.

السمك

Foto

مضت أربعة «خِمْسَان» لم أطهو خلالها «سمكًا مقليًّا» ولا أرزًا بالبصل وسلطة طحينة.. ولا فاحت رائحة طواجنى.. تمازحنى بأنك تزوّجتنى فقط عشان باعرف أعمل «سمك»


هاتفنى «وليد» معاتبًا، طبعًا تعرفه وتعرف أن «أصحابى»، كما تطلق عليهم، موزعون على خارطة القاهرة الكبرى، ويمكن المحافظات.. «بتتريق» علىّ، «طيب يا سيدى» وليد زعلان ويمكن «شاكك»، شاكك فعلاً، لم أرفع عنه سماعة تليفون منذ أسابيع أربعة، سألنى إن كنت غاضبة أو حاجة ماعجبتنيش.


كان محقًّا، لم يحدث أن مرّت كل هذه المدة «حتى لو كنت أنت على سفر»، دون أن أهاتفه، وعند سفرى كنت أترك لديه مبرر الغياب.


مضت أربعة «خِمْسَان» لم أطهو خلالها «سمكًا مقليًّا» ولا أرزًا بالبصل وسلطة طحينة.. ولا فاحت رائحة طواجنى.. تمازحنى بأنك تزوّجتنى فقط عشان باعرف أعمل «سمك»، وأزايد عليك «بخيلاء» كاذب، طيب و.. و.. الفتة.. وداوود باشا.. ودقية السبانخ بالحمص واللحم المفروم التى كنت تقول إنها «مسكرة».. أحب ضحكاتنا الفالتة من جمر حياة مشحونة، وأسعى جاهدة أن يقف الزمان عند تلك اللحظة التاريخية، حين تقف عند مائدة الغذاء عندما يتصدرها «السمك» منشدًا: «السمك مقلى.. كُل وبرّق لى».


زمان كنت تفعل ذلك حاملاً واحدًا من ابنينا، العيد الصغير الأخير حملت «مالك» قلبك بأعوامه الأربعة، ذلك الحفيد الذى قلب حياتك وحياتنا رأسًا على عقب، أو بالأصح «استعدلها»، وذلك شرحه يطول.

رحت تنشد معه، ونحن نردد وراءكما «السمك مقلى، كُل وبرّق لى»، بصوت تعمّدته «أجشًا فخيمًا مرحًا» وقد تعمدت إضحاك مالك.  


يا لروعة صفوك..  
الخميس عادة يوم «السمك»، لسبب بسيط أنه اليوم الذى به شبهة «حراك» فى جدولك الصارم، نجلس للغداء بإحساس أن «بكرة إجازة»، مع أننى لم أرَك على مدى أربعة عقود يومًا فى إجازة.. صحيح «الإجازة» كلمة ومعنى غير موجودة إطلاقًا فى أيامك، لم أعرف لك لا إجازة أسبوعية ولا سنوية، حتى لو فى مرات اصطحبنا فيها الأولاد فى سفر.


غرامك بـ«السمك المقلى» رصدته منذ البدايات، أول مرة اصطحبتنى إلى بيت أُسرتك، وأول مرة قدمتنى إلى «الوالدة»، كما كنت تشير إليها، «والتى لا تذكر اسمها أبدًا»، عندنا فى الصعيد ماحدش يقول أو ينطق باسم حريم بيته، عيب «يا بحراوية»! تعايرنى ببحراويتى، طيب، ده إحنا بتوع الخضرة وكشك ألمظ، مش الحجر اللى بتسموه «كشك»، بتوع المشلتت وعيش القمح اللى زى ورقة «البفرة» والحمام.. ولا تدعنى أنت، أكمل «كله إلا الحمام.. وأرد ليه: إنشاء الله يا بتوع (رى الحياض)»! كان حوارًا أشبه بالمباراة التى أنت ضامن لانحياز جمهورها، ماجى وميدو، والذى ينتهى بادّعاء المسكنة الخالدة «والله أنا أقلية.. حاطلب حماية دولية»!


فى ما بيننا تهمس بأجمل وأنبل ما يمكن أن يصل إلى أسماع امرأة، «يا جميل.. واحنا نسوى حاجة من غيرك»، طب إيه رأيك إنك طلعت مش عارف حاجة، وإن احنا اللى من غيرك، مأوى بلا جدران، وبيت من غير سقف، وإن انت الدلع والأحلام، كان خلافنا منحصرًا فى «نوع السمك»، مع كل ما بذلت من جهود، إيشى «قاروص» وإيشى «موسى» و«بربون»، ظللت وفيًّا لنوع بعينه، تقول لى إنه «سمك الفقراء» وإنه الأطبب مذاقًا والأكثر مصرية، ولا تتوانى عن أن ترينى نقشه محفورًا فوق جدران المعابد المصرية، سابحًا فى نيل مصر.


كان مذاقه يستحضر مكابدة مقيمة ومستقرة فى حشاك، حضور هذا السمك البلطى بالذات على المائدة، الذى لم يكن يقربه غيرك، استمر كأنه إشارة، رمز، استحضار.

أجلستنى «الوالدة» إلى جوارك، ملأت طبقى سمكًا وأرزًا، وبخجل راقٍ همست فى أُذنى كأنها توصينى عليك «جمال بيحبّه.. كُلى والله ده صابح». كانت «جليلة» وراقية، لا يعجبها الحال المايل، ست تعرف الأصول، ربانة سفينة بحق وحقيقى، كنت أعرف أنها الوحيدة التى تقف أمامها خاشعًا متبتلاً عاجزًا عن الإتيان برد ولو بعض من الجميل، فى المرة الأولى بعد السمك المقلى ناولتنى الشاى، أمسكت  بذراعى، أمعنت النظر إليك، وبلكنتها الصعيدية قالت «بكرة يملالك دراعك دهب من هنا لهنا»، فى ما بعد كنت «ألعب على الوتر»، متيقنة من انحيازها إلىّ، بقلب أم أدركت أننى على رأى أُمّى، الله يرحمها، واقعة لشوشتى، وكأنها استأمنتنى عليك، واطمأنت وكافأتنى على طريقة «اللى يطعم ابنى بلحة حلاوتها تنزل فى فمّى».  


لكنّ «سمكًا مقليًّا مشهودًا» لا يمكن أبدًا أن ننساه. فى مستشفى كليفلاند، أول عملية «فتح قلب» عام ١٩٩٦، منحك الطبيب بعد أن أنعم الله علينا بنجاح العملية،  أسبوعًا تأكل فيه ما تتوق إليه نفسك.

طبعًا لم أكذّب الخبر، صبيحة يوم خروجك من المستشفى لفترة نقاهة فى الفندق التابع للمستشفى، أخذت تاكسى وسألته أن يأخذنى إلى حيث يمكن أن أشترى «سمكًا»، اشتريت ما اشتريت، أنواعًا من السمك لم أعرفها، لكن بالشبه كده، ده ينفع مقلى لأنه سمك عريض يشبه الدنيس، وده ممكن طاجن، و.. وعدت إلى المطبخ الصغير الملحق بحجرة الفندق، تبّلت السمك، تتبيلة فيها كل ما اكتسبته فى دنيا السمك من خبرة، وتركته، أعددت الأرز بالبصل، و.. وآن أوان قلى السمك قبل الذهاب لاصطحابك من المستشفى لنعود معًا يا حبيبى.

قليت جزءًا وفجأة انتبهت إلى صوت فى الشارع، صوت أشبه بعربة إسعاف أو.. لم أعر الضجّة انتباهًا، لكنّ طرقًا متتاليًا على الباب أجبرنى على الفتح: كانوا رجال المطافئ! لم أنتبه إلى جهاز إنذار بالحجرة، جهاز مايعرفش يترجم صح، حوّل عبق مطبخى المعبّأ برائحة السمك المقلى إلى: إنذار «حريق»!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات