.

اليابان من نصف قرن... طلة رجائى ونيس 

Foto

كان الحديث الدائر دومًا عن الغائب الحاضر «رجائى ونيس» أنه ابن بطوطة، وأنه من أتباع «بلاد الله لخلق الله».. مخلته على كتفه وريشة وقلم وشوية ورق.. والرزق على الله.


فى مقتبل السبعينيات لم يكن قد مضى على سفر أو هجرة الفنان الرسام  الجميل «رجائى ونيس» غير سنوات محدودة.. ومع ذلك كان له من الحضور الفنى على صفحات مجلتى «صباح الخير» و«روز اليوسف» ما يجعله أحد محاور أساسية فى المجلتين. وعلى المستوى الإنسانى، كان لرجائى ونيس محبة غامرة فى قلوب جيله، رؤوف توفيق ومفيد فوزى والجيل السابق عليهما، الكبير لويس جريس والعظيم الراحل حسن فؤاد.. كنا نتابع اسمه كأنه معنا، وربما ضممناه إلى حزمة الأساتذة الفنانين التشكيليين، الذين صقلوا ذائقتنا الفنية؛ أمثال جمال كامل، رحمه الله، والبهجورى وأبو العينين وهبة عنايت، ورسّامينا الكاريكاتيريين عالمى الأسلوب وإنسانيى النزعة، حجازى وصلاح الليثى وبهجت عثمان وزهدى، وغيرهم من الأسطوات، مكتفين بما يرسله من حين لآخر من رسوم نافذة على مقتضيات اللحظة، وأغلفة بمثابة السهام الراشقة. صحيح لم تكن الإسهامات منتظمة أو دورية، لكنها كانت حاضرة وبتميز جعل اسم «رجائى ونيس» مثيرًا لى ولزملاء شباب أيامها، ولخيالى أنا على الأقل، ما كان يدفعنى لترقب هذه الرسوم واستحضار ما سبقها.

كان الحديث الدائر دومًا عن الغائب الحاضر «رجائى ونيس» أنه ابن بطوطة، وأنه من أتباع «بلاد الله لخلق الله».. مخلته على كتفه وريشة وقلم وشوية ورق.. والرزق على الله.

يقولون إنه فى هذه المدينة أو تلك.. لا يهم، عينه على الدنيا وقلبه مشحون بالرغبة وفضول الاكتشاف أقوى من أى رغبة فى الاستقرار.. ربما على العكس، باتت الفكرة الاستقرار فى الترحال، أو الترحال المستقر، أو لا يهم التوصيف، المهم هو امتلاك العالم فى قبضة العين.. وهل للعين قبضة؟ ربما يستقيم الكلام لو أننا استوعبنا أن للفنان عينًا غير العين، وأن له بصيرة متجاوزة، وأننا لا يمكن أبدًا أن نتعامل بنفس المعايير، لكن علينا الوعى والإدراك أنه قد تأتى لحظات فى المشاوير تفصل وتحسم وربما تقرر مصيرًا، وهو ما جرى مع رجائى ونيس لما نادت عليه نرمين القويسنى، سكرتيرة الأستاذ إحسان عبد القدوس، رئيس مجلس إدارة روز اليوسف، أحد أيام مايو ١٩٦٢، ليقابل الأستاذ إحسان:
«تحب تسافر اليابان؟ شركة الطيران العربية المتحدة باعتة دعوة لمحرر ورسّام للسفر لليابان وهونج كونج، لافتتاح خط القاهرة/ طوكيو».


كانت هى اللحظة التى فيها لم يكن رجائى ما قبل هو نفسه رجائى ما بعدها..  


رجائى المتخرج فى قسم التصوير بفنون جميلة عام ١٩٦٠، وقع فى غرام اليابان لما سافر إليها أول مرة عام ١٩٦٢، بنفس الطريقة التى يمكن أن تحس إزاء إنسان تقابله لأول مرة، أن أمرًا يطول شأنه، سوف يكون.. وقد كان.. كان أن اليابان «شبكت رجائى ونيس» فقرر العيش فيها، ولو لسنوات.  


قفزت إلى ذهن رجائى عقب سؤال الأستاذ إحسان: «تحب تسافر اليابان؟» فنون الطباعة اليابانية على الخشب التى أذهلت المدرسة التأثيرية فى أوروبا.. لوحات فانجوخ التى فى خلفيتها المطبوعات اليابانية التى كان يزين بها حجرته.. واستحضر من طفولته صورة طفل يابانى كانت يومًا فى كتاب المطالعة، و«بوستر» كان معلقًا على حائط مقهى الكونتنتال فى بنى سويف، ابن بنى سويف المولود عام ١٩٣٨، سافر مع مفيد فوزى إلى اليابان.. لتصبح اليابان «نقطة التحول» التى طالما حلم بها.. أن يصول ويجوب الدنيا.. كم مرة أضمر رحيلاً وترحالاً فى طفولته وانكشفت مخططاته غير المُحكمة وهو على محطة القطار؟ كم مرة حلم ببوابات للسفر؟!


الرحلة الأولى لليابان لم تتجاوز ثلاثة أشهر، من يونيو إلى أغسطس، لكنها كانت البوابة لميلاد آخر لرجائى ونيس وعين وريشة وتكوين رجائى ونيس. بعد أكثر من نصف قرن نطلع على الدهشة الأولى ونظرة فنان مصرى أو طلّته على اليابان، بل إنه وهو يطالعنا ويطلعنا على صورة اليابان فى تلك الفترة، تفاجئنا المكانة التى ما زالت كامنة فى دواخله لليابان حتى بعد أن غادرها وجاب الدنيا وعاش فى باريس ثم استقر فى أستراليا.. يقول: «جالس فى مَرسمى الذى ازدحم فى السنوات الأخيرة بلوحات لم تكتمل وأخرى اكتملت وتقبع فى البراويز مستندة على الحوائط أو الدواليب أو الأرفف أو أى سطح فيه مكان لها، لوحات لا أريدها أن تفارقنى، ويأتى الزبائن والمعارف أحيانا ويسألون عن لوحات للبيع، لكنى أحوّل مجرى الحديث إلى موضوع آخر، وأعدهم بأعمال جديدة أروَع مما يودّون شراءه، وأستعجلهم فى الخروج! هناك اسكتشات قديمة معظمها يحتوى على رسوم رديئة وسريعة، لكنها تذكرنى بشخص أو مكان فأبقى عليها وأعد نفسى أن أتخلص منها قبل أن أرحل.. الأدراج مليئة بالرسومات ومشروعات الرسوم، بقصص قصيرة وطويلة، بأبيات شعر بالعربية والإنجليزية.. على المكتب مئات الأقلام والفرش وعلب الألوان والأحبار.. الراديو على موجة fm تذيع الموسيقى الكلاسيك.. سيمفونية شهرزاد لريسكى كورساكوف، فأسرح بخيالى إلى الخمسينيات أيام حلقات ألف ليلة بعد مدفع الإفطار فى رمضان.. بعد نهاية السيمفونية أتجه إلى جهاز التسجيل وأضع شريط أغنية الأطلال لأم كلثوم وهى الأغنية المفضلة عندى غناءً وكلمات ولحنًا، وأتخيل مصر فى حقبة انتهت.. شكل الشوارع.. كافيتريا هيلتون وسميراميس.. الحسين.. ملهى الكوزموبوليتان.. ثم رحلة اليابان».  


فى هذه المكانة، يضع رجائى رحلته إلى اليابان. عن الخلطة اليابانية العجيبة قبل أكثر من نصف قرن، يكتب رجائى ويرسم، خلطة مزجت ما بين عَراقة القديم والحديث المعاصر.. ما بين المعابد القديمة بحدائقها الرائعة وحداثة ما حولها.. كان يثير إعجابه أن الحديث لم يقضِ على القديم، ذلك الحوار الداخلى الصامت.

 
أيامها وقبل أكثر من نصف قرن، كان وجود أجنبى فى اليابان يثير فضول الناس، وبخاصة بعيدًا عن تجمعات السياح.. بعض الناس كانت تتجمع للفرجة علينا ومحاولة الكلام بالإنجليزى! كل ذلك بأدب شديد.

فى كل التاكسيات يخرج السائق الذى يلبس دائمًا «كاسكيت» و«جوانتيات» بيضاء ليساعد فى وضع الحقائب.  


اليابان التى كانت رحلة المصير لرجائى ونيس، يابان تتعافى.. لم تكن بعد قد كشفت كل طاقات التفوق المبهر.. الإرهاصات واضحة لكن الكامن أكثر.. واكتشاف الإرث اليابانى بالنسبة لونيس كان الأقوى.. مسرح الكابوكى.. المعابد.. روحانيات الزن والمتاحف.. المعابد.. الحدائق، وأيضًا كلية الفنون التى بسببها سوف يعود ونيس ليمضى سنوات فى دراسة الحفر على الخشب بها. يصف لنا زيارته الأولى للكلية التى يجلس الطلبة والأساتذة على الأرض المغطاة بـ«التنامى» أى الحصير، ولقاءه بشاب من جزيرة تاهيتى بالمحيط الهادى.. ماتسورا الذى يرسم هناك كما كان يفعل «جوجان».. راح ونيس يسأل ماتسورا السؤال بعد السؤال عن الحياة هناك وعن السبيل للوصول.

كان قد شاهد فيلما اسمه «عصفور الجنة» عن قصة حب فى هاواى، وكان فى قرارة نفسه يسعى وراء من رسمهن «جوجان» من جميلات.. حيوات وليس حياة واحدة، ارتادها فى اليابان بادئًا بالعاصمة قبل أن تختطفه كيوتو، حيوات لا تشبه ما يعيشه السائحون، ولكن هى مزيج من تجارب المغامرين على أهواء الفنانين.. كيوتو التى اختطفت اللب، مدينة تقليدية وهى العاصمة القديمة لليابان، مدينة المعابد والحدائق والفنون، أخذه إليها هو ومفيد فوزى ماتسورا، صديقهما الذى يرسم له رجائى صورة درامية مثيرة للفضول! فى أول ليلة بكيوتو، فى فندق تقليدى، بعد ساعات من النوم الطويل فى فندق يابانى تقليدى، كانت تجربة الحمام اليابانى.. كانت حجرة الحمام كبيرة وفيها حوض يشبه البانيو لكنه عميق وأكبر بكثير، قال ونيس لنفسه: هذا حمام فاخر.

واستخدم الصابون بغزارة وخرج مادحًا روعة الحمام اليابانى ليفاجأ بعدها بقليل بصاحبة الفندق منفعلة بشدة لأن الصابون الذى أغرق به ونيس الحمام كان لكل النزلاء وكذلك الماء الساخن، وأنه كان عليه أن يستخدم الصابون لغسل جسمه عند الحنفية ثم يشطفه ثم ينزل الحمام بعد التخلص من الصابون تمامًا.. حاجة كده شبه البسين! الشينتو والبوذية، والقصر الإمبراطورى والحدائق ومعبد كينكاكوجى، أى المعبد الذهبى والبحيرة، ويقول ونيس إن تفاعله مع ما كان يرى فى كيوتو كان إعجابًا بغير المألوف دون أن يعرف سببًا منطقيا لكن كان عليه أن ينتظر سنوات حتى يندمج فى المجتمع اليابانى.

من بين زيارات عديدة يشير إلى زيارة إلى معبد «ريو إنجى» الذى يصفه بمفاجأة المفاجآت. المعبد الواقع على مسافة من كيوتو مبنى بسيط له حديقة تقليدية لكن له حديقة أخرى مشهورة وهى مثال على البساطة المجردة التى ينادى بها بعض الذى يمشطه الرهبان بشكل معين كل يوم بينما الزوار جالسون فى صمت مذهب الزن «zen» البوذى الشهير.. الحديقة عبارة عن حوش خلفى يحتوى على الصخور والحصى والزلط الأبيض.. قيل لهما، مفيد وونيس، إن ذلك للتأمل وبداخل ونيس كان هناك ما يسميه الوتر المتعاطف مع كل ما يرى حتى لو لم يكن الوعى العقلى به مدركًا. فى ليلة، بينما هما جالسان، مفيد ورجائى، فى شرفة تطل على جسر خشبى، يتبادلان حصاد اليوم، وقد شارفت رحلتهما على النهاية، كانت دواخل ونيس تموج بما ينبئ أن ما كان لم يكن مجرد عبور كالسائحين، لكنه كما يقال: معاود.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات