور قبل بدء الفترة الرئاسية الثانية؟ هل تستطيع المعارضة المصرية إعادة تنظيم صفوفها والاستعداد لما هو قادم؟


مع نهاية فصول الانتخابات الرئاسية لعام 2018، بكل ما أثارته من جدالات وملاحظات طوال الشهور الماضية، وانتهاءً بمرحلة التصويت على مدار ثلاثة أيام خلال الأسبوع الماضى، وبالإعلان الرسمى عن نتائجها من خلال الهيئة الوطنية للانتخابات، أمس الإثنين، تبدأ فعليًّا الدورة الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسى ومعها يبدأ العديد من التساؤلات حول ملامح السنوات الأربع القادمة، وإذا ما كانت سوف تظل استمرارًا لسابقتها، أم سوف تشهد تغيرات إلى الأفضل أو المزيد من سوء الأوضاع، سواء على المستوى السياسى أو الاقتصادى.

ومع أداء السيسى للقسَم الدستورى أمام مجلس النواب، وما قد يكون متوقعًا من إلقائه خطابًا رسميًّا للشعب المصرى، يرجح أن يتوجه فيه بالشكر للمصريين على مشاركتهم فى الانتخابات، وتأكيد اعتبار تلك رسالة موجهة للعالم كله بتماسك الدولة وتوحد الشعب، فإن الأهم بعيدًا عن كل دلالات نسب المشاركة وطرق الحشد فيها، يبقى حول تصورات السيسى وسلطته لما هو قادم.
على مستوى السلطة التنفيذية يبدو مؤكدًا أن حكومة شريف إسماعيل سوف تستمر برئاسته حتى وإن جرت بعض التعديلات التى لا يُتوقع أن تكون فى الوقت الراهن، خصوصًا أن الحكومة شهدت تعديلًا وزاريًّا أخيرًا قبل ثلاثة شهور فقط، ورغم أن الأعراف السياسية والدستورية يُفترض معها أن تقدم الحكومة استقالتها مع بدء الولاية الثانية للرئيس فإن عدم وجود نص دستورى مُلزم، فضلا عن ترجيح التمسك بالحكومة بتشكيلها الحالى، يؤكدان استمرار حكومة شريف إسماعيل دون تعديلات، على الأقل لعدة شهور مقبلة، حتى يتم الانتهاء من مناقشة الموازنة الجديدة التى تم إرسالها إلى مجلس النواب، وكذلك بعد بدء حزمة جديدة من الإجراءات الاقتصادية المنتظرة فى شهر يوليو المقبل، وفقًا للخطط الرسمية المعلنة، والتى سوف تشمل مرحلة جديدة من رفع الدعم وتحرير أسعار الطاقة وغيرهما، وهو ما سيؤدى بالتأكيد إلى موجة غلاء جديدة وبما قد يصاحبها من تزايد معاناة عموم المصريين الذين لم يفيقوا بعدُ حتى الآن من آثار موجات الغلاء السابقة منذ تعويم الجنيه فى نوفمبر 2016. ورغم أن الرسائل الأوضح والأكثر مباشرة طوال الفترة السابقة من المصريين كانت تدور حول الغلاء والأوضاع الاقتصادية، فإن المؤكد هو استمرار السيسى وسلطته فى نفس السياسات خلال السنوات المقبلة، مع رهان على تحسن تدريجى فى الأوضاع، أو على الأقل عدم تدهورها نتيجة استكمال بعض المشروعات وبدء ظهور آثارها، فضلا عن مدخلات بعض المشروعات الكبيرة؛ مثل حقل ظهر -على سبيل المثال- وإن كان ذلك يبدو منطقيًّا نظريًّا، فإن الأوضاع قد تتحسن على مستوى الأرقام والمعدلات، أما توزيع ثمار أى عوائد أو نتائج إيجابية فيظل مرهونًا بمدى عدالة السياسات الاقتصادية وإحساس المواطنين فعلا بأى آثار إيجابية تخفف من معاناتهم، وهو ما لا يبدو له أى اتجاه أو ملامح واضحة فى ظل الانشغال الأساسى لدى السلطة بمنهج الاستمرار فى استكمال المشروعات وجذب الاستثمارات وتحسين المعدلات والأرقام، مع قليل من برامج الحماية الاجتماعية التى تخدم قطاعات محدودة جدا، مقارنةً بمجمل مَن تأثروا بنتائج السياسات الاقتصادية.
ورغم أهمية الأوضاع الاقتصادية وآثارها الاجتماعية فى مسار السنوات الأربع المقبلة، خصوصًا أن عدم ظهور تحسن مباشر يعود أثره على المواطنين قد يثير ردود أفعال مختلفة عن السنوات السابقة، فإن السياق السياسى يظل مهما وبالغ الأثر أيضًا، ورغم تلميحات السيسى فى حواره الدعائى الذى أذيع قبل أيام من إجراء الانتخابات الرئاسية حول عدم وجود توجيهات بمنع المصريين من التعبير عن آرائهم، وأنه سيعمل على تحسين مفهوم (الأمان) لدى المصريين، الذى لا يقتصر على الأمن، فإن مجمل ما جرى على مدار السنوات الماضية، وصولًا إلى طريقة التعامل مع الانتخابات الرئاسية نفسها، يشير إلى أن الاهتمام بقضايا حرية التعبير والرأى، وتوسيع مساحات المشاركة السياسية، وتقبل الاختلاف والتعدد والتنوع، قد لا يتغير إلى الأفضل خلال الفترة المقبلة، ورغم أن أى قواعد منطقية بسيطة تؤكد ضرورة ذلك، خصوصًا إذا اعتبرنا أن تلك الفترة الرئاسية هى الأخيرة للسيسى، وفقًا للدستور الحالى، إذا لم ننجرف إلى دعوات تعديله، وكذلك فى ظل إشارات الرئيس نفسه إلى أن مرحلة تثبيت الدولة المصرية خلال السنوات الأربع الأولى قد حققت نجاحًا حسب رؤيته، وهو ما يفترض معه أن تكون السنوات التالية مختلفة، خصوصًا مع التقدم النسبى فى مواجهة الإرهاب وتراجع قدراته وعملياته من خلال عملية سيناء الشاملة، وهو ما يعنى نظريًّا أنه يفترض فتح الباب أمام مساحات للعمل السياسى المباشر دون خشية الخلط بين مفهوم المعارضة وتحديات الإرهاب، وبإدراك أن التنمية بمعناها الحقيقى والشامل لابد أن تشمل التنمية السياسية التى تشترط وجود مساحات من حرية التعبير والتنظيم والحركة والاختلاف.. فإن ذلك كله يظل مجرد كلام نظرى تماما، بكل أسف، مقارنة بالواقع والممارسات التى نشهدها، وبالتوجهات العامة للسلطة القائمة، وكذلك بالتوقعات الناتجة عن مقدمات، مثلما شهدنا فى التعامل مع الانتخابات الرئاسية، ومع أى آراء مغايرة فى الأوساط السياسية وفى الصحافة ووسائل الإعلام، وهو ما يشير إلى أن السنوات الأربع المقبلة قد تكون إعادة إنتاج، أو -بمعنى أدق- استمرارًا لما سبق، إن لم تذهب للأسوأ فى ظل تصورات عن أن الأمور صارت تحت السيطرة الكاملة وأن قبضة السلطة بعد ما جرى فى الانتخابات الأخيرة قادرة على استمرار الإمساك بالأمور بهذا الشكل، وهو ربما ما قد يغرى البعض بالجنوح نحو ما هو أسوأ، خصوصا ما يتعلق بطرح فكرة تعديل الدستور، التى بدأت مبكرًا للغاية قبل حتى إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، وهو ما سوف يكون أسوأ سيناريو ممكن قد تذهب إليه السلطة تحت إغراء استمرار التأييد الشعبى، وسكون وعجز المعارضة وعدم وجود أى مساحات معتبرة للتأثير الجماهيرى الذى قد يواجه أى توجه لمعارضة أو رفض سيناريو تعديل الدستور لتمديد فترة الرئاسة أو زيادة عدد المدد الرئاسية. ورغم أن المنطق أيضًا يقول إن طرح مثل هذا السيناريو قد لا يكون فى الوقت الراهن على الأقل، فإن كل شىء يبقى واردًا ومطروحًا.
ورغم تزايد الأصوات التى تدعو إلى إعادة الاعتبار للحياة السياسية وتفعيل دور الأحزاب وفتح الباب أمام مساحات التعبير عن الرأى والعمل السياسى، وسواءً أكانت تحمل السلطة أو المعارضة مسؤولية الوضع الراهن أم لا، فإنه إذا استبعدنا احتمال تعديل الدستور خلال السنوات الأربع المقبلة، وسارت الأمور فى سياق طبيعى، فإن كل المطلوب فعليًّا من الرئيس وسلطته وأجهزتها هو رفع أيديهم عن الحياة السياسية فى مصر، وليس كما يدعو البعض إلى دعمها أو التدخل فيها، فصحيح أن الأزمة التى تواجهها الحياة السياسية جانب رئيسى منها هو ضعف وهزال تكوينات الأحزاب القائمة، إلا أن حتى ذلك فى جزء كبير منه راجع إلى مفهوم وممارسات السلطة نفسها للسياسة والعمل السياسى، وحملات التشويه المنظمة لها، فضلا عن القيود المفروضة عليها، سواءً أكانت تشريعية أم بالممارسات نفسها؛ لذا فإن كانت هناك ذرة من نية فتح الباب ولو نسبيًّا أمام مساحات من العمل السياسى، فإن كل المطلوب فى هذه الحالة هو أن ترفع السلطة يدها تمامًا عن الحياة السياسية، ومعها الإعلام والصحافة، دون أن تطاردهم أو تلاحقهم أو تفرض عليهم تصوراتها أو تقيد آراءهم أو حركتهم. ورغم أن ذلك يبدو تصورًا مجافيًا للواقع وحقائقه، ومناقضًا للممارسات القائمة ومنهج التفكير الحاكم، فإنه يبقى فى نفس الوقت أن المعارضة المصرية المدنية الديمقراطية أمامها تحدٍّ حقيقى خلال الشهور والسنوات المقبلة، سواءً أكان عبر الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، بدءًا من المحليات ومرورًا بالبرلمان، ووصولا إلى الرئاسة فى 2022، أم عبر إعادة تنظيم صفوفها فى أطر تنظيمية جديدة حزبيًّا وجبهَويًّا، أم حتى عبر الاستعداد لمواجهة سيناريوهات تعديل الدستور فى حال طرحها، لأنها قد تكون المعركة الأكثر أهمية، وفصلا فى تحديد مسار السنوات القادمة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات