.

«أوشو» والساعون إلى شعور بالطمأنينة المفتقدة

Foto

أوشو صار ما يسمى «عارفًا روحانيًّا» وهو فى سن الواحدة والعشرين، واشتغل بتدريس الفلسفة، فى نفس الوقت الذى كان فيه لا يتوقف عن السفر


أوشو.. لعلك لم تسمع به من قبل، أو فى أفضل الظروف قد لمحت اسمه فى سياق البحث عن «هداة» للروح.

على أية حال، لابد من «أوشو» ما دمت ابن هذا العصر مُفكك الأوصال.

وقد سمعت بأوشو لأول مرة من أصدقاء غربيين، يترددون على مركزه الموجود بالهند، وبقدر العجب الذى انتابنى من فكرة السعى إلى مركز للحكمة، وهو بالمناسبة شعور ينم عن عدم الحكمة، انتابنى أيضًا الفضول لأعرف عن أوشو.


«أوشو» حكيم هندى، وُلد قبل خمسة وثمانين عامًا، فى قرية اسمها «كوتشافادا».

منذ وعى الدنيا وهو مختلف، لاحظ المحيطون أنه ميّال إلى الاختلاف عما يسود، له روح مستقلّة، وأنه مستغرق طوال الوقت فى تأمل عميق طويل.

أوشو صار ما يسمى «عارفًا روحانيًّا» وهو فى سن الواحدة والعشرين، واشتغل بتدريس الفلسفة، فى نفس الوقت الذى كان فيه لا يتوقف عن السفر، ليجوب الهند شبرًا شبرًا.. يحاضر، يناقش، يناظر، بالذات فى ما يراه الناس، وعلى الأخص المشتغلين بالدين، أمورًا مسلمًا بها.

كان أوشو مهمومًا بوضعية «الإنسان» المعاصر، وما يثقل روحه.

فى نهاية الستينيات من القرن الماضى، طوّر من عمليات التأمل، ووصل إلى ما أطلق عليه «التأمل الحركى»، حيث كان يقول إن الإنسان المعاصر يحمل الكثير من التقاليد المتخلفة، إضافة إلى ثقل الروتين الحياتى اليومى؛ ولذلك عليه أن يمر من خلال عملية «تنظيف داخلى» قبل أن يطمح فى الشعور بسكينة أو تأمل أو استرخاء.

تجاوزت شهرة «أوشو» حدود الهند مع السبعينيات فى القرن العشرين، وفى عام ١٩٧٤ تكوّن حوله فى مدينة اسمها «بونا» مجتمع بسيط، سرعان ما صار أشبه بطوفان من البشر الساعين إلى شعور بالطمأنينة المفتقدة.

كان أوشو يلمس شيئًا نادرًا فى أرواح هؤلاء المحيطين به المختلفين فى أطياف الوعى.

لم يكن يخاطب العقل منفصلاً عن الوجدان، لكنه كان قادرًا على إيجاد خطاب نابع من خبرته الوجدانية الخاصة والعقلية المستقلة.

كان يقول: «رسالتى ليست فلسفة معينة وإنما (كيمياء) معينة، علم تحويل الإنسان إلى إنسان آخر، حيث يستطيع الإنسان الجاهز للموت أن يولد بشكل جديد لا يستطيع حتى أن يتصوره ولكن ذلك يحتاج إلى شجاعة ومغامرة لا يقدر عليها الكثيرون.. إن من يسمعنى يقوم بالخطوة الأولى للولادة من جديد.

لا تستخدموا كلماتى كفلسفة تقوم بحمايتكم بشكل آمن، ليس عندى إجابات جاهزة للأسئلة المُلحة».  
«أوشو» الذى توفى فى يناير ١٩٩٠، تم جمع محاضراته فى ستمئة مجلد، وترجمت إلى ثلاثمئة لغة.

هذه المحاضرات فى لغتها الأصلية كانت تميل إلى البساطة والعمق معًا، حتى إن مترجمها إلى العربية، محمد ياسر الحسكى، وهو حامل لدرجة الدكتوراه، قد نقل إلينا محاضرات عن أقوال الحكيم «تشجوان تسزى»، وأن اسمه ينبه إلى أن موسيقية اللغة التى تضيعها الترجمة كانت سمة رئيسية لأوشو، وأن هذا الحكيم كان يعبر عن أعقد وأعمق الأفكار بكلمات بسيطة، وأن على المترجم أن يعتذر لجزء من الفاقد من الكلمة تهدمه عملية الترجمة لرسالة عصيّة على الترجمة، ومع ذلك علينا أن نشكر شجاعة الدكتور محمد ياسر الحسكى أن فتح لنا باب حكمة هذا الحكيم الهندى الذى لابد وأن يتأهب قارئه بإفراغ نفسه قبل أن يهمّ بقراءته، متخلصًا من «الأنا المزيفة».

فى حالة حياتنا العادية، ليس هناك حيّز لروحانية أو للبذرة الروحانية أن تنمو وتُربى تربية صالحة.. النفس المتخمة بالخوف من المستقبل، المهمومة طوال الوقت، تغلق الباب أمام أى مسّ روحى.. نحن بحاجة إلى أن نفرغ الأنا المزيفة، وأن ننفتح، وأن نقبل كل الوجود من حولنا، متجاوزين عملية «التقييم» المستمرة لهذا الوجود.

أوشو يقول إن للأنا المزيفة حيلاً يدركها تمامًا، لأنه هو نفسه قادم من هذا الطريق، حكمة هذا الحكيم تقوم على عملية إفراغ تمهيدية للوعى بمدى العبودية التى نرزح تحتها لكثير من الأشياء والأمور، بل والأشخاص. أوشو يقول إن الناس حوله يشكون فيه ولكنهم لا يشكون فى أنفسهم أبدًا؛ لأنه فى تلك اللحظة التى يبدأ فيها الشك، يتوقف عن الوجود.. ظهور الشك يؤدى للوقوع فى هاوية التأمل! يقول: «إننى يمكن أن أساعدك لا بصفتى خبيرًا ولا مختصًّا ولا إنسانًا غريبًا عنك، بل لأننى كنت مسافرًا على الطريق نفسه الذى تسلكه، ومررت بالجنون نفسه الذى تمر به، ومررت من خلال نفس البؤس والألم والعذاب الذى تعانى منه الآن، نفس الكوابيس الليلية، ومهما فعلت معك فإن ذلك لإقناعك بالتخلص من الجنون.

انظر إلىَّ بعمق وسوف تشعر أنى مستقبلك وفرصتك المتاحة.. الانفتاح على الوجود وإزالة «الصدأ» عن الروح، لا يمكن أن يتما بغير إفراغ الترتيب والروتين عديم المعنى، الذى يقتل فكرة البحث ويروّض الروح الثائرة.

حكمة «أوشو» ومركزه الموجود الآن يعتبر واحدًا من أهم مراكز ما يطلقون عليه مراكز النمو الروحى للباحثين عن الحقيقة من شتى أنحاء العالم، حيث يجتمع أطياف من البشر، يتشاركون التأمل بحثًا عن خلاص، ليس فقط من أوجاع جسدية ولكن من أوجاع روحية.


المركب الفارغ، هذا هو الحال الذى يستقبل به الإنسان حكمة أوشو، وهو يقول إذا كان تفكيرك ممتلئًا بالأحلام فلن تستطيع الرؤية بشكل صحيح، وإذا كان قلبك ممتلئًا بالرغبات فلن تستطيع الشعور بشكل صحيح.. الرغبات والآمال فى المستقبل تؤرقك وتشطرك، بينما كل شىء موجود فى الحاضر.. الرغبة والشهرة تسحبانك إلى المستقبل، بينما الحياة والحقيقة هى «الآن.. وهنا»، أنت لست هنا مع الحقيقة ومع الحياة، أنت تنظر ولكن لا ترى، تستمع وأنت غائب عن معظم ما تسمعه، تشعر لكن شعورك غير واضح. وكل ذلك يضيع الحقيقة.. الناس يستمرون بالسؤال «أين الله؟ أين الحقيقة؟»، مع أن الحقيقة دائمًا، والله دائمًا هنا وليس هناك أو فى أى مكان آخر، الحقيقة موجودة حيث أنت ولكنك غير موجود هنا، لأن تفكيرك تائه وقلبك مملوء بالرغبات.. أنت تتحرك إلى الماضى الميت أو إلى المستقبل الواهم، الماضى لن يعود والمستقبل لم يحدث إلى الآن، وبينهما يوجد الحاضر واللحظة الراهنة، وهذه اللحظة قصيرة جدا وهى بحجم الذرة، ولا يمكنك تقسيمها لأنها غير قابلة للقسمة.


اللحظة تمر بلمح البصر، وإذا ظهرت الرغبة لديك أو غرقت فى الأحلام، ضاعت اللحظة أو ضيعت اللحظة.. الدين الحقيقى ينقلك إلى الكمال، يعيدك حيث كنت وستكون دائمًا إلى حيث كنت وستكون.. ليس هناك طموح أن ترى الله فى مكان ما لأنك عندما تفتش عنه فى مكان ما تضيعه؛ الله موجود معك «الآن وهنا».. لقد حدث أن الملا نصر الدين قد عاد يومًا إلى بيته بعد منتصف الليل وهو لا يكاد يقف على قدميه لأنه كان سكران.. ثم بدأ فى طرق الباب (باب بيته) صارخًا على زوجته: هل يمكن، سيدتى، أن تخبرينى أين يعيش الملا نصر الدين؟ فصرخت فيه: أنت الملا أيها الأحمق. فقال معارضًا: «ذلك صحيح ولكن ذلك لا يحل المشكلة، أنا أريد أن أعرف أين أعيش».


يقول الحكيم أوشو: هذه هى الحال، الناس سكارى دومًا برغباتهم وهم يتمايلون ويطرقون أبوابهم الخاصة ويسألون: أين بيتى؟ إن بيتك فى داخلك، والحقيقة أنك لم تتركه قط لأنك لا يمكن أن تترك بيتك، فليس شىء خارجك يمكنك أن تتركه أو ترميه، إنما هو عالمك الداخلى وجوهرك الحقيقى.. والربّانية داخلك وهى جوهرك وقلبك الأعمق وهى وجودك الحقيقى الذى تتنفسه ومنه تحيا وبه تعيش.. والتشخيص لحالتك حين تسأل عن الله والحقيقة، أنك سكران بحيث لا تعرف الوجهة، والتصوف أو اليوجا كلها طرق لإعادتك إلى الوضع الفطرى كى تستيقظ وتحطم سكرك. ما الشىء الذى يسكرك لهذه الدرجة؟ إنها الرغبات التى هى كالكحول بل هى أكبر مخدر، إنها تبنى الوهم فى تفكيرك، فتبحر بعيدًا عن «هنا والآن». عليك أن توجد «هنا والآن»؛ كى تفتح لك أبواب الجنة، ولن تكون بحاجة لطرق أبوابها لأنك فى الحقيقة لست خارجها. كل ما عليك أن تكون يقظًا وأن تنظر حولك بعيون لا تغلفها الرغبات.

عندما تكتشف ذلك سوف تضحك من الأعماق ويكون وضعك أشبه بمن استيقظ بعد منامات مزعجة طوال الليل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات